ترامب يرفض نصائح خبراء الحرب

الوضع في سورية 2019 يختلف عن العراق 2003

قوات سورية الديمقراطية فهمت أن الحرية تستند على الاستقرار. رويترز

خلال الأشهر الماضية أصبح وضع الوجود الأميركي في سورية في حالة من التغير المستمر. وجاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية ديسمبر الماضي أن إدارته تنوي الانسحاب من سورية صادماً للجيش الأميركي وللكثيرين في الإدارة نفسها، خصوصاً للعاملين في شمال سورية، حيث يتواجد الجنود الأميركيون. وبعد ذلك ظهرت تصريحات تقول إن الولايات المتحدة يمكن أن تحتفظ بـ400 جندي شمال سورية، لكن التفاصيل لاتزال غير واضحة. وكان الرئيس ترامب أعلن خلال حملته الانتخابية أنه سيعيد القوات الأميركية العاملة في سورية بعد هزيمة تنظيم «داعش»، لكن أحداً لم يتوقع تنفيذ الإعلان بهذه السرعة. وجلب إعلان ترامب انسحاب القوات من سورية الكثير من الانتقادات من أصدقاء الرئيس وأعدائه على السواء. وأشار مؤيدو الرئيس لسحب القوات الأميركية من سورية إلى أن الذين يؤيدون بقاء تلك القوات هم أنفسهم الذين قادوا الولايات المتحدة إلى الحرب في العراق، وكانوا مخطئين في حينه، وهم مخطئون الآن. والنقاش مستمر، لكن هل الوضع في سورية عام 2019 شبيه بالوضع في العراق عام 2003؟

تبدو قراءة توقعات الغزو الأميركي الوشيك على العراق في عام 2002 و2003 كمن يقرأ رواية خيالية، وعلى الرغم من معظم مؤيدي الحرب كانوا مخطئين، فإنه لم تتم محاسبة أحد منهم أو إقالته. وفي الواقع، فقد كتبت صحيفة «واشنطن بوست» مقال رأي في فبراير عام 2003 قالت فيه «بعد المداخلة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي وقتها كولن باول في مجلس الأمن القومي المتحد يوم أمس، بات من الصعب تخيل كيف يمكن لأحد أن يشكك في أن العراق يمتلك أسلحة نووية».

وقال العديد من الخبراء نفسهم الذين قادوا الحرب على العراق إنه يجب على الولايات المتحدة أن تؤيد الربيع العربي عام 2011، وإن هذا الحراك يختلف عن غزو العراق والإطاحة بنظامه من جهة أن الشعب هذه المرة هو الذي ثار على حكامه الدكتاتوريين، لكن في كلتا المرتين فشل الخطاب في الانسجام مع الواقع، إذ لم يكن هناك خطة سياسية أو حركة منظمة لتحقيق هدف محدد، إذ إن الشعب كان ضد الزعيم معمر القذافي في ليبيا، والأمر ذاته ضد الرئيس السوري بشار الأسد في سورية، لكن ما حدث لاحقاً كان فوضى.

ولذلك فإنه من المفهوم أن الرئيس ترامب يتردد في الاستماع لهؤلاء الخبراء وصانعي السياسة أنفسهم الذين دفعوا بأميركا إلى الحرب في العراق، والذين يريدون دفعها إلى حرب مع إيران لا ضرورة لها، عندما يقولون إنه يجب بقاء القوات الأميركية في سورية، وهؤلاء لم يتعلموا الدرس في العراق، كما أن أحداً لم يعترف بمسؤوليته عن الخطأ المريع لاجتياح عام 2003. وسعى عضو الكونغرس الجمهوري والتر جونز، الذي توفي أخيراً، للتكفير عن دعمه لتلك الحرب عن طريق كتابة رسائل إلى عائلات القتلى في أفغانستان والعراق، وكان موقفه هذا متفرداً، فمعظم الخبراء الآخرين لايزالون يدافعون عن الحرب في أماكن أخرى من العالم، ويطالبون الحكومة بشن مزيد من الحروب.

ولسوء الحظ فإن الجدل العام بشأن الوجود الأميركي في الشرق الأوسط يسيطر عليه رأيان: الأول يقول إنه يجب سحب تلك القوات من جميع المنطقة بصورة شاملة، أما الثاني فيقول يجب نشر القوات الاميركية في جميع تلك الدول. ويتجاهل هذا الأمر الحقيقة التي مفادها أنه ليست جميع حالات الغزو متشابهة، وأن الوضع في شمال سورية مختلف بصورة جذرية عن العراق، ففي شمال سورية كان حلفاء أميركا، قوات سورية الديمقراطية، هم الذين قضوا على تنظيم «داعش»، حيث تمكنوا من الإجهاز على آخر فلولهم في 23 مارس الماضي.

