مع استمرار الأولى في التحدي.. واستقواء الثانية بالصين

ترامب يتبنى استراتيجية «الضغوط القاسية» لردع إيران وكوريا الشمالية

صورة

يواجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مشكلتين نوويتين فائقتي المخاطر مع نظامين مارقين. وفي سعيه وراء الصفقات المراوغة، اعتمد بشكل كبير على أداة واحدة: «أقصى قدر من الضغط»، لكن لم تسفر الاستراتيجية عن اتفاق نووي نهائي، حتى الآن، لا مع كوريا الشمالية ولا مع إيران.

في حالة كوريا الشمالية، قدم ترامب سلسلة متصاعدة من العقوبات والتغريدات القاسية، تُذكّر «رجل الصواريخ»، وبعد بضعة أشهر متوترة أوصلت الطرفان إلى حافة الهاوية في صيف وخريف عام 2017، تمخض الخلاف حداً أقصى من الالتزام. لقد عقد ترامب والزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، مؤتمرين، وتبادلا الرسائل، وقال ترامب إنه «أحب خصمه». بالنسبة لإيران تبدو مرحلة الضغط في أوجها، فخلال الأيام الماضية، أرسلت الولايات المتحدة حاملة طائرات، وغيرها من القطع والمعدات العسكرية إلى المنطقة، وفرضت جولة أخرى من العقوبات، كما فعل ترامب مراراً منذ انسحابه مما سماه الصفقة النووية «الكارثية»، قبل عام.

لكن ترامب قال، قبل أيام، أيضاً، إنه يتمنى أن يتصل به الإيرانيون، وقد أبقت إدارته مراراً احتمال إجراء مفاوضات مفتوحاً، ربما يشبه ذلك إلى حد كبير المفاوضات مع كيم.

ترامب لم يبرم بعد صفقة نووية مع بيونغ يونغ، لقد ترك الصفقة النووية الحالية مع إيران سعياً إلى صفقة أفضل، لكن هذا لا يبدو وشيكاً أيضاً. تستغرق العقوبات والدبلوماسية بعض الوقت، وفي الوقت نفسه يمكن القول إن العقوبات ساعدت في دفع كيم إلى طاولة المفاوضات، حتى لو بدت المفاوضات الآن كأنها تتعثر. في حالة إيران ليس من الواضح ما إذا كانت حملة الضغط الأقصى ستصل إلى هذا الحد.

كان لزعماء كوريا الشمالية هدف طويل الأمد يتمثل في مقابلة مع رئيس أميركي، والحصول على دفعة في المشهد الدولي. بالنسبة للمرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي يترأس نظاماً يعتبر «الموت لأميركا» بمثابة تعويذة، فإن الاجتماع مع رئيس أميركي لا يساعد في تعزيز شرعيته، إنه يضر بها.

بات للإيرانيين خبرة بعدما حدث مع كوريا الشمالية، فاستعداد كيم للانخراط في المفاوضات لم يمنحه أي تخفيف للعقوبات حتى الآن. قد يتم ردع إيران عن تهديدات المصالح الأميركية في المنطقة. على الجانب الأميركي، هناك اختلاف رئيس آخر في كيفية تنفيذ كل حملة، في وقت مبكر من حملة الضغط على بيونغ يونغ، تبنى ترامب خطاباً عدائياً قاسياً، ولعب دور الشرطي السيئ مقابل شرطي طيب، وهو وزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون، الذي كان يحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. عينة من تغريداته تقول «لقد أخبرت ريكس تيلرسون، وزير خارجيتنا الرائع، أنه يُضيع وقته في محاولة التفاوض مع رجل الصواريخ.. وفر طاقتك ريكس، سنفعل ما يجب القيام به!».

عداء محوري

لقد انقلبت الديناميكية الآن، حيث يقود وزير الخارجية، مايك بومبو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، خطاً متشدداً تجاه إيران. وقال ترامب للمراسلين الأسبوع الماضي: «لدي جون بولتون ولدي حمائم، وفي النهاية أتخذ القرار».

لا يقرر ترامب، رغم ذلك، كيفية تفاعل الآخرين مع مبادراته، يقول الخبير الإيراني في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كريم ساجادبور، إن «العداء للولايات المتحدة ليس محورياً في هوية النظام الكوري الشمالي، كما هو في النظام الإيراني،»، متابعاً: «في الواقع، أحد أهداف كيم جونغ أون هو أن تكون هناك علاقة طبيعية مع الولايات المتحدة، في حين أن المرشد الأعلى لإيران ينظر إلى التطبيع مع الولايات المتحدة باعتباره تهديداً وجودياً أكبر من استمرار العداء»، كان خامنئي يشكك في المفاوضات مع الولايات المتحدة، سيتعين على وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، زيارة عدد أكبر من الدول، مقارنة بعددها أثناء إدارة باراك أوباما، بعد أن انسحبت أميركا من الصفقة.

دعت بعض الأطياف داخل إيران إلى التعاون مع الولايات المتحدة، وأقنعوا بالحجة خلال إدارة أوباما. لكن مصير الصفقة النووية قلل من تأثيرها، كما يقول فارزين نديمي، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «إن الفصيل الذي يصر على أنه ليس الوقت المناسب لبدء مفاوضات مع الولايات المتحدة هو الحرس الثوري».

