أنقرة تحاول إنقاذ حليفها بعد تكبده خسائر كبيرة

الانخراط التركي في الحرب الليبية متعدد الأشكال

صورة

تصاعد الانخراط التركي في الصراع الليبي، وذلك عبر تكثيف عمليات تهريب الأسلحة والمقاتلين من تركيا إلى ليبيا، سواء كان ذلك جواً أو بحراً، خصوصاً في ظل الهزائم المتتالية لميليشيات حكومة الوفاق في مواجهة الجيش الوطني الليبي. وارتباطاً بذلك، فقد أعلن اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، في 10 يوليو الجاري، عن قيام سلاح الجو الليبي بتنفيذ ضربات جوية على مخازن للأسلحة والذخائر في مدينة غريان غرب البلاد. وفي هذا الإطار، يستعرض التحليل مؤشرات هذا الانخراط، ودوافعه، وانعكاساته.

تهريب الأسلحة التركية

كشفت تقارير، نشرها العديد من الصحف في مطلع يوليو الجاري، عن رصد مسار عددٍ من الطائرات التابعة لشركة أوكرانية، وهي مُحمّلة بأسلحة ومتطرفين قادمين من سورية، مُتجهة من كييف ثم إلى مطار إيسنبوجا التركي في أنقرة، وصولاً إلى مدينتي طرابلس ومصراتة في ليبيا، حيث إن تلك الطائرات لا يتم تحديد وجهتها النهائية كما تستدعي الترتيبات المعمول بها عالمياً، وذلك بهدف إخفاء طبيعة الرحلات أو حمولتها، خصوصاً مع تعمُّد إغلاق أجهزة التتبُّع الخاصة بالطائرات أثناء الدخول إلى الأجواء الليبية، حيث لا يتم تشغيلها مرة أخرى إلا بعد دخول الأجواء التركية.

ولا تُعد هذه الممارسات التركية بالأمر الجديد، إذ لم تتوانَ أنقرة - على مدار السنوات الماضية - في محاولات تهريب الأسلحة إلى ليبيا، بما يُعدّ خرقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1970 الصادر في مارس 2011، وهو القرار الذي تمَّ تجديده بإجماع أعضاء مجلس الأمن في 10 يونيو الماضي، حيث تمَّ ضبط حمولة تركية بها نحو 32 مليون طلقة ذخيرة للبنادق الهجومية والرشاشات، كانت في طريقها إلى الميليشيات المُسلَّحة في طرابلس نوفمبر 2014، وكذلك في ديسمبر 2014، تمّ اعتراض أربع حاويات من الأسلحة قادمة من تركيا، وفي يناير عام 2018 أعلنت اليونان ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا، وعلى متنها نحو 500 طن من المتفجرات، وفي ديسمبر 2018 تمّ ضبط حاوية تحوي أسلحة وذخيرة قادمة من تركيا، ومن ضمن الأسلحة المضبوطة 4.3 ملايين رصاصة ونحو 400 بندقية و3000 مسدس.

وفي منتصف مايو الماضي، وصلت سفينة «أمازون» التركية إلى ميناء طرابلس قادمة من أحد الموانئ التركية، وعلى متنها صواريخ «ستنيجر» المضادة للطائرات، وخمس حاملات صواريخ، إضافة إلى نحو 40 مدرعة وصاروخاً. وقد أعلن المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري، في ذلك الوقت، عن قيام تركيا بتهريب طائرات بدون طيار إلى جانب أسلحة أخرى بهدف دعم ميليشيات حكومة الوفاق.

ويمكن القول إن النصف الأول من عام 2019، شهد نقلة في نوعية التسليح الذي تقوم به تركيا للميليشيات المسلحة المسيطرة على العاصمة طرابلس، بما يعكس تصاعد اتجاهات التهريب إلى ليببا، وهو ما تجلّى بشكل بارز في معركة غريان جنوب طرابلس، إذ تمكنت الميليشيات من استعادة قاعدة غريان الاستراتيجية من قبضة الجيش الوطني الليبي أواخر يونيو 2019. وفي هذا الإطار، صرح اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، عن مشاركة أكثر من ثماني طائرات تركية بدون طيار في الهجوم على قوات الجيش في تلك المعركة.

