للتهرب من مسؤولية استقبالهم

دول الاتحاد الأوروبي تنأى بنفسـها عن اللاجئين في البحر المتوسط

صورة

لقد أصبحت اتفاقية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في حالة رثة وبالية، لدرجة أنه تم إلقاؤها في مزبلة التاريخ، وأصبحت قضية اللاجئين الذين يصلون عبر البحر المتوسط في مختلف أنحاء أوروبا مسألة تلاعب وتهرب من المسؤولية، وكان أسلوب التعامل مع الواصلين إلى الدول الأوروبية يتمثل في دفعهم إلى أي ميناء آخر، بهدف التهرب من مسؤولية استقبالهم، على أمل أن يقبلهم الميناء الآخر. ويظهر هذا التصرف كيف أن الدول الأوروبية تتبنى نظريات العقوبات والتمييز العنصري ضد الواصلين الذين ينشدون الملاذ الآمن، وهذه مواقف تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.

وتظل أستراليا هي الدولة الرائدة المتفردة في هذا المجال، على الأقل خلال العقدين الماضيين، ونظراً إلى عجزها عن إنشاء سياسة مقبولة في معالجة هذه القضية، وتظل رهينة للوبي صناعة المناجم، كما أنها متشككة بشأن القوانين المعمول بها، ينبري أعضاء برلمانها الذين يعيشون في عالم آخر، منهمكين في إنجاز جهود أخرى، مثل إيجاد سياسة همجية تهدف إلى صد الواصلين إليها عن طريق البحر. ويتم قطر القوارب التي تصل إلى أستراليا إلى إندونيسيا، حيث يجرون صفقات مع ممثلي هذه الدولة. وتقوم أستراليا بالاتفاق ودفع المال لمهربي البشر، الذين يقول السياسيون الأستراليون عنهم إنهم «حثالة» عند الضرورة. وتم ضرب حاجز من السرية بآثار خانقة على العمليات التي يقوم بها سلاح البحرية الملكي الأسترالي، وتم إصدار قوانين جنائية وعقوبات على أي شخص يجرؤ على كشف الستار عن طبيعة عمليات مراكز الاعتقال في جزيرة نورو ومانوس.

وتحاول الدول المطلة على البحر المتوسط التنافس في ما بينها في التعامل بوحشية مع اللاجئين. وفي يناير الماضي، صرّح وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، بلهجة احتقار، مفادها أن سفن الإنقاذ التي كانت تتجه نحو إيطاليا كانت استفزازية. وقال في تصريحه «ليس من المسموح لأحد النزول إلى إيطاليا»، وترافقت هذه التصريحات مع تغير في سياسة التمويل. ولقد نأى الاتحاد الأوروبي بنفسه عن عملية صوفيا المناوئة التي تكافح تهريب البشر، والتي استمرت لمدة أربع سنوات، وشاركت في إنقاذ الآلاف من اللاجئين باستخدام مركبات تابعة للاتحاد الأوروبي، وإثر ذلك انهارت أي جبهة متحدة تمثل الاتحاد الأوربي بصورة فعلية لإنقاذ اللاجئين.

وبات موضوع رفض السماح لقوارب اللاجئين بالرسو في دول الاتحاد الأوروبي مسألة عادية جداً. وتم رفض دخول 62 مهاجراً على متن سفينة الإنقاذ الألمانية «آلان كوردي» إلى دول أوروبية. وإثر إنقاذ اللاجئين في الثالث من أبريل الجاري بالقرب من ليبيا، واجهت سفينة الإنقاذ المملوكة لمنظمة ألمانية غير حكومية تدعى «عين البحر» صعوبة في السماح بإنزالهم على البر في مالطا أو إيطاليا في البداية، حيث كان رد الدولتين يمثل كلمة حق أريد بها باطل، ومفاده أن السماح بدخول هؤلاء اللاجئين يرقى إلى مرتبة تشجيع تهريب البشر.

وبعد مرور 10 أيام من العذاب، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بأن اللاجئين على متن السفينة سيسمح لهم بالنزول إلى فاليتا في مالطا. وكما هي حال السياسيين، فقد وجد الساسة المالطيون ذلك فرصة يجب استغلالها لمصلحتهم. وادعى رئيس حكومة مالطا، جوزيف ماسكات، أنه حقق النصر في إنهاء الأزمة، موبخاً معارضيه الذين يؤيدون الإجهاض. وقال ماسكات إن «الحياة البشرية متساوية. وأنا لم أعد أتحمل النفاق الذي يظهره البعض الذين يتعاملون بمعايير مزدوجة».

