كثيرون يعتبرونها عاملاً ميسِّراً للشباب

وسائل التواصل الاجتماعي تزيد معـدلات الهجرة غير النظامية بالمنطقة

صورة

تسهم وسائل أو شبكات التواصل الاجتماعي، مثل «فيس بوك» و«واتس أب» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، في زيادة معدلات الهجرة غير النظامية، الفردية والجماعية، التي تتجه من الدول العربية (محطات الانطلاق)، وتمر من خلال دول العبور، حتى تصل إلى دول المقصد أو الدول المُستقبِلة لها (الأوروبية بالأساس)، خصوصاً بعد تحولات عام 2011، وفقاً لما تشير إليه بعض الدراسات الميدانية والكتابات الإعلامية، حيث أدى التطور التكنولوجي والمعرفي المتسع، في عالم اليوم، إلى تصاعد تأثير أساليب الهجرة غير النظامية.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد تقديرات محددة، أو أساليب إحصائية، لقياس أعداد المهاجرين غير النظاميين في المنطقة كافة، نظراً لأنها عملية انتقال سكاني تجري خارج القوانين والنظم، التي تتيح تسجيل المهاجرين إلى دول الاستقبال، وبالتالي معرفة أعدادهم، والوسائل التي اعتمدوا عليها لتيسير انتقالهم من دولة إلى أخرى مجاورة أو غير مجاورة. ومن ثم، يتعذر تحديد حجم الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل حركة الهجرة غير النظامية. إلا أن المحدد الاتصالي التكنولوجي كان له - ضمن عوامل أخرى - دور في رفع معدلاتها.

خصائص مميزة

تزايد عدد مستخدمي الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، في معظم الدول العربية، مقارنة بالصحف الإخبارية، والقنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، لاسيما أن الأجيال الشابة «رقمية». كما عززت هذه الوسائل حرية النقاش والحوار، إذ أصبح نشر المعلومات سهلاً، في مساحة غير محدودة، وبلغات مختلفة، وبالصور الثابتة والأشكال المتحركة. وأصبح تلقيها ميسراً، وسريعاً، وبكلفة محدودة للغاية، فضلاً عن التواصل المرئي والمكتوب والصوتي، عبر تطبيقات «واتس أب» و«فايبر»، الأمر الذي أدى إلى «وفاة المسافة».. حسبما تقول بعض الاتجاهات.

علاوة على ذلك، تُسهِّل شبكات التواصل الاجتماعي إعادة إنتاج المحتوى، ونشره على صعيد واسع، بشكل يتعذر معه بالنسبة للمستخدم تقييم هذا المحتوى وتمييزه، سواء أكان خبراً صحيحاً أم معلومة مغلوطة أم دعاية جاذبة أم تحريضاً ممنهجاً أم غيرها. كما أصبحت مراقبة الفضاء الإلكتروني صعبة للحكومات، لاسيما في ظل الضغوط المتصاعدة للمجتمع المدني العالمي، وهو ما لا يتاح لوسائل الإعلام التقليدية.

مؤشرات عاكسة

وهنا، حلت وسائل الإعلام الحديثة، خصوصاً شبكات التواصل الاجتماعي، محل وسائل الإعلام التقليدية في ترويج التحركات البشرية، خصوصاً عبر البر والبحر، وتقديم تعليمات مفصلة حول كيفية تحقيق الهجرة بوسائل «شبه آمنة». وقد أشار رئيس الوزراء الجزائري، وزير الداخلية سابقاً، نورالدين بدوي، خلال أحد المؤتمرات الوطنية المعنية بالهجرة غير النظامية عقد قبل اسابيع، إلى أن الشبكات الاجتماعية في الجزائر أصبحت وسيلة مفضلة للمعلنين، أي المهربين، للإعلان عن خدمات محددة وجذب المهاجرين، خصوصاً من فئة الشباب.

كما حذرت وزارة الداخلية المغربية، في سبتمبر 2018، من الإعلانات على موقع «فيس بوك» المشجعة على الهجرة غير النظامية، التي تحدد مكان الانطلاق في الشواطئ المغربية، وتحديداً من مدينة الناظور، ونقطة الوصول إلى أوروبا، والأسعار وغيرها، لاسيما في ظل الدعاية التي تقوم على أن الرحلات آمنة، بحيث برز تنافس حاد بين شبكات التهريب، من خلال الأسعار أو الخدمات. وتقدم بعض شبكات التواصل الاجتماعي خدمات من شأنها طمأنة المهاجر، عبر فتح قنوات تحاور مع بعض المحامين، تدعي أنهم يساعدونهم في الحصول على ما تسميه «حقوقهم».

