رافد أساسي للميليشيات المسلحة.. ويتم اختطافهم من الأماكن العامة

الاتجار في الأطفال يتزايد بالمنطقة العربية

صورة

تزايد الاتجار في الأطفال ببعض الدول العربية بدرجات متفاوتة، خلال السنوات القليلة الماضية، بعد اختطافهم من الأماكن العامة التي يوجدون بها، سواء كانت مناطق سكنية أو منشآت تعليمية، أو مراكز تجارية، أو أسواقاً شعبية، أو مستشفيات وأبنية صحية، أو حدائق عامة، على نحو يعد خرقاً صارخاً لحقوق الأطفال المتعارف عليها دولياً، وهو ما يمكن تفسيره استناداً لاعتبارات تتعلق باستمرار الصراعات المسلحة العربية، ودعم بقاء الميليشيات المسلحة في مناطق سيطرتها الميدانية، وضغط الجيوش النظامية على الأهالي لمنع حيادهم في المواجهات العسكرية، وتشكل الشبكات الإجرامية الخطرة، وتمويل عمليات إرهاب الجماعات المسلحة.

نماذج دالة

هنا تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد إحصاءات رسمية لمعظم الدول العربية بشأن واقع جرائم الخطف أو الاتجار في الأطفال، والفئات العمرية الأكثر عرضة للاختطاف، والأوضاع الاقتصادية وطبيعة العلاقات الاجتماعية للأسر التي يتم اختطاف أبنائها، والمناطق الجغرافية التي يزداد حدوث تلك الحالات فيها (أكثر المحافظات التي يتم فيها الإبلاغ عن حالات الاختطاف)، وغيرها من قواعد البيانات اللازمة في هذا الإطار.

ولعل المؤشرات «الأولية»، التي تعكس تزايد الاتجار في الأطفال، ما تذكره وسائل الإعلام المختلفة والمنشورات التي يتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي في دول عربية عدة، وتتعلق بوجود عصابات لخطف الأطفال في بعض المناطق والأرياف، وسرقة الأطفال حديثي الولادة من المستشفيات، وانتشار صور لأطفال مفقودين ملصقة على أعمدة الإنارة والحواجز الإسمنتية في الشوارع، وازدياد نمط الأطفال بالتبني وتنقلهم عبر الحدود «الرخوة».

وعلى صعيد سياسات المواجهة، أطلق وزير الداخلية العراقي السابق، قاسم الأعرجي، في 8 أكتوبر 2018، حملة أمنية باسم «جعفر الدوري»، في إشارة إلى الطفل الذي خطف في حي القاهرة ببغداد، حيث هدفت الحملة إلى ملاحقة كل جرائم الخطف والقتل في بغداد وعموم المحافظات، بعد أن انتشرت في العاصمة وعدد من المحافظات ظاهرة تبدو غريبة على المجتمع العراقي، هي خطف الأطفال والاعتداء عليهم جسدياً.

إن هناك حزمة من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، على المستويين الداخلي والخارجي، تفسر تصاعد الاتجار في الأطفال بالمنطقة العربية، خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن تناولها على النحو التالي:

طاحونة العنف:

1- استمرار الصراعات المسلحة العربية

يشير اتجاه رئيس في الأدبيات إلى أن التبني غير الشرعي أو الاتجار في الأطفال يتزايد في حالات الصراعات الداخلية أو الحروب الأهلية، سواء التي لازالت تدور أو توقفت بالفعل. وقد برز ذلك جلياً في لبنان التي شهدت حرباً على مدى عقد ونصف (1975-1990)، ولازالت نتائجها قائمة حتى الآن، على نحو ما أكدته مديرة جمعية «بدائل» اللبنانية، زينة علوشة، في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط» في 24 يونيو 2019، والتي تعمل على هذه القضية في السنوات الأخيرة.

