البلاد عانت حرباً انفصالية طويلة

هجمات سريلانكا تنذر بعودة العنف بعد سنوات من الأمن

صورة

مرت سريلانكا بفترة دموية، تجسدت في حرب أهلية دامت 30 عاماً. في السنوات الأخيرة، لم تشهد أعمال عنف في الأغلب، حتى عيد الفصح الأخير، عندما أدت الهجمات الإرهابية الواسعة النطاق والمنسقة على الكنائس والفنادق، إلى مقتل 310 أشخاص. وألقت الحكومة باللوم في الهجوم على جماعة متشددة غير معروفة، تسمى «جماعة التوحيد»، والتي اكتسبت سمعة سيئة في سريلانكا لتشويه أربعة من تماثيل بوذا خارج المعابد في بلدة موانيلا، وسط البلاد، في ديسمبر 2018. وما يتعين على المحققين فعله الآن هو معرفة كيف تحولت قدرة المجموعة من التخريب إلى هجوم منظم ومتعدد الجوانب، وربما أكثر أهمية، لماذا الآن.

أماكن العبادة هي أهداف سهلة، لكن الهجمات التي وقعت، الأحد الماضي، تشير إلى مستوى من التعقيد لم تشهده البلاد منذ الحرب الأهلية بين الحكومة ومتمردي التاميل الانفصاليين، الذين انتهوا عام 2009، وكان المتمردون رواد التفجيرات الانتحارية الحديثة واغتيال الزعماء السياسيين واستهداف المدنيين.

لكن هذا الصراع كان عرقياً أيضاً: الأغلبية السنهالية ضد متمردي التاميل، منذ ذلك الحين، كان العنف الديني نادراً؛ وعندما يندلع، فإنه يقتصر عادةً على التوترات، وهذا هو السبب في أن هجوم عيد الفصح من قبل مجموعة غامضة على أماكن العبادة المسيحية أمر مفاجئ للغاية.

تقول خبيرة الإرهاب في جنوب آسيا وأستاذ مشارك بجامعة جورج تاون، كريستين فير: «هذا ليس منطقياً، جماعة التوحيد لم تهاجم الكنائس من قبل. علاوة على ذلك، لم تشهد سريلانكا عموماً توترات بين المسلمين، الذين يشكلون 10% من السكان، والمسيحيين، الذين يمثلون 7%، ومن الأرجح أن جماعة خارجية، مثل (داعش) أو تنظيم القاعدة، متورطة بشكل ما».

وألقت الحكومة السريلانكية، التي فرضت تعتيماً على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الهجوم، باللوم على «جماعة التوحيد»، واعتقلت أشخاصاً عديدين، وقال المتحدث باسم حكومة سريلانكا، راجيثا سيناراتني، للصحافيين إن هناك «شبكة دولية لا يمكن لهذه الهجمات أن تنجح من دونها». في حين لم يوضح ولم يقدم أدلة.

ولاحظت مديرة مجموعة «سايت إنتلجنس جروب»، ريتا كاتز، التي تراقب الشبكات المسلحة والمتطرفة، أن الهجمات المنسقة على الكنائس هي، في الواقع، سمة مميزة لتنظيم «داعش»، الذي نفذ عمليات مماثلة في مصر والفلبين. على الرغم من أن التشدد لم يكن مشكلة كبيرة في سريلانكا، فقد أصدر التنظيم بعض تصريحاته باللغة التاميلية، وهي لغة يتحدث بها في جنوب الهند، ولغة عرق التاميل في سريلانكا.

يذكر أن معظم مسلمي سريلانكا من التاميل، على الرغم من أن سكان التاميل في البلاد هم من الهندوس في الأغلب.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت هناك صلات تربط الجماعة بـ«داعش» أو تنظيمات إرهابية أخرى، لكن الجماعات المسلحة حققت نجاحات في أجزاء من العالم، حيث كان لها في السابق تأثير ضئيل، كما هي الحال في الفلبين وإندونيسيا. لقد استخدمت الدعاية عبر الإنترنت لدفع الشباب الساخطين في أوروبا نحو التطرف؛ وجندت من المنظمات القائمة، مثل طالبان في أفغانستان و«بوكو حرام» في نيجيريا؛ وتدخلت في الفراغ الأمني بأماكن مثل ليبيا.

في الواقع، اعترفت سريلانكا، عام 2016، بأن 32 متطرفاً سريلانكياً انضموا إلى «داعش»، وهو جزء ضئيل من إجمالي عدد السكان المسلمين في البلاد، لكنه مهم بما يكفي لحكومة البلاد لتلاحظ ذلك، ومن غير المعروف ما إذا كان أيٌّ منهم قد عاد إلى البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، تتطلب العمليات مثل تلك التي نُفذت في سريلانكا الخبرة والتخطيط، إذ يجب أن يكون المتطرفون راديكاليين وتم تجنيدهم وتدريبهم على شن هجوم بهذا الحجم، ويشير هذا إلى وجود أماكن آمنة وخلايا تخطيط ومعدات ومواد لصنع القنابل، جميعها علامات مميزة لمجموعة جيدة التنظيم.