لماذا ليبيا؟

تتعدد الأسباب التي دفعت تركيا إلى تكثيف دعمها العسكري واللوجستي لحكومة الوفاق خلال الفترة الأخيرة، لاسيما في ما يتعلق بتهريب الأسلحة. وفي هذا الإطار، يمكن تناول أبرز الدوافع التركية في ما يلي:

1- إنقاذ الحليف

يحاول أردوغان إنقاذ حليفه رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وقد أشارت تقارير عدة صادرة عن موقع «أفريكان إنتلجنس» (African Intelligence)، نقلاً عن مصادر استخباراتية إلى أن زيارة السراج الأخيرة إلى إسطنبول في الخامس من يوليو 2019، كانت في الأساس بهدف طلب مزيد من الدعم العسكري التركي، حيث طلبت حكومة السراج تسليم دفعة جديدة من الطائرات بدون طيار، وذلك عبر استمرار مسارات التهريب التي تستخدمها تركيا وصولاً إلى طرابلس، وكذلك إلى مصراتة، وذلك رغم استمرار الحظر الدولي على توريد الأسلحة إلى ليبيا.

2- تصدير الأزمات

تحاول تركيا إعادة إنتاج النموذج السوري في ليبيا، حيث يلاحظ أن سياستها الخارجية قد تغيرت من تصفير المشكلات إلى تصدير الأزمات، وذلك عبر محاولة نقل مزيدٍ من مقاتلي الجماعات الإرهابية، وبالتحديد جبهة النصرة، إلى طرابلس، من أجل نقل الأزمات من الجوار التركي المتمثل في سورية إلى جوار خصوم إقليميين آخرين، ويعكس تصاعد تهريب الأسلحة والمقاتلين تلك الرغبة التركية الحثيثة، خصوصاً مع تزايد مستوى ونوعية التسليح، ما دفع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، في الرابع من يوليو 2019، إلى انتقاد تدفق المقاتلين من محافظة إدلب السورية إلى ليبيا، وهو انتقاد ضمني له دلالات مهمة تتمثل بالأساس في تحذير تركيا من الاستمرار في تهريب المقاتلين إلى ليبيا، ورفض المقاربة السياسية التركية القائمة على حلحلة الوضع السوري، عبر تأزيم الوضع الليبي أو «سورنة» ليبيا.

3- دعم الاقتصاد التركي

تهدف تركيا إلى استثمار التدهور في الوضع الليبي من أجل انتشالها من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة، عبر تعزيز العائدات المالية لتدفق الأسلحة المُهرّبة إلى ليبيا، حيث إن الحكومة التركية تسعى إلى زيادة صادراتها من الصناعات الدفاعية، خلال عام 2019، إلى نحو ثلاثة مليارات دولار، بعد أن بلغت في عام 2018 نحو 2.2 مليار دولار فقط. وفي هذا الإطار، فإن ليبيا الغنية بالموارد الطبيعية، تعتبر فرصة سانحة من أجل زيادة مبيعات الأسلحة، جنباً إلى جنب مع وجود مخططات تركية من أجل الاستفادة من اكتشافات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً في ظل الإخفاقات الكبيرة للاقتصاد التركي الذي حقق معدل نمو منخفضاً للغاية، خلال عام 2018، بلغ 2.6% فقط، وفق بيانات معهد الإحصاء التركي في مقابل 7.4% في عام 2017. كما يشير تقرير صادر عن وكالة «بلومبيرغ» في 8 يوليو الجاري، إلى أن تركيا تستهدف من دعمها حكومة السراج استئناف مشروعات البناء، التي تبلغ قيمتها نحو 18 مليار دولار.

4- مساومة الخصوم

يحاول الرئيس أردوغان تعويض هزائمه الداخلية، المتمثلة في خسارة انتخابات مدينة إسطنبول أخيراً، وتراجع شعبية حزبه، وكذلك هزائمه الخارجية، في ظل زيادة الضغوط والخسائر في معركة إدلب السورية، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الضحايا من الجنود الأتراك بها، وقد عكس تكثيف التوجهات التركية نحو تهريب مزيد من الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا خلال الفترة الأخيرة إدراكاً تركياً لتحوُّل الوضع الليبي من مرحلة «التوازن» إلى مرحلة «القائد المُسيطر»، وذلك في ظل النجاحات المتتالية التي حققها المشير خليفة حفتر، خصوصاً مع إطلاقه معركة طوفان الكرامة في أبريل الماضي، من أجل القضاء على الميليشيات المسلحة الموجودة في طرابلس، حيث إن إسقاط طرابلس يعني سقوط ورقة المساومة التركية في الملف الليبي.