وقد لاحظت المنظمة الدولية للمهاجرين تكاثر المواقع الإلكترونية، التي تحرض على الهجرة. كما أن عدداً كبيراً من المهاجرين، الذين وصلوا إلى إيطاليا واليونان، تم إغراؤهم بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً «فيس بوك»، لاسيما في ظل اقتراح بعض الصفحات على شبكات التواصل تقديم خدمات متكاملة للمهاجر، من ضمان الدخول لدولة المقصد إلى الإقامة، ورخصة العمل، وربما الزواج، وحتى التعليم للأطفال، مع إعلان الأسعار للفرد، والعائلات، وللأطفال. وتهتم أيضاً بعض المؤسسات داخل الاتحاد الأوروبي بكيفية مواجهة استخدام الإنترنت في تجارة البشر وتهريب اللاجئين، خصوصاً الرحلات القادمة من تركيا وليبيا ودول شمال إفريقيا.

وبرزت أبعاد الدور، الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي في تيسير الهجرة غير النظامية بالمنطقة العربية، على نحو ما توضحه النقاط التالية:

خريطة الهجرة

1- تقديم نصائح عملية، حول كيفية الوصول من الدول العربية إلى أوروبا:

على نحو ما عبرت عنه صفحة «الطريق إلى أوروبا» على «فيس بوك». تقدم شبكات التواصل الاجتماعي خريطة الطريق من دولة الإرسال، مروراً بنقاط العبور إلى محطة الوصول، مع تحديد المناطق التي يتعين تجنب المرور بها وأسعار وأشكال العبور المختلفة وإتاحة المعلومات المتعلقة بسياسات مكافحة الهجرة، التي تتبعها الأجهزة الأمنية، وقوات خفر السواحل، واستخبارات الحدود في الدول المختلفة، بل إن مواقع عدة تقدم بعض الإرشادات لكيفية تجنب الترحيل.

روابط الجوار

2- تدشين حلقات الاتصال بين رفقاء الهجرة غير النظامية:

وهو ما تحاول شبكات التواصل الاجتماعي الاهتمام به، عبر تحصيل معلومات حول كيفية الهجرة، وبمن يتصلون من أجل الهجرة وبعد الوصول. فغالباً يسافر الشباب في مجموعات من الأصدقاء، من القرية أو المحافظة نفسها، أو من مناطق أخرى مجاورة، ما يشعرهم بالطمأنينة، وهو ما يشير إليه مضمون نظرية الشبكة Network Theory، التي تركز على العلاقات الشخصية لشبكات المهاجرين، التي تربط المهاجرين، والمهاجرين السابقين، والمهاجرين المحتملين، وغير المهاجرين في دول المصدر والمقصد.

تجارة رابحة

3- تعزيز وسائل الاتصال بين شبكات التهريب والمهاجرين:

بشكل يعكس تعاظم أدوار شبكات التسفير غير الشرعي، ليس على المستوى المحلي فحسب، وإنما على الصعيدين الإقليمي والدولي أيضاً، حيث تضم وكلاء سفر، ومحامين ومصرفيين، ومكاتب تشغيل، ومترجمين فوريين، ووكلاء إسكان، وسائقين لنقلهم إلى نقاط التجمع، وموظفي فنادق لاستقبالهم، على نحو يكشف الإتقان والتنظيم والتخطيط المحكم من جانب القائمين على تلك الشبكات، ما يجعلها عملية متعددة الأطراف، وتشكل حزمة متكاملة تتطلب خطوط اتصال حديثة وفورية بين أعضاء هذه الشبكة، لاسيما أن هذه التجارة تحقق أرباحاً طائلة من «جذب الزبائن».

الفردوس الأوروبي

4- التركيز على الصورة الذهنية المرتبطة بدولة المقصد:

تشير بعض الكتابات إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي، في تسويق خدمات شبكات التهريب عبر نشر بعض الوسطاء إعلانات مرفقة بصور معالم أوروبية شهيرة، بهدف إبهار الباحثين بالصور الوردية عن دول المقصد، ما يجعل الهجرة - حتى لو كانت غير نظامية ومنطوية على مخاطر - الوسيلة المثلى، وفقاً لها، لمواجهة ثورة الآمال والتوقعات، خصوصاً لدى الشباب المتعلم الفاقد فرصة عمل في بعض الدول العربية، وتشجيعهم على الرحيل للوصول إلى ما تطلق عليه هذه الشبكات «الفردوس الأوروبي».

أثر المحاكاة

5- نقل نماذج للتحولات الاجتماعية والاقتصادية بعد العودة:

على نحو ما عكسه «فيس بوك»، على سبيل المثال، بالنسبة لبعض القرى التي زاد تدفق الهجرة غير النظامية من جانب شبابها، للتحول من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش. ووفقاً لعدد من الدراسات المكتبية والميدانية، فقد برز ذلك جلياً في أنماط المعيشة داخلها، والتي اتضحت في المحال التجارية التي اشتراها العائدون من أبناء تلك القرى من بعض الدول الأوروبية، فضلاً عن امتلاك المباني الفاخرة والعمارات الشاهقة، وشراء محال الذهب والصرافة وشراء السيارات الفارهة، خلال السنوات الماضية.

