رغم عدم اندثار التنظيم تماماً

مشروع «داعش» انتهى في الشرق الأوسط أخيراً

صورة

حتى أيام أفوله، ظل تنظيم «داعش» الإرهابي يمتلك القدرة على احتلال الصدارة في نشرات الأخبار، وكذلك عندما كان مقاتلوه يخسرون معركتهم الأخيرة في القرى المتفرقة بالصحراء الواقعة شرق سورية، وعندما وعد المتحدث باسم التنظيم بالانتقام، أُخذ هذا التهديد على محمل الجد.

وبالنظر لسجل «داعش» الوحشي ليس من المدهش أن أحداً لم يقلل من قدرة «داعش» على الانتقام من خلال أتباعه، وهذه ليست مجرد مخاوف الغربيين، إذ يواصل السوريون والعراقيون التحدث عن الخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، التي تنتظر اللحظة المناسبة كي تنهض من أجل الانتقام.

وهناك جدل عقيم بشأن ما إذا كان تنظيم «داعش» قد مات وتم دفنه، كما يدعي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فهل يمكن أن يظهر من جديد إذا خفت الضغوط التي يتعرض لها؟ الجواب بسيط، وهو أن «داعش» انهزم كـ «جهاز دولة»، مثلما كانت الحال عندما كان يحكم منطقة يعيش فيها نحو ثمانية ملايين شخص، لكنه يمكن أن يظهر كتنظيم إرهابي أو حرب عصابات.

وكنت ببغداد في يونيو 2014، عندما تقدم تنظيم «داعش» جنوباً باتجاه العاصمة، حيث استولى على مدن وبلدات عدة، مثل تكريت وبيجي، دون أن يطلق رصاصة واحدة. وكانت هزيمة الجيش العراقي تبدو شاملة، ولأيام عدة لم يكن هناك أي خطوط دفاع بيننا وبين دوريات «داعش» المتقدمة. وتم ذبح نحو 1700 شخص من القوات الجوية وسط ركام قصور الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، على ضفاف نهر دجلة بالقرب من تكريت.

وظل «داعش» يحقق الانتصارات المذهلة خلال 100 يوم في العراق وسورية، لكن قادته لم يحققوا هذا المستوى من النجاح في ما بعد، وبدلاً من تركيز كل قواتهم على احتلال بغداد، تحركوا نحو الشمال وهاجموا كردستان العراق، وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها استخدام قواتهم الجوية المدمرة، ولو أن «داعش» كان لديه، يوماً ما، فرصة لتحقيق انتصار شامل، فقد امتلك مثل هذه الفرصة وانتهت بسرعة.

اعتمدت تكتيكات الحرب الخاطفة التي شنها «داعش» عام 2014 على قدرة التنظيم على نشر الرعب من خلال الإنترنت، عن طريق بث أعماله الوحشية، وعندما تشاهدها العائلات العراقية فإنها تبلغ أبناءها في الجنوب بالهرب من الجيش والبقاء بعيداً عن القتال، خصوصاً بعد استيلاء «داعش» غير المتوقع على الموصل عام 2014.

لكن الآن، بعد الإجهاز على «داعش» في ميدان المعركة، لم يعد هناك من يعتقد أن التنظيم يمتلك سبباً يجعل كثيرين ينجذبون إليه، وأما بالنسبة لثمانية ملايين من السوريين والعراقيين الذين عاشوا تحت حكم «داعش»، فإنه لم يجلب لهم سوى الموت والدمار، وتقريباً تم تدمير كامل مدينة الرقة السورية التي كانت تعتبر عاصمة التنظيم في سورية، والكثير من أجزاء الموصل عاصمة التنظيم في العراق، وقتل عشرات الآلاف جراء القصف الأميركي العنيف، إضافة إلى القصف المدفعي الذي دمر دفاعات «داعش».

لكن هل يستطيع آلاف عدة من مقاتلي «داعش» المنتشرين، الذين تقول وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» إنهم يختبئون في مناطق فسيحة صحراوية وشبه صحراوية بين سورية والعراق، إعادة تنظيم أنفسهم والقيام بهجوم معاكس مقنع؟ ليس من المرجح أن تكون هناك ظروف مواتية لتنظيم «داعش»، وتساعده على إعادة إطلاق نفسه. لقد فقد التنظيم ميزة المفاجأة وأصبح لديه العديد من الأعداء، الذين لا يحبون بعضهم لكنهم يدركون جميعاً ما الذي يمكن أن يفعله «داعش» في حال أوتي الفرصة المناسبة. وفي عام 2014 كان التنظيم يحظى بدعم من تركيا وقطر، التي غيرت رأيها تماماً فيه.

لكن ذلك لا يعني أن «داعش» قد انتهى تماماً، إذ إن الصحاري السورية والعراقية شاسعة جداً، ومن المستحيل مراقبتها بصورة شاملة. وتواجه القوات التي سيطرت على الرقة ومناطق سُنية من العراق، رفضاً وكراهية شديدة من السكان العرب، وهو الأمر الذي يمكن أن يستفيد منه «داعش»، وحتى إذا لم يتمكن «داعش» من استعادة شعبيته التي كانت في السابق، فإن شعبيته في القتل والتنكيل سابقاً لا تجعله بحاجة إلى فعل الكثير لنشر الرعب في هذه المناطق.

ومن الواضح أن «داعش» باسمه الحالي يمكن أن ينتهي يوماً ما. ولكن هل يمكن أن يتحول التنظيم إلى اسم آخر؟ إذ إن هزيمة «داعش» لا تعني هزيمة تنظيم «القاعدة» الذي يعتبر «داعش» نسخة عنه. وفي شمال غرب سورية هناك تنظيم ما يسمى «هيئة تحرير الشام»، أضخم تنظيم متطرف حليف لـ«القاعدة» في سورية، وحل مكان مجموعات مسلحة معارضة في غرب إدلب، وشمال حماة وغرب حلب، وهو يملك الآن نحو 50 ألف مقاتل، ويسيطر على منطقة يعيش فيها نحو ثلاثة ملايين نسمة، ويمكن أن يطرح هذا التنظيم نفسه حليفاً لتركيا في شمال سورية، الأمر الذي سيسمح لمنظمة على شاكلة «القاعدة» أن تستمر.

لكن لا ينبغي علينا أن نجعل مثل هذه الاحتمالات تدفعنا نحو إطلاق العنان لخيالاتنا، والتظاهر بأن «القاعدة» سابقاً، الذي كان يمتلك القدرة على شن الحروب والهجمات الانتحارية، لايزال قادراً على القيام بذلك، ويبدو أن الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب على صواب إلى حد كبير عندما أعلن أن «داعش» قد دُمر تماماً، وإن كان قد بالغ بصورة سخيفة، مضخماً الدور الذي لعبه في تدميره.

باتريك كوكبيرن: كاتب وصحافي في «الإندبندنت»

طباعة