فقد كانت سورية المعبر الرئيس لتبني الأطفال اللبنانيين على مدى سنوات، ثم صارت القضية عكسية بعد الحرب السورية، حيث أصبح الأطفال السوريون عرضة للتبني غير الشرعي عبر عمليات اتجار تجري في لبنان. ووفقاً لما تشير إليه جمعية «بدائل»، فإن المواطنين الذين يتبنون أطفالاً لبنانيين يتوزعون بين دول غربية مثل فرنسا وهولندا، والدنمارك والولايات المتحدة وكندا وقبرص، ودول عربية مثل تونس واليمن والجزائر والعراق والأراضي الفلسطينية، وغيرها.

وقود المعارك

2- دعم بقاء الميليشيات المسلحة في مناطق سيطرتها الميدانية

وهو ما ينطبق حرفياً على ممارسات ميليشيات الحوثيين في اليمن، حيث تشير بعض التقارير الصادرة عن المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار في البشر، إلى شبكات إجرامية تديرها الميليشيات للاتجار في البشر بصنعاء والحديدة. ولعل ذلك يفسر تصاعد الاحتجاجات النسائية في 9 مارس 2019، بعد تزايد حالات اختطاف الفتيات والأطفال.

فقد أصبحت حوادث خطف الأطفال مألوفة في مناطق سيطرة الميليشيات، التي تتبنى سياسة التجنيد الإجباري، كمحاولة لتعويض العناصر التي تخسرها يومياً على جبهات القتال المختلفة. بل قد يكون الدافع من جرائم خطف الأطفال هو إجبار آبائهم على المشاركة في الحرب إلى جانب الميليشيات، وهو ما برز جلياً في محافظات عمران والحجة والمحويت.

ضريبة «الحياد»

3- ضغط الجيوش على الأهالي لمنع حيادهم في المعارك

على نحو ما تعكسه مطالبة الجيش السوري أهالي محافظة السويداء جنوب سورية، بدفع أبنائهم للخدمة في قواته، لاسيما بعد اختطاف تنظيم «داعش» عدداً من نساء وأطفال المحافظة في يوليو 2018، حيث تشير بعض التحليلات إلى أن النظام السوري سعى إلى استغلال عملية الاختطاف للضغط على محافظة السويداء، التي حاولت أن تبقى على الحياد في الصراع الدائر بسورية منذ أكثر من ثماني سنوات.

عصابات منظمة

4- الشبكات الإجرامية الخطرة

تشبه هذه الشبكات «المافيا» المنظمة العابرة للحدود، إذ تضم هذه الشبكات محامين وأطباء وموظفي دور رعاية اجتماعية، وترتكب جرائم ممنهجة، وقد يكون بعض أفرادها «مستجدين» محليين (عصابات غير محترفة)، لاسيما أنهم يعتبرون أن الأجهزة الأمنية تركز على مواجهة الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، ما يفتح الباب أمام أفراد لا ينتمون لتشكيلات إجرامية وغير مسجلين خطرين وليست لهم سوابق للانضمام إليها. ووفقاً لذلك، يتحول الأطفال إلى «سلعة» يتم الاتجار فيها، سواء للتسول القسري أو الاستغلال الجنسي أو تجارة الأعضاء (سواء بالقتل العمد أو من خلال إجراء عمليات جراحية لنزع بعض أعضائهم). وقد يكون الغرض، في بعض الأحيان، هو طلب الفدية، فقد ترتكب جرائم اختطاف الأطفال بهدف مساومة أهل المخطوف على إطلاق سراحه مقابل مبلغ مالي يتم دفعه للخاطفين، وهو ما تشير إليه العديد من الوقائع في حالات عربية مختلفة، إذ يعتبرون أن خطف الطفل «غنيمة» ستجلب لهم أموالاً، حيث يكون أهل الطفل المخطوف على استعداد لتقديم مبلغ مالي ضخم لإنقاذه.