حملة ناجحة

في غضون ذلك، فإن إدارة ترامب سعيدة تماماً بمواصلة معاقبة الإيرانيين، وتقول إنها تحرم النظام من المال لتمويل الإرهاب عبر المنطقة. وتعتقد الإدارة أن حملة العقوبات ناجحة بالفعل، ويشير المسؤولون إلى حقيقة أن وكلاء إيران، مثل «حزب الله»، قد طلبوا تبرعات، وأن مقاتلي الميليشيات المدعومين من إيران يشكون تخفيض الرواتب. أكد بومبيو مرة أخرى، هذا الأسبوع، على أن الولايات المتحدة تسعى إلى إجراء مفاوضات، وقدمت في وقت سابق 12 مطلباً، حول كل شيء، بدءاً من تطوير الصواريخ، ومرورا بدعم المجموعات بالوكالة، ووصولا إلى القضية النووية.

لكن حتى لو لم يجلس الإيرانيون أبداً على طاولة المفاوضات لدواعٍ اقتصادية، فإن «أقصى قدر من الضغط كان أكثر فاعلية ضد إيران من كوريا الشمالية»، وفقاً لما يراه الأستاذ في جامعة «برانديز» الذي عمل ضمن إدارة أوباما، غاري سامور، متابعاً: «بشكل رئيس لأن إيران أكثر عرضة للعقوبات التجارية والمالية من كوريا الشمالية، ولأن الصين تتحرك بهدوء لإبقاء كوريا الشمالية على قيد الحياة، خوفًا من أن يتصرف أون بطريقة يائسة إذا كان الضغط الاقتصادي مكثفاً للغاية».

مبادرات متكررة

رفض الإيرانيون حتى الآن مبادرات متكررة من إدارة ترامب، وفي أعقاب قمة هانوي، ليس من الواضح أنهم مستعدون لتقديم تنازلات سريعة بمجرد الموافقة على مقابلة ترامب.

وأشار ساجادبور إلى أن إيران لديها رغبة ضئيلة للغاية في الحصول على مثل هذه التنازلات، «الولايات المتحدة تجمع نفوذها بالعقوبات الاقتصادية، تجمع إيران نفوذها من خلال استئناف أنشطتها النووية وتهديد الأمن الإقليمي».

حافظت إيران على الالتزام بشروط الصفقة النووية، التي تخلت عنها إدارة ترامب، رغم أن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، هدد، هذا الأسبوع، بالانسحاب من بعض البنود، بما في ذلك زيادة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. لا تمتلك إيران، على عكس كوريا الشمالية، أسلحة نووية ولا صواريخ باليستية عابرة للقارات. ما لديها هو العديد من الوسائل المحتملة لمضايقة القوات والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

في الحقيقة، لقد هدد روحاني، الأسبوع الماضي، بمنح الدول الأوروبية 60 يوماً لمساعدة إيران اقتصادياً، التي ستشمل تلك البلدان التي تواجه عقوبات أميركية، وإلا فإنه سيتخذ المزيد من الخطوات لتفكيك الصفقة.

ومع ذلك، كان هذا تهديداً متواضعاً إلى حد ما، وقد جاء بعد عام كامل من انسحاب ترامب من الصفقة النووية، كما تقول الخبيرة الإيرانية في معهد بروكينجز، سوزان مالوني، متابعة: «إذا كانت نية إيران هي تقسيم الأميركيين والأوروبيين، فإن الإدارة تراهن على أنه في النهاية لن يخاطر حلفاؤها بخرق العقوبات الأميركية للقيام بأعمال تجارية مع دولة لا يتاجرون فيها على أي حال»، وتوضح الباحثة: «أعتقد أن ما نراه في كل هذا، وهو مطمئن في بعض النواحي؛ أنه يخلق مشكلات أخرى في حالات أخرى، ألا وهي أن إيران ليس لديها الكثير من الخيارات الجيدة لإدارة الضغط الذي تتعرض له، وللانتقام بطريقة تؤدي بالفعل إلى تعزيز مصالحها الخاصة».

يحتفظ كيم بترسانة من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات بحجم الأسلحة نفسه الذي كان يمتلكه خلال أيام «الحريق والغضب»، التي استمرت لعامين، كما تحتفظ الولايات المتحدة بالعقوبات بالقدر نفسه.

من جانب خامنئي، وفي الوقت نفسه، يعاني اقتصاده، وكلما عرض ترامب مفاوضات، بدا المرشد الأعلى للإيرانيين عقبة أمام التخفيف الاقتصادي، كما قال ساجادبور: «لقد تم سحق 80 مليون إيراني في الوقت الحالي تحت وطأة العقوبات الاقتصادية، وسوء الإدارة والفساد الهائلين»، متابعاً: «إذا كانوا يعتقدون أن التحدث مع دونالد ترامب سيخفف من صراعاتهم الاقتصادية اليومية، فلن يعارضوا ذلك من حيث المبدأ».

• إيران ليس لديها الكثير من الخيارات الجيدة لإدارة الضغط الذي تتعرض له، وللانتقام بطريقة تؤدي بالفعل إلى تعزيز مصالحها الخاصة.

• كيم يحتفظ بترسانة من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، بحجم الأسلحة نفسه الذي كان يمتلكه خلال أيام «الحريق والغضب»، التي استمرت لعامين، كما تحتفظ الولايات المتحدة بالعقوبات بالقدر نفسه.

طباعة