مستوطنة للأوروبي الأبيض لا مكان فيها للأسود

انتفاضة اليهود الإثيوبيين تعري عنصرية إسرائيل مع أبنائها

صورة

بدأت الأحداث عندما أطلق رجل شرطة خارج ساعات الخدمة النار على شاب إثيوبي هو سولومون تيكا، البالغ من العمر 19 عاماً، الذي قدم من إثيوبيا إلى إسرائيل مع عائلته عندما كان عمره 12 عاماً، ليرديه قتيلاً، مبرراً ذلك بأن الشاب كان في مشاجرة مع آخرين، وأنه حين حاول انتهارهم لوقف المشاجرة قذفوه بالحجارة، وأنه أطلق النار دفاعاً عن نفسه وحفاظاً على حياته.

وقد تسببت الواقعة في اندلاع موجة غضب في أوساط المجتمع اليهودي الإثيوبي في إسرائيل تحولت إلى عنف واسع النطاق، فقاموا بتحطيم السيارات وعربات الإسعاف وحرق إطارات السيارات، وحاولت السلطات الإسرائيلية احتواء الموقف، لكن التظاهرات اتسعت على مدى أيام فجرح العشرات واعتقلت السلطات 136 متظاهراً.

جذور المشكلة

تعود جذور المجتمع اليهودي الإثيوبي إلى بدايات 1975، لكن الوجود الحقيقي لليهود الإثيوبيين تعزز عبر ثلاث موجات كبيرة من الهجرة، أولها كانت في الثمانينات عبر ما عرف عربياً باسم «هجرة الفلاشا» أو ما يسمى إسرائيلياً بـ«عملية موسى»، والتي تمت وسط ضجيج إعلامي واسع اتهم بالتواطؤ فيها الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، والثانية في التسعينات التي تمت بلا ضجيج تحت اسم «العملية سليمان»، لكنها اتسمت بكثافة النقل، حيث تم استقدام 14 ألف يهودي إثيوبي إلى الكيان العبري خلال 36 ساعة عبر أسطول ضخم من الطائرات العسكرية والمدنية الإسرائيلية، والثالثة تمت بشكل تراكمي منذ عام 2000 وبلغت ذروتها 2010.

يُشكل المجتمع اليهودي الإثيوبي اليوم 1.7% من حجم سكان إسرائيل، حيث يقدر عددهم بـ140 ألف شخص طبقاً لإحصاءات مركز التعداد والإحصاء الإسرائيلي، ويتسم هذا المجتمع باحتكاره أعلى درجات الفقر، والبطالة وانخفاض الدخل في إسرائيل.

بدأت جذور الإحساس بالعنصرية عند اليهود الإثيوبيين في منتصف التسعينات، عندما رفضت بنوك الدم الإسرائيلية قبول دماء الإثيوبيين، بحجة الخوف من إصابتهم بالإيدز المعروف بانتشاره في بلدان إفريقية، وعلى الرغم من واقعية الاحتمال إلا أن طرح ذلك علانية أثار استفزازاً واسعاً عند اليهود الإثيوبيين، وتطور هذا الإحساس بالدونية عندما فر اليهودي الإثيوبي افرام مانغستو، أو ضل طريقه أو تم أسره على الحدود مع غزة، وقارن اليهود الإثيوبيون تجاهل السلطات والإعلام الإسرائيلي لمصير مانغستو بينما قابل ذلك اهتمام واسع بمصير جلعاد شاليط.

أمّا الواقعة الثالثة للاحتجاج على العنصرية من قبل اليهود الإثيوبيين، فقد كانت في مطلع 2012 عندما تظاهر المئات منهم في كيريات مالاشي، عندما رفض سكان المستوطنة بيع أو تأجير وحدات سكنية لهم، ووقعوا عرائض علنية بذلك، إحساساً منهم بأنهم أقل منهم اجتماعياً، بل وكتب 18 إسرائيلياً من كيريات مالاشي شعارات عنصرية فوق سياراتهم ضد الإثيوبيين، ما اضطر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإصدار بيان يعلن فيه «إعجابه باليهود الإثيوبيين الذين عانوا ظروفاً صعبة وتخطوا عقبات كثيرة، وأن إسرائيل تشجعهم على الاندماج في مجتمعها بكل وسيلة، وأن العنصرية لا مكان لها في إسرائيل».

أما الواقعة الرابعة التي أججت المشاعر اليهودية الإثيوبية، فهي حادثة الضرب الوحشي لليهودي الإثيوبي داماس بيكادا من قبل قوات الشرطة قرب منزله عام 2015، رغم ارتداء بيكادا للزي العسكري الذي يعتبر رمز الحصانة في إسرائيل لأفراد قوات الاحتلال، ما اضطر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يومئذ للظهور بمظهر الوقوف معه، لاحتوائه، فيما أصر نتنياهو، على لقائه والاعتذار الرسمي له أمام وسائل الإعلام، هو ورئيس الشرطة الإسرائيلية وقتها، والشخص المتورط في الاعتداء، بعد خروج آلاف الإثيوبيين اليهود في تظاهرات صاخبة. وكشفت التداعيات التي صاحبت قضية بيكادا يومها، مدى إحساس اليهود الإثيوبيين بالغبن والعنصرية في إسرائيل، حيث صرح شقيقه بأنه «لولا أن كانت هناك كاميرات قد صورت الحادث، لما أخد شقيقي حقه ولأصبح هو الجاني».

