النقاشات والتحذيرات بشأن الضمّ مجرد أحاديث فارغة هدفها صرف النظر عن الواقع

إسرائيل تحاول إبقاء الوضع الراهن في الضفة الغربية

صورة

قبل أربع سنوات، وعشية الانتخابات الإسرائيلية، وعد رئيس الحكومة، في حينها، بنيامين نتنياهو، خلال مقابلة متلفزة، أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية مطلقاً طالما هو موجود. وتراجع عن العبارة بعد بضعة أيام من فوزه، لكن الذين أرادوا تصديقه فقط هم الذين اقتنعوا بتراجعه. ولطالما كانت معارضة قيام الدولة الفلسطينية هي السياسة التي ينتهجها نتنياهو. لكنه ابتعد قليلاً عنها في مناسبات نادرة، عندما كان تحت ضغوط كبيرة، وحتى في حينها فعل ذلك وهو يغمز أنصاره.

ويوم السبت الماضي، ومرة أخرى عشية الانتخابات الإسرائيلية، توقف نتنياهو عن الغمز، فعندما سئل في مقابلة تلفزيونية عما إذا كان سيضم مناطق من مستوطنات الضفة إلى إسرائيل في حال تم انتخابه لولاية جديدة، رد بوضوح أنه سيفعل بالتأكيد. وقال نتنياهو «الجواب هو نعم سأفعل ذلك، وسأفرض السيادة الإسرائيلية على العديد من المناطق، ونحن لا نفرّق بين الكتل الاستيطانية وتلك المستوطنات الصغيرة المتفرقة، إذ إنها جميعاً إسرائيلية، ونحن مسؤولون عنها كحكومة إسرائيلية».

وبالطبع فإن تعهد نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية لم يفاجئ أي شخص يتابع السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. وتحدث آخرون في ائتلافه السياسي، وحتى في حزبه، بصراحة عن الضم منذ سنوات عدة. وتحدث مفكرون يميلون إلى الوسط صراحةً عن خطط الزحف أو الضم بفعل الأمر الواقع، التي لا يمكن تمييزها عن خطط الجناح اليميني أو على الأقل عن النتائج المرجوة منها.

ومن الأمثلة على ذلك المقالة الأخيرة التي كتبها المفكر الإسرائيلي، ميكا غودمان، في موقع «ذي أتلانتك»، التي تم نشرها في الوقت ذاته باللغتين العبرية والإنجليزية، والتي توضح ما ادعى أنه سيكون خطة تم الإجماع عليها وتتألف من ثماني نقاط «لتقليص» الصراع بدلاً من حله. ويدعي غودمان، وهو شخصية عامة تزداد ظهوراً في المجتمع الإسرائيلي، أنه تخلى عن اليمين واليسار، وهو يحاول تسويق فكرة لا تختلف كثيراً عن خطط نتنياهو لضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل.

وبعد أن تحدث عن الطرق المختلفة التي ستواصل بها إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية بصورة لا تختلف كثيراً عما تفعل الآن، وإن كانت في الوقت ذاته ستمنح الفلسطينيين مزيداً من رخص البناء، وتستبدل عدداً قليلاً من نقاط التفتيش بطرق جانبية معزولة، قدم غودمان الخطة التالية:

تتمثل خطة غودمان، بخلاف حيل نتنياهو المتمثلة في حشد اليمين عند الانتخابات، حسب ما يقول إنها مرسومة، بحيث إنها تحشد خلفها كل اليهود في إسرائيل من اليمين واليسار. وبغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمها، سواء كانت تقليص الصراع أو حتى إدارة الصراع بدلاً من حله، إلا أن الفكرة توضح أن الموقف السائد الآن في إسرائيل ينطوي على عدم إنهاء الاحتلال للفلسطينيين.

وأعلن نتنياهو في مناسبات عدة أن إسرائيل لن تتخلى عن السيطرة الأمنية على جميع الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن. ومن ضمن قادة أحزاب اليسار المتحالفين مع نتنياهو، ليس هناك من هو مستعد لمناقشة التخلي عن هذه السيطرة. والسؤال الذي يظل مطروحاً هو كيف سيكون شكل السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية، وعلى ملايين السكان الذين لا يعتبرون إسرائيليين؟

ويمكن أن يكون للضم تعريف فني، ربما تحققه إسرائيل أو لا تحققه مطلقاً. لكنّ معارضي الضم يشعرون بالقلق، ليس على وضع خط تخيلي على الرمال، يتم رسمه عن طريق القانون الدولي، وإنما يخشون من هدف هذه السيطرة الإسرائيلية الأزلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بغض النظر عن الشكل الذي يمكن أن تأخذه.

وأي خطوة تُقصد بها زيادة تكريس الاحتلال - عن طريق الإعلان عن استمرارها كما تعهد نتنياهو، أو عن طريق تسهيل بقائه كما تقضي خطة غودمان - يجب اعتبارها غامضة سواء من ناحية الروح أو الهدف. وإذا حققت النتيجة ذاتها، أي إبقاء الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية، فإن أي محاولة كلامية للتمييز بينهما ستكون عملاً مخادعاً.

ومن المهم الإشارة إلى أن الضم، كما تخيله نتنياهو وغودمان، لا يبدو مختلفاً عن الحال الآن. ولم يوحِ نتنياهو، في مقابلة يوم السبت، بأنه سيضم كل الضفة الغربية، وإنما المستوطنات الإسرائيلية.

وكما يحاجج نعوم شيزاف، من موقع «ماغازين 972» على الإنترنت، منذ سنوات، فإن الخيار المزدوج بين حل الدولة وحل الدولتين يتجاهل السيناريو الثالث وهو الأكثر ترجيحاً، الذي اختاره الإسرائيليون مراراً وتكراراً، المتمثل في الحفاظ على الوضع الراهن.

وإذا جرى الحفاظ على الوضع الراهن، حيث تسيطر إسرائيل على الأراضي الواقعة بين النهر والبحر، وأصبح حالة دائمة، فإن النقاشات والتحذيرات بشأن الضم لن تكون أكثر من مجرد أحاديث فارغة هدفها صرف النظر عن الواقع.

طباعة