انعكاسات سلبية

تصاعد اتجاهات التهريب، سواء للأسلحة أو المقاتلين باتجاه ليبيا، من شأنه أن يؤدي إلى انعكاسات خطيرة، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وذلك على النحو التالي:

1- تأجيل الحسم

تدفق الأسلحة والمقاتلين من أجل دعم حكومة الوفاق، يعزّز استمرار قيام الميليشيات المسلحة المنتشرة بطرابلس في تأجيج الصراع الليبي، في ظل توفير غطاء سياسي لهم من جانب السراج وحكومة الوفاق، ما يعرقل جهود الجيش الوطني الليبي في التخلص من هذه الميليشيات، وما يستتبعه ذلك من تأجيل حسم معركة طوفان الكرامة، التي انطلقت منذ نحو ثلاثة أشهر.

2- تمدد التنظيمات الإرهابية

يشكل تدهور الأوضاع في ليبيا بيئة خصبة لتمدد أنشطة التنظيمات الإرهابية الفارّة من سورية والعراق، لاسيما تنظيم «داعش» الذي يبحث عن إعادة التموضع من جديد في ليبيا بعد هزيمته وطرده من سرت أواخر عام 2016، وهو ما يمكن التدليل عليه بتزايد الهجمات الإرهابية التي ينفذها تنظيم «داعش»، خلال الشهرين الأخيرين، على قوات الجيش الوطني الليبي، ولعل آخرها هجوم «داعش» على حقل نفطي في جنوب شرق ليبيا في العاشر من يوليو الجاري، وقبل ذلك ببضعة أيام، قام عشرات المقاتلين التابعين لتنظيم «داعش» في ليبيا ببث فيديو مُصور، يُجدّدون فيه البيعة لزعيم التنظيم، ويتوعدون فيه الجيش الوطني الليبي بعمليات انتقامية.

وترتكز استراتيجية الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في الوقت الحالي على تشتيت جهود الجيش الوطني، وإثنائه عن هدفه الرئيس لتحرير العاصمة طرابلس، وذلك عبر نقل المعركة إلى المناطق الأكثر استقراراً الواقعة تحت سيطرة الجيش، وهو ما تجلّى بشكل كبير في تصاعد العمليات الإرهابية، سواء في شرق ليبيا أو في جنوبها، ولعلَّ آخرها الهجوم الإرهابي في بنغازي شرقي ليبيا في 11 يوليو الجاري، الذي استهدف قيادات عسكرية تابعة للجيش الوطني الليبي، وقد سبق ذلك، وبالتحديد في الثامن من يوليو الجاري، تصدّي الجيش الوطني لهجوم من مرتزقة أجانب موالين لحكومة الوفاق على مدينة مرزق، في أقصى الجنوب الليبي.

3- تعزيز الاستقطاب

تزايد الانغماس التركي في الصراع الليبي، من شأنه أن يعزّز حالة الاستقطاب الداخلي، في ظل إمداد أحد طرفي الصراع بمزيد من الأسلحة والمقاتلين، كما أن ذلك من شأنه أن يزيد حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي حول ليبيا، خصوصاً في ظل تباين المصالح بين معظم الدول المنخرطة في ذلك الصراع، ما يمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد الصراع بشكل أكبر، واستبعاد الحلول السياسية التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة بناء الدولة الليبية، خصوصاً في ظل ضعف الدور الأممي وعدم حياديته. ولعل عدم خروج أي إدانة رسميّة من جانب المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، بخصوص تهريب تركيا للأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا، يُعد مثالاً واضحاً في هذا الشأن.


التهريب إلى تزايد

اتجاهات تهريب الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا مرشحة للتصاعد بشكل أكبر، خلال المرحلة المقبلة، انطلاقاً من تكثيف عمليات التهريب، ورفع مستوى التسليح عبر تكتيكات متباينة من المراوغة والتخفّي، جنباً إلى جنب مع تراخي الأطراف الدولية الفاعلة عن القيام بمسؤولياتها تجاه منع استمرار تلك التدفقات، ما ينعكس بشكل رئيس على تزايد حدّة العسكرة في الصراع الليبي.

ترتكز استراتيجية الميليشيات المسلّحة والتنظيمات الإرهابية، في الوقت الحالي، على تشتيت جهود الجيش الوطني، وإثنائه عن هدفه الرئيس لتحرير العاصمة طرابلس، وذلك عبر نقل المعركة إلى المناطق الأكثر استقراراً، الواقعة تحت سيطرة الجيش.

طباعة