استخدمت مزاعم كاذبة

إدارة بوش «الابن» تلاعبت بنشر المخاوف لتمرير حرب العراق

صورة

يقول خبير الدعاية النازي، هرمان غورينغ: «بصوت أو من دون صوت، فإن الشعب يمكن جذبه، دائماً إلى ما يقوله قادته. وهذا أمر سهل وكل ما يتوجب عليك فعله هو أن تخبرهم بأنهم يتعرضون للهجوم، وأن المنادين بالسلام يفتقرون للوطنية ويعرضون الوطن للخطر. وهذا ينجح في أي دولة بالعالم».

قبل 16 عاماً، وبالتحديد في 19 مارس 2003، بدأت القوات الأميركية هجوماً عسكرياً مضللاً، وغير قانوني، يحمل اسم «الصدمة والخوف» على العراق، وتبدو تكاليف هذا الغزو المهولة، والنتائج التي ترتبت عليه جلية الآن. فقد قتل الآلاف من الجنود الأميركيين، وجنود التحالف، وعانى كثيرون الإصابات المخيفة. وكان العدد الأكبر من الإصابات الأميركية من عائلات فقيرة. وفي الوقت ذاته، قتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين، كما هرب الملايين من بيوتهم. وإضافة إلى كل ذلك يمكن أن نضيف، أيضاً، ظهور تنظيم «داعش» ونموه في العراق. وتبلغ تكاليف الحرب الأميركية في العراق تريليونات عدة من الدولارات، وهو نزيف ضخم للبرامج المحلية المخصصة للفقراء.

دروس مؤلمة

ولانزال - حتى الآن - نستقي دروساً مؤلمة من هذه الحرب المدمرة، وما تلاها من ويلات. ومن بينها كارثة تمثل حالة محزنة لدراسة استخدام أساليب التلاعب بالخوف، التي أطلق عليها اسم جاذب «إنه عالم الخطر»، التي يقوم بها قادة مخادعون يصرون على أن كارثة ما ستقع إذا لم نستجب لتعليمات سياستهم. ولسوء الطالع، فإن ظهور تحذيرات مخيفة من شخصيات مهمة يمكن أن يختصر الطريق أمام تفكيرنا، ويدفعنا نحو التحرك حتى قبل أن نختبر الأدلة، أو ندرس النتائج والبدائل. ومن الناحية النفسية، فإننا نضع أهدافاً سهلة من أجل هذه التكتيكات، نتيجة رغبتنا في تجنب أن نكون في حالة عدم استعداد لمواجهة الخطر، لذلك فإننا غالباً نسارع إلى استحضار الكارثة أمام ناظرينا، وحدوث أسوأ نتيجة ممكنة، بغض النظر عما إذا كان حدوث ذلك غير وارد.

واستغل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش «الابن» تكتيك جاذبية «إنه عالم خطر» طيلة فترة حرب العراق. وبدأت إدارته بمزاعم متكررة، قبل أشهر عدة من الغزو، مفادها أن صدام حسين، الديكتاتور الذي لا يرحم، يمتلك أسلحة دمار شامل.

وفي أغسطس 2002، على سبيل المثال، قال نائب الرئيس، ديك تشيني، خلال مشاركته في المؤتمر الوطني من أجل قدامى الحروب الخارجية، في مدينة ناشفيل: «لا يساورنا أدنى شك في أن صدام حسين يمتلك أسلحة التدمير الشامل. وبلاشك إنه يقوم بتكديس هذه الأسلحة لاستخدامها ضد أصدقائنا، وضد حلفائنا، وضدنا نحن».

وبعد مرور بضعة أشهر، قدم الرئيس بوش «الابن» هذه الصورة المرعبة لجمهوره في ولاية سينسيناتي، حيث قال: «بالنظر إلى أننا ندرك هذه الحقائق، ينبغي على أميركا ألا تتجاهل الخطر الماثل ضدنا. ولكوننا نواجه أدلة واضحة على وجود الخطر، فإننا لا نستطيع الانتظار للحصول على البرهان الأخير، أي دخان المدافع، والذي يمكن أن يكون على شكل سحابة الفطر (التفجير النووي)».

وكان وزير الدفاع في حينها، دونالد رامسفيلد، واضحاً تماماً في ديسمبر 2002، في مؤتمره الصحافي الذي أجراه في وزارة الدفاع، عندما قال: «أي دولة على وجه الأرض تمتلك جهاز مخابرات جيداً، تعرف أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل».

وليست المشكلة في أن كل هذه المزاعم كانت جميعها كاذبة، وإنما كانت فعالة في تأثيرها في الشعب. وكما تمنى البيت الأبيض، فإن تحذيراته وتوقعاته المخيفة نجحت في إقناع معظم الأميركيين بأمرين اثنين، هما: أن ديكتاتور العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن القيام بعمل عسكري استباقي يعتبر مسألة ضرورية. وفي واقع الأمر أدرك بوش، في حينها، أنه فاز على معظم الأميركيين، عندما جلس أمام كاميرات التلفزيون في مكتبه البيضاوي، قبل 16 عاماً، وأعلن أن القوات الأميركية اجتاحت العراق.