تغذية الإرهاب

5- تمويل عمليات إرهاب الجماعات المسلحة

وهو ما ينطبق على الحالة العراقية، إذ إن ظاهرة خطف الأطفال كانت واحدة من حلقات الإرهاب في عامي 2016 و2017، حيث سعت جماعات مسلحة، لاسيما في بعض المناطق المضطربة مثل ديالي والموصل والبصرة وأطراف بغداد، إلى تمويل عملياتها عن طريق اختطاف الأطفال. ويأتي أحد محاور تدفق التمويل لهذه الجماعات عن طريق ما يطلق عليه في الأدبيات «اقتصادات الفدية».

تنامي الاختطاف

إن جرائم خطف الأطفال تشهد تنامياً مستمراً، إذ يتم رصد حالات في مناطق مختلفة داخل هذه الدولة العربية أو تلك، مع الأخذ بعين الاعتبار غياب الإحصاءات الرسمية التي تعبر عن مؤشرات الصعود والهبوط، على نحو لا يجعلها «ظاهرة» مثلما يروج لها البعض بل قد تكون، في بعض الأحيان، أقرب إلى «الشائعات». وفي هذا السياق، أكد الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام الأردنية، في 31 مارس 2019، أنه «لا صحة لما يتم تداوله من شائعات حول حالات خطف أطفال بقصد الاتجار في الأعضاء أو لأي سبب آخر»، مطمئناً المواطنين أنه لم يتم التعامل مع قضايا من هذا القبيل في المملكة.

وأضاف: «البعض قاموا بنشر معلومات وصور ومقاطع فيديو ورسائل نصية لحالات وقعت خارج الأردن، مظهراً أنها وقعت داخل المملكة، وأنها توثق حالات خطف للأطفال داخل المملكة وللأسف انساق الكثيرون وراء إعادة نشرها، اعتقاداً منهم أنهم يسهمون بالتوعية بينما خلق ذلك هلعاً وخوفاً في نفوس الأهالي»، مؤكداً أن «نشر مثل هذه المغالطات يؤدي إلى خلق رأي عام، وأن ما يرد إلى جميع الوحدات الشرطية عن تغيب أي طفل يتم التعامل معه بكل جدية لحين العثور عليه، وأن جميع الحالات التي يتم التعامل معها عن تغيب الأطفال عن منازل ذويهم تؤكد أن حالات التغيب هذه تكون بسبب مشكلات داخل الأسرة».


سياسات متكاملة

إن مواجهة جرائم الخطف والاتجار في الأطفال بالمنطقة العربية تتطلب سياسات متوازية، ورؤية شاملة تتضمن محاور عدة، منها تغليظ عقوبة جريمة الخطف، وتشكيل المجالس النيابية أو البرلمانية خليةً متابعة للأزمة، حيث قد يكون الدافع وراء ارتكابها هو «الانتقام من الوالدين» أو «الاغتصاب»، على نحو يختلف عن بقية المحددات السابق ذكرها، فضلاً عن إشراك بعض مؤسسات المجتمع المدني، ومراكز البحوث الوطنية، ومنظمة «اليونيسيف»، في إجراء المزيد من الدراسات الميدانية من التخصصات المختلفة للحد منها، لاسيما على صعيد توعية الآباء والأبناء، بقدر الإمكان، من الوقوع في دائرة الاختطاف التي تسبق دائرة الاتجار.

يتحول الأطفال إلى «سلعة» يتم الاتجار فيها، سواء للتسول القسري، أو الاستغلال الجنسي، أو تجارة الأعضاء (سواء بالقتل العمد، أو من خلال إجراء عمليات جراحية لنزع بعض أعضائهم). وقد يكون الغرض، في بعض الأحيان هو طلب الفدية، فقد ترتكب جرائم اختطاف الأطفال، بهدف مساومة أهل المخطوف على إطلاق سراحه مقابل مبلغ مالي يتم دفعه للخاطفين.

طباعة