يوجه رسالة بأن لا أحد بمأمن من الملاحقة القضائية

بوتين يستخدم أساليب «سوفييتية» للتخلص من المسؤولين الفاسدين

صورة

يتعرض كبار السياسيين للإقصاء بصورة متزايدة، وكان آخر الأدلة على ذلك في نهاية مارس الماضي مع اعتقال ميخائيل أبيزوف وهو الوزير السابق للشؤون الحكومية المفتوحة. وبعد مرور يومين على ذلك تم اعتقال فيكتور إيشاييف وهو وزير سابق لأقصى الشرق الروسي، كما أنه حاكم سابق لمنطقة خاباروفسكا، وكان لمثل هذه الاعتقالات تأثير مرعب بين أوساط النخب السياسية في الدولة.

وكانت السلطات الروسية اعتقلت ثلاثة من الوزراء الاتحاديين السابقين وأودعوا السجن، إضافة إلى عدد من المسؤولين المحليين الداعمين لهم، وكانت تهمة الجميع هي الخداع والفساد. ويمضي وزير الاقتصاد الروسي السابق إليكسي أولياكييف حالياً عقوبة السجن لمدة ثماني سنوات، ويحاكم الرئيس السابق لجمهورية كومي الروسي فايشسلاف غايزير حالياً، ومن المتوقع أن تكون عقوبته السجن لمدة 21 عاماً، أما الحاكم السابق لمنطقة ساخلين الكساندر خورشافين فقد حكم عليه بالسجن لمدة 13 عاماً، في حين أن نظيره حاكم منطقة كيروف نيكيتا بيليخ، الذي قاد حزباً سياسياً ليبرالياً وأصبح ملغى الآن، فقد تم الحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات.

وكان الإقصاء السياسي لمسؤولين كبار أصبح نادراً نسبياً في الاتحاد السوفييتي في أعقاب وفاة ستالين عام 1953، وحتى سنوات قليلة مضت حدث الأمر ذاته في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، على الرغم من الحكم بالسجن على مسؤولين كبار بتهمة الفساد عام 2004 بعد ست سنوات من المحاكمة.

وصحيح أن اعتقال المسؤولين الأقل مرتبة وطردهم ومحاكمتهم هو المعيار السائد في روسيا كما يقول المحلل السياسي الروسي نيكولاي بتروف، حيث تجري السلطات ما بين 18 و20 تحقيقاً في السنة بشأن مناصب مثل حكام الأقاليم ونوابهم والمحافظين، لكن في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي يعتبر رؤساء الحكومة السابقين ونوابهم والوزراء أنفسهم بصورة عامة آمنين من هذا الخطر، وحتى السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، الذي أطلق عليه النار وقتل في وسط الساحة الحمراء عام 2015 كان يعتقد أنه لا يواجه خطراً من الدولة، لأنه كان نائب رئيس حكومة سابقاً.

وسواء كانت الحكومة متورطة أم لا في مقتل نيمتسوف، فإن الاعتقالات الأخيرة لكل من إبيزوف وإيشاييف قوضت اعتقاد كبار المسؤولين بأن النظام لن يخاطر باعتقالهم. وهي تمثل مؤشراً إلى أن عمليات التطهير التي يقوم بها بوتين الآن تطال أعضاء سابقين في الحكومة الاتحادية، والذين ظهروا في العديد من الصور الرسمية إلى جانب بوتين ورئيس الحكومة ديمتري ميدفيدف، وأعضاء آخرين في الطبقة الحاكمة الروسية.

وللوهلة الأولى، تبدو هذه الاعتقالات الأخيرة أنها ستشوه سمعة السلطات، لكن الشرطة الروسية كانت تجمع الأدلة ضد إبيزوف وإيشاييف لسنوات عدة بينما كانا يعملان وزيرين، وإضافة إلى ذلك، فإن آخر منصب عمل به أبيزوف كان عام 2018 مستشاراً للرئيس بوتين، فهل يعقل أن رئيس الدولة لا يعرف شيئاً عما يقوم به كبار مسؤولي الكرملين؟

لكن الرسالة الموجهة إلى النخبة السياسية في روسيا هي الأكثر أهمية بالنسبة لبوتين، والتي مفادها أنه ليس هناك من هو بمأمن من الملاحقة القضائية حتى لو كان أمثال أبيزوف وإيشاييف المتقاعدين من الخدمة العامة ولم يعد لهما أي نفوذ.

وقبل بضع سنوات، كان المذنب الذي تثبت التهمة ضده هو الذي يتم اعتقاله كما هي حال الرئيس السابق لخدمات الجمارك الاتحادية اندريه بليانينوف عندما نشرت الشرطة تسجيل فيديو يظهر البحث في منزله الفاخر، حيث ظهرت صور صناديق أحذية مكدسة بالدولارات، لكن في هذه الأيام أي شخص يشتبه فيه يتم اعتقاله على الفور، خصوصاً إذا كانت لا تربطه أي علاقة بالرئيس بوتين، وكانت هذه حالة أولياكييف وبيليخ اللذين ينتميان إلى مجموعة من الليبراليين، وأبيزوف الذي كان يعد من رجال ميدفيدف.

ويرى بوتين أن تذكير النخبة السياسية الروسية بأنه ليس هناك من هو بمنأى عن المساءلة هو أفضل طريقة لجعلهم دائماً في حالة خوف، وأي شخص عمل لدى ستالين كان يحتفظ دائماً بحقيبة تحوي حاجاته الضرورية كي يكون مستعداً في أي لحظة مفاجئة لاعتقاله، ويبدو أنه يتعين على من عملوا لدى بوتين أن يفعلوا الأمر ذاته. وإضافة إلى ذلك، يجب عليهم أن يفهموا أن طردهم من مناصبهم لن يكون نهاية العقاب وإنما يمكن أن يكون بداية لشيء أكثر سوءاً.

وترسل أعمال الاعتقال الحالية رسالة إلى الجيل المقبل من المسؤولين مفادها أن السلوك السياسي السيئ أو التركيز المبالغ به على المصالح الشخصية سيعرضكم للعقاب. وكانت أعمال التطهير في عهد ستالين تهدف إلى لعب الدور ذاته. وخلال عهد ستالين كان الموظفون الجدد يشعرون بأنهم حصلوا على بطاقة يانصيب رابحة عندما يتم اعتقال رؤسائهم، لكنهم يفهمون أيضاً أن هذه البطاقة التي حصلوا عليها يمكن أن تتحول إلى مذكرة اعتقال.

وعلى نحو مشابه، يفضل بوتين تعيين أشخاص «تكنوقراط» في المناصب الوزارية والحكام.

وهؤلاء الموظفون القادمون الجدد يشعرون بالخوف من عمليات التطهير والإقصاء المستمرة، ولن يقوموا بتنفيذ أي شيء دون موافقة قادتهم، الأمر الذي يعوق أي عملية تحديث حقيقية في روسيا، وهو ما يبتغيه بوتين.

أندريه كوليسنكوف رئيس برنامج السياسة الداخلية والمؤسسات السياسية الروسية في مركز كارنيغي في موسكو


السلطات الروسية اعتقلت ثلاثة من الوزراء الاتحاديين السابقين وأودعوا السجن بتهمة الخداع والفساد.

طباعة