شبّهوا التطورات الأخيرة بالأجواء السابقة على «حرب بغداد»

مراقبون يعتقدون أن الإدارة الأميركية تسلك مع إيران الطريق نفسه في «الحرب على العراق»

صورة

قبل 16 شهراً تقريباً رسم وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس مساراً تصحيحياً لوزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)، فبعد 17 عاماً من الحرب في الشرق الأوسط، رأى ماتيس أن الأولوية للولايات المتحدة ستكون منافسة روسيا والصين، وليس محاربة الإرهاب، لكن هذا الأسبوع أمر البيت الأبيض حاملة طائرات تعمل في البحر المتوسط ومقاتلات بالانتقال إلى منطقة القيادة المركزية الأميركية، في استعراض صارخ للقوة يستهدف مواجهة ما وصفه وزير الدفاع بالنيابة باتريك شانهان، تهديداً «من إيران بمهاجمة القوات الأميركية» ثم يوم الجمعة، أرسلت الولايات المتحدة استعدادات إضافية إلى المنطقة، بما في ذلك سفينة برمائية من طراز «يو إس إس أرلينغتون»، والتي تستخدم في نقل مشاة البحرية الأميركية ومعداتهم، وبطارية صواريخ باتريوت، وفقاً للبنتاغون.

تهديدات

وصرح مسؤول بالبنتاغون للصحافيين يوم الجمعة بأن البنتاغون ترصد التهديدات التي من المحتمل أن تتعرض لها القوات الأميركية في المنطقة من إيران، والقوات التي تعمل بالوكالة عنها على البر والبحر. ورصد البنتاغون في الخليج العربي «نشاطاً بحرياً غير طبيعي» من قبل سفن النظام الإيراني، مثل السفن الشراعية المحملة بمعدات عسكرية محتملة، بما في ذلك الصواريخ.

وتعكس هذه التحركات غير العادية للقوات العسكرية الأميركية، والتي أعلن عنها في البداية مستشار الأمن القومي، جون بولتون – التحدي الذي يواجهه البنتاغون في تطبيقه مفهوم منافسة خصومه من القوى العظمى، في الوقت الذي لايزال فيه غارقاً في وحول العمليات الحالية.

وتقول المحللة السياسية بمؤسسة راند كورب، بيكا واسر: «على الرغم من كل محاولات الإدارة الأميركية للحد من التواجد الأميركي في الشرق الأوسط، فإن الخطوة الأخيرة توضح مدى صعوبة تخلي الولايات المتحدة عن المنطقة لتوفير الموارد للتركيز على روسيا والصين».

التركيز المستمر على إيران، على الرغم من هدف البنتاغون المعلن بشأن المنافسة ضد روسيا والصين، قد أحبط العديد من المراقبين والمسؤولين السابقين. وتشير واسر إلى أن البنتاغون تصنف إيران كتهديد من الدرجة الرابعة في استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018، وهي أحدث وثيقة إرشادية للبنتاغون.

ويقول مسؤول دفاعي سابق: «من سخريات الأقدار أن تشكل إيران تهديداً مماثلاً للتهديد الذي تشكله كل من روسيا والصين». ويضيف «إنهم يعبثون في الشرق الأوسط وفي كل مكان». وأعرب المسؤول السابق عن أمله في أنه بمجرد تأكيد شانهان وزيراً رسمياً للدفاع، فإن التوازن سيتحول مرة أخرى إلى منافسة القوى الكبرى. شانهان، الذي كان قد أكد في يومه الثاني في منصبه في يناير الماضي، أن الصين هي على رأس أولوياته، أصدر أخيراً بياناً بشأن هذه الخطوة بعد يوم كامل تقريباً من إعلان البيت الأبيض هذه الترتيبات. وجاء في بيانه أن بلاده تدعو «النظام الإيراني إلى وقف كل الاستفزازات، وسنحمله المسؤولية عن أي هجوم على القوات الأميركية أو مصالحنا». وصدر قرار التحرك عن القائد الجديد للقيادة المركزية الأميركية، الجنرال كينيث ماكنزي، لكنه ترك للبيت الأبيض إعلانه، وفقاً لمسؤول دفاعي. وطلب ماكنزي قوات إضافية في المنطقة في أعقاب «مؤشرات حديثة وواضحة تدل على أن قوات إيرانية وأخرى تعمل بالوكالة عنها تستعد لمهاجمة القوات الأميركية»، وفقاً لما ذكره المتحدث باسم القيادة المركزية، النقيب بيل أوربان.

وتحمل التوترات المتصاعدة مع طهران أوجه تشابه كبيرة مع الفترة التي سبقت الحرب على العراق في عام 2003، والقاسم المشترك بينهما هو وجود بولتون. ويشعر بعض الدبلوماسيين والخبراء بالقلق من أن الفتيل النووي على وشك الاشتعال. وتشير الدلائل المتزايدة إلى أن الرئيس الأميركي يسلك طريقاً نحو الحرب - سواء كان يعي ذلك أم لم يعه.

وأكد شانهان في حديثه خلال جلسة استماع للكونغرس قبل أيام، أن البنتاغون تلقت مؤشرات على وجود «معلومات استخباراتية موثوق بها للغاية»، بعد ظهر يوم الثالث من مايو، ولم تقدم الإدارة بعد تفاصيل حول تلك المعلومات الاستخباراتية أو أين نشأت. ولعب ماكنزي دوراً في تصعيد التوتر الأخير بين واشنطن وطهران. وتسلم أمور القيادة في المنطقة الأكثر اضطراباً في العالم من الجنرال جوزيف فوتيل في مارس، بعد أن شغل منصب مدير الأركان المشتركة في البنتاغون تحت ماتيس منذ عام 2017.