واتضح في ما بعد أن الحكومة المالطية كانت انتقائية في سماحها لمن يدخل مالطا، فقد رفضت دخول طاقم سفينة آلان كوري، الأمر الذي يعني أن مالطا كانت سعيدة بإنقاذ اللاجئين، ولكنها أرادت معاقبة المنقذين. وقال رئيس جمعية «عين البحر»، غوردن أيسلر: «نحن ندين استخدام سلطة الدولة لفرض قيود على طاقم السفينة الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ أرواح اللاجئين». واضطر قبطان السفينة، ويرنر تشيرفنسكي، للتوجه إلى إسبانيا، بهدف النزول في أحد مرافئها. وكانت العوائق أمام تحرك السفينة مكلفة جداً، ما يعني أنها لن تكون قادرة على الشروع في المهمة التالية في الجزء الأوسط من البحر البيض المتوسط.

ولكن البيان الذي صدر عن الحكومة المالطية كشف عن أسباب قبول مالطا لاستقبال المهاجرين، إذ إن هناك أربع دول أخرى ستتقاسمهم فيما بينها. وقال بيان الحكومة «عبر التنسيق مع المفوضية الأوروبية، والتعاون مع مالطا، سيتم توزيع المهاجرين الذين وصلوا إلى مالطا على متن السفينة الآن كوردي على أربع دول من الاتحاد الأوروبي، هي: ألمانيا، وفرنسا، والبرتغال، ولكسمبرغ».

وأصدرت جمعية «عين البحر» بياناً بالمشاركة مع منظمات إنقاذ أخرى، قالت فيه «هذا النوع من المفاوضات لتقاسم اللاجئين يعتبر غير شرعي، ويمثل ممارسة سيئة تنتهك القانون الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وتحقيراً لكرامة اللاجئين الذين تم إنقاذهم»، وكان سلوك مالطا يمثل استهتاراً بقانون البحر، والقانون الدولي بصورة عامة، وقانون حقوق الإنسان، حيث تنص هذه القوانين على أنه يجب السماح بنزول الأشخاص الذين تم إنقاذهم في أسرع وقت، وأقرب مكان آمن.

وبات نظام الاستجابة لطلب النجدة من قبل اللاجئين يشكل معضلة مكروهة جداً، وأصبحت المنظمات التي تكرس نفسها لإنقاذ ضحايا الغرق المحتملين تعتبر مشكلة سيئة تماماً مثل الضحايا الذين يقومون بإنقاذهم. وأصبح الأشخاص الذين يرغبون في تقديم المساعدة للاجئين في البحار يعانون خطر المساعدة ذاتها التي يقدمونها للضحايا المحتملين، والتي يجب حمايتها من قبل قانون حق اللجوء. وهناك قضايا روتينية وبيروقراطية تتعلق بالمنطقة التي يوجد فيها اللاجئون في البحر، وأصبحت حالات الغرق محتومة، الأمر الذي يظهر مدى خطورة وأهمية عملية الإنقاذ.

وفي العديد من الحالات السيئة، يمكن أن تجد مجموعة الإنقاذ نفسها في وضع صعب، حيث تواجه التحقيق، لكونها قدمت المساعدة التي يحتاجها الضحايا بصورة ماسة. وتعرض رجل الإطفاء ميغويل رودان، الذي كان يقدم المساعدة للاجئين في يونيو 2017، مع زملائه المنقذين الآخرين، للتحقيق من قبل المسؤولين في الحكومة الإيطالية، ووجهت إليهم تهمة «تسهيل الهجرة غير الشرعية».

وفي الواقع، فإن المأساة التي تلوح في الأفق تتمثل في أن أعداداً متزايدة من البشر ستبتلعهم مياه البحر المتوسط، بالنظر إلى التصعيد المتسارع للأعمال القتالية في ليبيا، حيث يخشى كثيرون من احتمال انتشار مثل هذه الأعمال العدائية عبر المتوسط إلى أوروبا.


- الدول الأوروبية تتبنى نظريات العقوبات

والتمييز العنصري ضد اللاجئين الواصلين

الذين ينشدون الملاذ الآمن، وهذه

مواقف تمثل انتهاكاً للقانون الدولي

الإنساني.

- الدول المطلة على البحر المتوسط

تحاول التنافس في ما بينها على

التعامل بوحشية مع اللاجئين.

طباعة