في طريقها إلى اقتصاد السوق

إفريقيا تشكل منطقة تجارتها الحرة

غالبية قادة دول الاتحاد الافريقي أيدت التوجه نحو الاقتصاد الحر. أرشيفية

بعد أن صادقت دولة غامبيا، الواقعة في غرب إفريقيا، على منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في أبريل الماضي، تكون دول هذه المنطقة التجارية البالغ تعدادها 22 دولة، قد وصلت إلى النقطة التي تحتاج إليها، كي تدخل اتفاقيتها التجارية حيز التنفيذ. وهذه أخبار رائعة بالنسبة لقارة إفريقيا، لأن هذه الاتفاقية لن تؤدي إلى ازدهار الاقتصاد في دول المنطقة الحرة فقط، وإنما ستمثل تغيراً أيديولوجياً بعيداً عن النزعات الاشتراكية، التي سيطرت على معظم القارة منذ استقلال دولها.

ولسوء الطالع، أن معظم دول إفريقيا تبنت نمط الاقتصاد الاشتراكي، عندما تحررت من الحكم الاستعماري. وقال رئيس مؤسسة إفريقيا الحرة، جورج آييتي: «اقترن تعريف الرأسمالية بالاستعمار، ونظراً لكون هذا الأخير اقترن بالشرور والاستغلال، اعتبرت الاشتراكية هي الطريق الوحيد من أجل ازدهار إفريقيا».

بدأت التجربة الاشتراكية في إفريقيا عام 1957، عندما أصبحت غانا أول دولة في القارة السمراء تحصل على استقلالها. وأعلن أول زعيم لغانا، وهو كوامي نكروما، نفسه أنه «ماركسي اشتراكي»، وشجع الدول الإفريقية الأخرى على اتباع الطريق ذاته للحصول على الاستقلال، واتباع «نمط الملكية الشاملة للدولة على الاقتصاد».

واتبع العديد من القادة الأفارقة طريق نكروما الاشتراكي، ونذكر منهم موديبو كيتا في مالي، وسيكو توري في غينيا، وليوبولد سنغور في السنغال. ولطالما أطلق على هؤلاء الحكام لقب «المهندسين الرئيسين للاشتراكية الإفريقية»، لكن رغم التأثير المبكر للاشتراكية، فإن الدول الأربع التي جرى ذكرها آنفاً، فتحت أبوابها لاتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية.

وفي عام 1963، تشكلت منظمة الوحدة الإفريقية التي سبقت تشكيل الاتحاد الإفريقي، ويرجع ذلك الفضل إلى نكروما ورئيس تانجانيقا، التي أصبحت الآن تنزانيا، جوليوس نيريري. واعتقد الرجلان أن تشكل «إفريقيا الاشتراكية المتحدة» كان شرطاً «ضرورياً من أجل تحقيق الشخصية الإفريقية»، ولا يمكن للسياسات الصديقة للسوق المفتوحة التي دافع عنها الاتحاد الإفريقي، في أيامنا، أن تكون متعارضة مع نيات نكروما ونيريري، عند بداية تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية.

وتعتبر اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية مشروعاً للاتحاد الإفريقي، والتي دعا إليها رئيس رواندا بول كاغامي في أبريل 2018، حيث كان في حينها رئيساً للاتحاد الإفريقي.

ووصف كاغامي نفسه من الناحية الأيديولوجية بأنه تاجر حر، وأنه تلميذ لأول رئيس حكومة في سنغافورة، لي كوان يو، بعد أن تبنت هذه الدولة مبدأ التجارة الحرة. ولم تكن وجهات نظر كاغامي الرأسمالية قناعات هامشية، وإثر إدخال المنطقة الحرة، انضمت 44 دولة من أصل 55، تشكل الاتحاد الإفريقي فوراً إلى الاتفاقية، لتظهر دعمها لها. واليوم لم يبق خارج الاتفاقية سوى ثلاث دول فقط.

وفي الحقيقة، إن تحول إفريقيا نحو التحرير الاقتصادي يعتبر أخباراً جيدة بالنسبة للقارة السمراء، لأنه كما قال البروفيسور آييتي، علاقة الحب التي ربطت إفريقيا مع النظام الاشتراكي، لم تقدها إلا «إلى التدمير الاقتصادي، والدكتاتورية، والقمع».وبالمقارنة الصارمة لتدمير وقمع الاقتصاد الاشتراكي، فإن اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية يمكن أن ترفع التجارة البينية إلى 52%، خلال بضع سنوات. ويمكن أن يتضاعف هذا الرقم عندما يتم رفع الـ10% المتبقية من التعرفة الجمركية على «البضائع الحساسة» بصورة تدريجية. وهذا من شأنه تعزيز التجارة، وإضافة مليارات عدة إلى اقتصاد القارة الإفريقية.

وثمة فائدة أخرى لاتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية، تكمن في توحيد العديد من الدول الإفريقية في ظل سوق واحدة، بحيث يصبح من السهل لقارة إفريقيا المتاجرة مع بقية دول العالم. وإذا صادقت بقية دول الاتحاد الإفريقي على اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية، فإن القارة ستكون بحاجة إلى التفاوض بشأن الصفقات التجارية مع تجار من خارج القارة لمرة واحدة بدلاً من عقد 55 اتفاقاً بعدد دول القارة.

وهذا لا يعني أن توجه القارة نحو التحرير الاقتصادي سيحل جميع المشكلات التي تعانيها القارة، أو أن دول القارة أصبحت جميعها منجرفة نحو الاقتصاد الحر. وحتى الآن لم يصادق على اتفاقية المنطقة الحرة سوى 22 دولة، ورغم أنه يتوقع انضمام مزيد من الدول خلال الأشهر المقبلة، فإنه لايزال هناك طريق طويل يجب قطعه، حتى تتمكن جميع دول القارة من الانضمام إلى المنطقة الحرة. من ناحية أخرى، تظل نيجيريا التي تمتلك أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية تعارض وبقوة هذه الاتفاقية.

وعلى الرغم من أن الاشتراكية تواصل إظهار الوجه البشع في شتى أنحاء إفريقيا، فإنه يمكننا الاحتفال بحقيقة أن الأيديولوجيا الاشتراكية التي ابتليت بها إفريقيا منذ عقود عدة، لم تعد هي السائدة في القارة. وتمتلك اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية فعلاً إمكانية تنمية الاقتصاد الإفريقي وإبعاد الكثيرين عن الفقر. وعندما سيتم تنفيذ هذه الاتفاقية في وقت لاحق من العام الجاري، ينبغي النظر إليها باعتبارها إشارة إلى أن إفريقيا انقلبت على ماضيها الاشتراكي، وتبنت الآن مستقبلاً جديداً من التجارة الحرة المزدهرة، وينبغي أن تأمل إفريقيا استمرار هذا التوجه.

ألكساندر هاموند : باحث أميركي في الاقتصاد الحر والتنمية بإفريقيا

- أهمية اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية تكمن في

توحيد العديد من الدول الإفريقية في ظل

سوق واحدة، بحيث يصبح من السهل لقارة

إفريقيا المتاجرة مع بقية دول العالم.

- إذا صادقت بقية دول الاتحاد الإفريقي على

اتفاقية المنطقة الحرة الإفريقية، فإن القارة

ستكون بحاجة إلى التفاوض بشأن الصفقات

التجارية مع تجار من خارج القارة لمرة واحدة،

بدلاًَ من عقد 55 اتفاقاً بعدد دول القارة.

طباعة