كذب واضح

وبعد الغزو، واتضاح كذب وجود أسلحة دمار شامل، غيرت إدارة بوش «الابن» الدفة وبسهولة، إذ إنها واصلت تأجيج مخاوف الشعب، عن طريق ربط الحرب في العراق بقضية أضخم، هي «الحرب على الإرهاب»، وخلال مؤتمر المحامين الوطني للجمعيات الاتحادية في واشنطن العاصمة، قال تشيني «في صباح 11 سبتمبر شاهدنا الإرهابيين يريدون تنفيذ الهجمات. لكن علينا أن نكون جاهزين دائماً كي نوقفهم عند حدهم. وإذا اتخذنا موقفاً دفاعياً وتحركنا كرد فعل، لمواجهة الهجمات ضدنا، فإننا سنجعل البلاد في وضع هش».

وعندما اشتد الجدل بشأن المسار الصحيح للحرب في العراق، حتى في السنة التالية لبدئها، لجأ الرئيس بوش «الابن» إلى جاذبية «إنه عالم خطر» مرة أخرى. وحذر بوش «الابن» من كارثة محدقة على الأمة، حيث قال في بيان عام «إذا لم نتمكن من هزيمة الإرهابيين والمتطرفين في العراق، فإنهم لن يتركونا وشأننا، وسيتبعوننا إلى الولايات المتحدة الأميركية. لهذا فإن هذه الحرب على الإرهاب تتسم بأهمية بالغة». ولم تتوقف تكتيكات نشر الرعب والخوف في قلوب الشعب، بعد خروج بوش «الابن» من السلطة. ففي عام 2010، وخلال خطابه في يوم المحاربين القدامى بمدينة سان لويس، أكد الجنرال جون كيلي، الذي كان، أخيراً، رئيس الأركان في إدارة الرئيس دونالد ترامب: «أعداؤنا متوحشون، وليست لديهم أي رحمة، وهم يركزون في قضية واحدة، هي إما قتلنا جميعاً في وطننا، أو استعبادنا بأحد أشكال التطرف، الذي لا يخدم أي هدف، والذي لا يمكن أن يقبله أي شخص محترم».ويتضح اليوم، بلا أدنى شك، أن العراق لم يكن لديه برنامج أسلحة دمار شامل فعالة. ومع ذلك، فإن الأميركيين، بمن فيهم أكثر من نصف مشاهدي محطة «فوكس نيوز»، يواصلون الاعتقاد خطأ أن مثل هذا البرنامج كان موجوداً في العراق. وأظهر استطلاع للرأي، أجري عام 2011 في الولايات المتحدة، أن نصف الأميركيين يعتقدون أن العراق إما أنه قدم دعماً قوياً إلى «القاعدة»، أو أنه شارك في حوادث 11 سبتمبر الإرهابية. وبالطبع، فإن كلا الزعمين غير صحيح. ويظهر الإصرار على هذه الاعتقادات الكاذبة بقاء قوة التلاعب النفسي، المصممة لاستغلال مخاوفنا.

لكن على الرغم من الدمار الذي أحدثته حرب العراق، علينا ألا نغفل الحقيقة، التي مفادها أنه كان لها نصيبها من الفائزين أيضاً. وإذا نظرنا إلى المديرين التنفيذيين وكبار المستثمرين في شركات، مثل: هاليبرتون، جنرال دينماكس، ولوكهيد مارتن وأكسون موبيل، وشركات أخرى، فإننا نرى أن هذه الشركات حققت أرباحاً مهولة من هذه الحرب، من خلال عقود حصلت عليها دون مناقصة، ومبيعات النفط، وتنظيف البيئة، وإعادة بناء البنية التحتية، وخدمات السجون، والأمن الخاص. وفي الحقيقة، ولدى التحدث مع مقاولي الدفاع في أغسطس 2015، في مناسبة خاصة، قال شقيق الرئيس بوش «الابن»، جيب بوش، الذي فشل في الترشح عن الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية عام 2016: «لقد تحولت عملية إطاحة صدام حسين إلى صفقة رائعة جداً ومربحة».

والأمر المثير للحزن، أن المكائد على أعلى المستويات، والتي أسهمت في تمرير حرب العراق ليست فريدة من نوعها، إذ إن التاريخ يظهر أن تكتيكات نشر المخاوف لطالما كانت أسلوباً يستخدم لحشد الدعم الشعبي، والموافقة على التدخلات العسكرية التي تكون غير مضمونة وبعيدة كل البعد عن الحكمة. وقد حدثت مرات عدة، وستستمر بالحدوث وربما قريباً، ما لم نتعلم جميعنا التعرف والمقاومة ومواجهة هذه الذرائع المزيفة للحرب من أشخاص هم باعة حروب، وينشدون منها الفائدة لأنفسهم وحسب.

روي إيدلسون خبير في علم النفس السياسي


الأميركيون، بمن فيهم أكثر من نصف مشاهدي محطة «فوكس نيوز»، يواصلون الاعتقاد خطأ أن مثل هذا البرنامج كان موجوداً في العراق. وأظهر استطلاع للرأي، أجري عام 2011 في الولايات المتحدة، أن نصف الأميركيين يعتقدون أن العراق إما أنه قدم دعماً قوياً إلى «القاعدة»، أو أنه شارك في حوادث 11 سبتمبر الإرهابية. وبالطبع فإن كلا الزعمين غير صحيح.

طباعة