هذا وقد تشكلت عقب حادثة بيكادا ما سميت بـ«اللجنة الوزارية لاستئصال العنصرية ضد اليهود من أصل اثيوبي»، التي أصدرت 53 توصية وجهتها لرئاسة الوزراء الإسرائيلية، 15 منها تتعلق بتعامل الشرطة السيئ معهم، لكن طبقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، في الثامن من يونيو 2016، «فقد تم حذف كل التوصيات الخاصة بالشرطة من التوصيات».

المعاناة من العنصرية

ويرى الصحافي اليهودي الإثيوبي داني ادينا ابيبي، في مقال له بصحيفة «يديعوت أحرونوت» تعليقاً على الحادثة الأخيرة، أنه «لا يوجد إسرائيلي إثيوبي واحد لم يعاني العنصرية بسبب لون جلده في إسرائيل، بل يمكن القول إن كل إثيوبي تعرض لمعاملة لفظية خشنة مئات المرات في حياته، هنا على الأقل، من قبل رجال الشرطة، والجيل الثاني من اليهود الإثيوبيين ولد في ظروف كئيبة جداً، والعلاقة بينهم وبين الشرطة الإسرائيلية قائمة على الشك، إذ إن الشرطة نفسها التي من المفترض أن تحمينا، هي ذاتها التي تبث الخوف والرعب فينا».

عنصرية دينية

من جهتها، قالت الصحافية اليهودية الإثيوبية ثايجو مكو، لبرنامج «مدار الأسبوع» المذاع في قناة «أي 24» الإسرائيلية الناطقة بالعربية، إن «العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الإثيوبيين تبدأ من الوجهة الدينية، فعلى الرغم من أننا كيهود إثيوبيين عانينا في إثيوبيا التمييز، لكوننا يهوداً وكان يطلق علينا اسم (اليهود الفلاشا)، وحافظنا على معتقداتنا مئات السنين، الا أن الغريب أن إسرائيل لم تقبلنا كيهود، ورفضت الحاخامية اليهودية الاعتراف بيهوديتنا حتى اليوم، رغم كل ما ظهر من أن إسرائيل تقابلنا بأذرع مفتوحة، الوضع نفسه تكرر مع اليهود الروس ايضاً الذين رفضت الحاخامية ايضاً الاعتراف بيهوديتهم، لكن يبدو أن الفرق هنا كان في لون بشرتنا الأسود، حيث لم يتم تهميش اليهود الروس، بينما همشنا نحن. من ثم فإن العنصرية تجاهنا لها تأسيس منهجي، إسرائيل لم تحدد بعد من هو اليهودي. العنصرية تجاهنا بدأت منذ 40 عاماً عندما ألقي بدمائنا في صناديق القمامة، بحجة حماية المجتمع من الإيدز، وباركت ذلك المؤسسة الحاكمة بقيادة شيمون بيريز وقتها».

وقالت الناشطة في «الحركة الشرقية الديمقراطية»، نالي باروخ، للبرنامج ذاته، الذي كان يبث حلقة عن الأحداث الجمعة الماضية، إن «هناك نظرة لليهود الروس بأنهم ليسوا أوروبيين، لكن الروس عرفوا كيف يتموضعون في المجتمع الإسرائيلي لأسباب كثيرة، على عكس الإثيوبيين الذين وضعوا منذ استقبالهم في أماكن محددة، وزاد الأمر تعقيداً مستوى تعليمهم وتأهيلهم المهني، ولم يتلقوا أي برامج حقيقية لتطويرهم. هناك ثلاث مجموعات تلاقي المستوى ذاته من العنصرية، تتمثل في اليهود الإثيوبيين، واليهود المتدينين (الحريديم)، وفلسطينيي 1948، ويتكشف ذلك في سوء معاملة الشرطة معهم».


هناك نظرة لليهود الروس بأنهم ليسوا أوروبيين، لكن الروس عرفوا كيف يتموضعون في المجتمع الإسرائيلي، على عكس الإثيوبيين، الذين وضعوا منذ استقبالهم في أماكن محددة، وتعقد أمرهم لضعف مستوى تعليمهم وتأهيلهم المهني.

بدأت جذور الإحساس بالعنصرية عند اليهود الإثيوبيين في منتصف التسعينات، عندما رفضت بنوك الدم الإسرائيلية قبول دماء الإثيوبيين، بحجة الخوف من إصابتهم بالإيدز المعروف بانتشاره في بلدان إفريقية، وعلى الرغم من واقعية الاحتمال، فإن طرح ذلك علانية أثار استفزازاً واسعاً عند اليهود الإثيوبيين.

طباعة