ويقول الخبير بشؤون الإرهاب والأستاذ بجامعة جورج تاون، بروس هوفمان: «لا يتم تنفيذ العملية بسهولة، ليقرر شخص ما أن يقتل نفسه في هجوم انتحاري».

بعد أن حدث ما حدث، ينبغي ألا يكون الهجوم في هذه اللحظة بالذات في سريلانكا مفاجأة كاملة، فقد تصاعدت التوترات منذ انتهاء الحرب الأهلية؛ وتعطلت المنافسة السياسية؛ وفي أعقاب التفجيرات، ظهر أنه كانت هناك تحذيرات حول هجوم وشيك.

تقول الخبيرة بالإسلام العالمي في جنوب آسيا، شوبانا كزافييه، وهي أستاذ مساعد بجامعة كوينز في كينغستون، أونتاريو: «في فترة ما بعد الحرب، كانت الجالية المسلمة هي كبش فداء، وكان هناك شعور متزايد بالخوف من الإسلام».

ازدادت هذه المشاعر حدةً، مدفوعة في الأغلب بفعل المعلومات الخاطئة التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى العنف في مارس 2018، عندما هاجم بوذيون أعمالاً تجارية يملكها المسلمون وأماكن العبادة، وقتل ما لا يقل عن اثنين من المسلمين. وحتى خلال تلك الفترة، لم يتواصل رئيس الوزراء، رانيل ويكرمسينغ، والرئيس مايتريبالا سيريسينا، والرجلان عدوان لدودان، ودفع تنافسهما سريلانكا إلى أزمة دستورية، العام الماضي، لم يتم حلها إلا من خلال تدخل المحكمة العليا.

وتم تجاهل التحذيرات العديدة حول الكنائس المستهدفة. ومن غير الواضح ما إذا لم يتم تبليغ التهديدات بسبب عدم الكفاءة؛ أم بسبب تنافس رئيس الوزراء مع سيريسينا، الذي يسيطر على الشرطة والجيش؛ أو لأنه تم تعطيل المعلومات بسبب إجراءات بيروقراطية، وذُكر أن الجالية المسلمة في سريلانكا حذرت السلطات مرات عدة، على مر السنين من أنشطة الجماعة.

وبينما يستمر البحث عن إجابات، كانت هناك بالفعل تداعيات: تعرض الصيادون المسلمون في باتيكالوا، في شرق البلاد، للهجوم عقب الانفجارات، وكما تقول كزافييه: «إذا انتهى الأمر إلى أن هذه المجموعة بالذات نفذت الهجوم، فقد يعني ذلك أياماً مدمرة في البلاد».

بعد أن حدث ما حدث، ينبغي ألا يكون الهجوم في هذه اللحظة بالذات في سريلانكا مفاجأة كاملة، فقد تصاعدت التوترات منذ انتهاء الحرب الأهلية؛ وتعطلت المنافسة السياسية؛ وفي أعقاب التفجيرات، ظهر أنه كانت هناك تحذيرات من هجوم وشيك.


أحداث مهمة بعد هزيمة «نمور التاميل»

- مايو 2009:

الحكومة تعلن هزيمة نمور التاميل، بعد أن اجتاحت قوات الجيش آخر منطقة

يسيطر عليها المتمردون في الشمال الشرقي، والقبض على زعيم نمور التاميل

الجديد، سيلفاراسا باثماناثان، في الخارج من قبل السلطات السريلانكية.

- يناير 2010:

إعادة انتخاب الرئيس ماهيندا راجاباكسا بفارق كبير.

- مارس 2012:

مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يحث سريلانكا على

التحقيق في جرائم الحرب، التي يُزعم أنها ارتكبت خلال المرحلة الأخيرة من الصراع.

- سبتمبر 2013:

حزب المعارضة للتحالف الوطني «التاميل» يفوز في الانتخابات الأولى لمجلس

المحافظة، المتمتع بحكم شبه ذاتي في الشمال، بـ78% من الأصوات.

- يناير 2015:

مايتريبالا سيريسينا يهزم ماهيندا راجاباكسا في الانتخابات الرئاسية،

متعهداً بالمساءلة عن الأعمال الوحشية المزعومة خلال الحرب الأهلية.

- يونيو 2016:

الحكومة تعترف، لأول مرة، بأن نحو 65 ألف شخص في عداد المفقودين، جراء الحرب.

- يناير 2017:

اشتبكت الشرطة مع المتظاهرين، احتجاجاً على خطة لإجلاء القرويين، لإفساح

الطريق لميناء يبنيه الصينيون بالقرب من مدينة هامبانتوتا الساحلية.

- أكتوبر 2018:

تعليق البرلمان.

- أبريل 2019:

هجمات عيد الفصح تودي بحياة المئات.

طباعة