موقف متشدد

وأوضح ماكنزي وجهة نظره يوم الأربعاء خلال خطاب ألقاه في واشنطن كشف فيه عن موقف متشدد بشأن طهران، وكرس ما يقرب من نصف خطابه، الذي دام 30 دقيقة للتهويل من إيران بشأن نشاطها «الخبيث» وطموحها في جميع أنحاء العالم، مشيراً إلى أن طهران مسؤولة عن مقتل أكثر من 600 من أفراد الخدمة الأميركية في العراق، كما أصدر تحذيراً صريحاً للنظام. وقال ماكنزي عن الانتشار: «بينما لا نسعى إلى الحرب، يجب على إيران ألا تخلط بين نهجنا المخطط له واعتقادها في عدم رغبتنا في التنفيذ».

وعبر البعض عن شكوكهم في أن بيان بولتون كان أكثر من مجرد لفتة رمزية، مشيرين إلى أن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن كانت بالفعل في مهمة انتشار مبرمجة في البحر الأبيض المتوسط، وأنها خططت للتوجه في النهاية إلى القيادة المركزية، لكن البنتاغون عجّلت بتحرك حاملة الطائرات، وتخطت زيارة مخططة لها إلى كرواتيا، لأنه لم يكن للولايات المتحدة وجود على الإطلاق في الخليج العربي.

خطوة مهمة

إن نشر قوة صغيرة من المقاتلات هو أيضاً خطوة مهمة، على الرغم من أن المقاتلات عادة ما تأتي وتذهب بسهولة من وإلى المنطقة، إلا أن سرب بي-1 المتمركز في قاعدة العديد الجوية في قطر، غادر في مارس ولم يتم استبداله بعد، وهو تحول غير عادي نسبه الكثيرون إلى هزيمة تنظيم «داعش». وأكد مسؤول دفاعي آخر أن انتشار المقاتلات، الذي يتألف من أربع طائرات من قاعدة باركسديل الجوية في لويزيانا، لم يكن مخططاً له من قبل. ويقول مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأميركيين، هانز كريستنسن، إن نشر قوة الواجب يمثل إشارة إلى روسيا والصين حول القدرة الهجومية لقوة المقاتلات الأميركية، ومع ذلك فإنه يعتقد أن هذا أمر مبالغ فيه ونابع من هوس الإدارة بإيران.

وفي مقال نشرته «فورين بوليسي»، أكد نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الاستراتيجية وتطوير القوات بين عامي 2017 و2018، إلبريدج كولبي، أن الاستعداد للحرب مع روسيا أو الصين لا يعني تجاهل التهديدات الأخرى لمصالح أميركا، إنه يعني فقط أن تحدد الولايات المتحدة مقاربتها الصحيحة تجاه تلك التهديدات. وكتب كولبي: «على الولايات المتحدة أن تتحقق من تطلعات إيران للهيمنة الإقليمية، لكن عليها ألا تطيح بالجمهورية الإسلامية»، ويمضي قائلاً «لا تحتاج الولايات المتحدة إلى طائرات من طراز إف-22 لمهاجمة ملاذات الإرهابيين أو لواء بأكمله لتقديم الدعم لجيوش الشرق الأوسط، ستقوم الطائرات بدون طيار بالمهمة بأقل تكلفة».

وبناء على هذا المنطق، قد يكون إرسال حاملة طائرات ومقاتلات للرد على تهديد إيراني لم يكشف عن كنهه مبالغاً فيه، خصوصاً أن القوات الأميركية غالباً ما تواجه في المنطقة استفزازاً من إيران ووكلائها.

وشدد ماكنزي على أن نشر القوات هو مثال على ما يسميه الجيش «توظيف القوة الديناميكي»، ما يعني قوة تتسم بالمرونة الكافية للاستجابة السريعة لأي طارئ في جميع أنحاء العالم، حيث يقول «يشير هذا إلى حلفائنا وخصومنا بأن الولايات المتحدة يمكنها استعراض القوة حيثما نحتاج إليها».

لكن في نهاية المطاف، يعكس إعلان بولتون غير المتوقع انتكاسة لمحور منافسة الولايات المتحدة من القوى الكبرى الأخرى، على حد تعبير واسر، التي أكدت أن هذا الإعلان يقوض في نهاية المطاف الأولوية الرئيسة لمنافسة البنتاغون لروسيا والصين، في المخطط الأعظم في العالم أجمع، في الوقت الذي تضمحل فيه الموارد والاهتمام بالشرق الأوسط.

لارا سيليجمان كاتبة بمجلة السياسة الخارجية


تحمل التوترات المتصاعدة مع طهران أوجه تشابه كبيرة مع الفترة التي سبقت الحرب على العراق في عام 2003، والقاسم المشترك بينهما هو وجود بولتون. ويشعر بعض الدبلوماسيين والخبراء بالقلق من أن الفتيل النووي على وشك الاشتعال. وتشير الدلائل المتزايدة إلى أن الرئيس الأميركي يسلك طريقاً نحو الحرب، سواء كان يعي ذلك أم لم يعه.

طباعة