ويرى الرئيس ترامب، وهو على حق، أن الولايات المتحدة ليس لها دور لتلعبه في سورية من البداية. وخلال حكم الرئيس السابق باراك أوباما عمدت إدارته إلى تسليح وتمويل مجموعات معارضة في سورية، لكنها لم تلزم نفسها بإبعاد الأسد عن السلطة. وتعرضت للانتقاد لأنها لم تؤمّن أسباب انتصار المعارضة بصورة شاملة، لكن تلك المعارضة لم يكن لديها خطة متماسكة لحكم الدولة. ودعا المتظاهرون في البداية إلى الحرية والديمقراطية، لكنهم انخرطوا في ما بعد في الفوضى بعد أن قرروا الإطاحة بكل مؤسسات الدولة السورية، واتضح بعد ذلك أن الحفاظ على الأمن في سورية مسألة صعبة تماماً مثل الحال في العراق.

وأما في ما يتعلق بالعراق، فخلال الفوضى الناجمة عن غزو عام 2003، قال معظم العراقيين إن الولايات المتحدة هي قوة احتلال. ورفض العراقيون أن الولايات المتحدة تريد جلب الديمقراطية إلى بلادهم بعد أن اتضح لديهم أن أقوى دولة في العالم ليس لديها خطة لما بعد الإطاحة بالنظام. وأدركت الولايات المتحدة أن الفوضى ستعم البلاد، وبناء عليه قيل إن الولايات المتحدة كان لديها نوايا أخرى خفية لهذا الغزو، وأشهر تلك النوايا التي ظهرت على الملأ هو أن أميركا جاءت إلى العراق لسرقة النفط، أو أنها جاءت لحماية إسرائيل، وتم استخدام أكثر نظريات المؤامرة غرابة لتفسير الغزو الأميركي لبلادهم. ولكن هل الوجود الأميركي في سورية احتلال أيضاً؟ في المناطق التي يعمل بها الجيش الأميركي كانوا يعتبرونه شريكاً وضامناً للأمن ضد تركيا والأمن السوري، وإن كان الواقعيون منهم يدركون أن الولايات المتحدة تبحث عن مصالحها وأنها يوماً ما ستغادر. والمهم أنهم كانوا يروننا شركاء في الحرب ضد «داعش». ومن المؤكد أن غالبية الشعب السوري لا يرى الأميركيين كقوة احتلال، وبناء عليه ما السبب في الاختلاف مع العراق؟ لأن سورية في عام 2019 تختلف عن العراق 2003، ولسوء الحظ فإن الذين أخطأوا بشأن العراق أصابوا في ما يتعلق بسورية، ولهذا فإنهم أساءوا لقضية البقاء في سورية.

وبخلاف المعارضة السورية أو المسؤولين الأميركيين في العراق ما بعد عام 2003، فقد فهمت قوات سورية الديمقراطية أن الحرية تستند إلى الاستقرار، وبذلوا جهداً كبيراً لإقناع السكان المحليين بمشروعهم المعروف باسم «إدارة الحكم الذاتي» الأمر الذي يعكس الطبيعة الفريدة للمنطقة في سورية التي يعيشون فيها. ويطلق تاريخياً على المنطقة الواقعة شمال وغرب نهر الفرات بـ «الجزيرة»، وتتميز بعلاقات وثيقة مع شمال العراق وجنوب تركيا أكثر من العلاقة مع بقية سورية، وتمكنت قوات سورية الديمقراطية من القضاء على تنظيم «داعش» في المنطقة، لكنها لن تتمكن من مواصلة ذلك دون دعم، بالنظر إلى تهديدات تركيا والحكومة السورية إذا انسحبت القوات الأميركية من المنطقة.

وفي العراق حاول الأميركيون استخدام قوة الجيش الأميركي لإعادة تشكيل المجتمع بصورة مختلفة، ولإنجاح مثل هذه الجهود كان لابد من إحداث تغيير اجتماعي وتشكيل وحدة وطنية بصورة شاملة، وخلال فترة زمنية قياسية، لكن الوضع في سورية مختلف تماماً، فأميركا تدعم كياناً محلياً برز بصورة عضوية من المنطقة، وأثبت أنه قادر على تأمين الاستقرار، والإدارة، في حين أن الأميركيين كانوا يقدمون لهم القوة النارية وبعض المساعدة، لكن مثل هذا الاختلاف كان مفقوداً لدى طبقة الخبراء في الكونغرس ومراكز البحوث في واشنطن العاصمة. لقد أخطأوا بشأن العراق، والربيع العربي، إذ ما كان ينبغي لنا أن نستمع لهم، ومن المؤكد أن الرئيس ترامب على صواب في تجاهله لكل نصائحهم، ومن المخجل أنهم كانوا على صواب بشأن بقاء القوات الأميركية في سورية، وبسببهم قرر الرئيس المغادرة قبل الأوان.


سام سويني موظف سابق في الكونغرس وكاتب ومترجم مقيم في الشرق الأوسط

طباعة