وأسهم ذلك في دفع العديد من الشباب الباحث عن عمل إلى محاولة اتباع الأسلوب ذاته، في ما يطلق عليه أثر النفاذية أو الانتشار، وهو ما قامت به وسائل التواصل الاجتماعي، عبر عرض مظاهر التغير في أحوال أفراد وأسر مختلفة. وفي هذا السياق، تعد تحويلات الهجرة غير النظامية أكثر من تحويلات الهجرة النظامية في بعض الأحيان، وهو الاقتصاد الجديد للعمالة المهاجرة New Economics Of Labor Migration.

أدوار مقابلة

خلاصة القول: لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي، أو وسائل الإعلام الجديد، مجرد مواقع للدردشة، بل إن ثمة دوراً لها، بمفهوم المقابلة، في مكافحة الهجرة غير النظامية، وفهم أبعادها، إلى جانب رؤية جمهورها، ومدى ثقته بها، أو درجة اعتماده عليها، على نحو قد يمثل فرصة للأطراف المعنية بمكافحة الهجرة غير الشرعية، لمعرفة العوامل التي تدفع المواطنين، خصوصاً الشباب منهم، إلى الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وإجراء مناقشات إقليمية موسعة لمواجهة العوامل المشتركة التي تدفع إلى تخطي الحواجز الأمنية وتسهيل الهجرة غير النظامية، ورصد مواقع شبكات التهريب، باعتبارها حسابات غير مرغوب فيها مثل المواقع الإرهابية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الشبكات تفتح حسابات جديدة.

فعلى سبيل المثال، أطلقت وزارة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج حملة قومية، تحت شعار: «قبل ما تهاجر.. فكر وشاور»، تعتمد على جميع وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، للكشف عن شبكات الهجرة غير النظامية، وعلاقتها بجماعات الإجرام المنظم، وتنظيمات الإرهاب العابر للحدود. وهنا، يقترح البعض تدشين مراكز للتوثيق الإعلامي، في الدول العربية الأكثر تصديراً للمهاجرين، بحيث تبث برامج تلفزيونية وإذاعية وأفلاماً قصيرة، تقوم المدونات الإلكترونية ومواقع الشبكات الاجتماعية بإعادة نشرها، لمساعدة الشباب على عدم الوقوع في براثن شبكات الجريمة المنظمة، التي تستغل المهاجرين غير النظاميين.

وبالتالي، تركز شبكات التواصل الاجتماعي، التابعة للحكومات أو الأفراد المؤثرين المهتمين بتلك الظاهرة، على نشر الأخبار، أو ما تطلق عليه بعض الاتجاهات «النهايات المأساوية» المتعلقة بالمهاجرين غير النظاميين، مثل الموت أو السجن أو الاستعباد في الوظائف، أو التشرد في الدول المُستقبِلة، أو الاستغلال من قبل الجماعات الإرهابية، مع كشف حقيقة المهربين في ما يخص الاحتيال، والبواخر المهترئة، وسترات النجاة غير المجهزة.


ليست سبباً

لا يمكن القول بأن مواجهة شبكات التواصل الاجتماعي تؤدي إلى القضاء على الهجرة غير النظامية، إذ إن هذه الشبكات ليست سبباً رئيساً في تفاقم معدلات الهجرة غير النظامية، بل تعد عنصراً مساعداً. وهنا، يتعين الوصول إلى المرشحين أو الراغبين في الهجرة بالوسائل نفسها، التي يستخدمها المهربون. ومن ثَمَّ، فإن التحكم الذي تقوم به هذه الدولة أو تلك، في الفضاء الرقمي، لا يقضي على الظاهرة بل يحد منها، وتظل مواجهتها مرهونة بالتعامل مع الدوافع المُحرِّكة لها، في ما يخص عوامل الجذب في دول الاستقبال، وعوامل الطرد في دول الإرسال.

عززت وسائل التواصل الاجتماعي حرية النقاش والحوار، إذ أصبح نشر المعلومات سهلاً، في مساحة غير محدودة، وبلغات مختلفة، وبالصور الثابتة والأشكال المتحركة. وأصبح تلقيها ميسراً، وبكلفة محدودة للغاية، فضلاً عن التواصل المرئي والمكتوب والصوتي، الأمر الذي أدى إلى «وفاة المسافة».

تُسهِّل شبكات التواصل الاجتماعي إعادة إنتاج المحتوى، ونشره على صعيد واسع، بشكل يتعذر بالنسبة للمستخدم تقييم هذا المحتوى ومدى تمييزه، سواء كان خبرًا صحيحًا أو معلومة مغلوطة أو دعاية جاذبة أو تحريضًا ممنهجًا أو غيره.

طباعة