خيارات أنقرة «محدودة» في ظل تصلب موقف واشنطن من الصفقة الروسية

تركيا تحاول «بصعوبة» الجمع بين «إف-35» و«إس-400»

صورة

لم تسفر المفاوضات التي أجريت بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا بشأن أزمة أسطول مقاتلات «إف-35» عن تحقيق نتائج بارزة، حيث فشل الطرفان فى إبرام صفقة موازية تتخلّى بموجبها أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية مقابل المضي قدماً في تنفيذ التعاقد الخاص بـ«إف-35»، إضافة إلى صواريخ «باتريوت» مخفضة السعر، ولم تفلح المبررات التي تبناها كل طرف في إقناع الآخر بتغيير موقفه، حيث ترى واشنطن أن حصول أنقرة على الصفقة الروسية مؤشر على استمرار السياسة التركية في الابتعاد عن حلف «الناتو» من جهة، والإضرار فنياً بـ«إف-35» في حالة ما إذا امتلكتها تركيا إلى جانب حصولها على «إس-400» من جهة أخرى، في إطار غياب ضمانات بعدم تسريب التفاصيل الفنية للمقاتلة إلى روسيا على نحو يفقدها ميزاتها النسبية كـ«مقاتلة شبحية»، لا سيما في ظل اتساع نطاق الخلافات الروسية - الأميركية، التي فرضتها السياسات العسكرية الروسية تجاه أوروبا والتباين في التعامل مع بعض الملفات الأخرى، وهو ما ينقل التوتر في العلاقات الثنائية الأميركية - التركية إلى مستوى آخر أكثر تعقيداً يتعلق بالسياسات الدفاعية المتعارضة للأطراف المختلفة.

مأزق البدائل

وفقاً لما أعلنه القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي باتريك شاناهان، بعد خمس جولات من المفاوضات مع تركيا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وضعت الولايات المتحدة الأخيرة أمام سيناريو وحيد يقضي إما بالقبول بكل الصفقة أو التخلي عنها كلياً، دون أن تترك لها خيارات بديلة، الأمر الذي يفرض مأزقاً حرجاً أمام تركيا، لا سيما في ظل تنسيقها المستمر مع روسيا في سورية. ولذا فإن التصريحات التركية تؤكد أن الحصول على المنظومة ضرورة وليس خياراً على حد قول وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو. كما أن تضحية أنقرة بأسطول المقاتلات «إف-35» المكون من 100 طائرة تُشكل خسارة فادحة يصعب تعويضها، خصوصاً مع إضافة منظومة «باتريوت» إليها.

ويعتقد أن مأزق البدائل على هذا النحو سيفرض في حالة وصول الطرفين إلى طريق مسدود خسائر أكثر على المدى الطويل لا تتوقف على حجم وأهمية الصفقة، بل ستكون لها آثار أوسع من ذلك بكثير على الجانبين التركي والأميركي.

ففي حالة ما إذا اتجهت الولايات المتحدة إلى تجميد الصفقة، فإن مصالحها سوف تتضرر جراء هذا القرار على أكثر من مستوى، أشارت إليه العديد من التقديرات والتصريحات الأميركية. فعلى سبيل المثال، كان وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس قد أشار، في خطاب إلى الكونغرس الذي كان بصدد فرض عقوبات على تركيا، في 20 يوليو 2018، إلى أن هناك ضرراً سيلحق بالصناعة العسكرية وتنفيذ التعاقدات، حيث تشارك تركيا، من بين ثماني دول أخرى في حلف «الناتو»، في صناعة وتطوير الطائرة منذ عام 1999، إذ تقوم شركة ATI التركية بتصنيع الجزء الأوسط من جسم المقاتلة، وهو ما سوف يتسبب في تأخير مواعيد تسليم التعاقدات الخاصة بالطائرة لفترة قد تزيد على العام ونصف العام. فضلاً عن أنه كان من المقرر أن تكون تركيا هي مركز صيانة المقاتلة الرئيس، إلى جانب أن هناك أزمة أخرى تتعلق بوضع القسم الأميركي من قاعدة انجيرليك التركية التي تشكل مركزاً حيوياً للتحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

أمّا بالنسبة لتركيا، فمن المتصور أيضاً أن هناك خسائر مادية ستتعرض لها الصناعة العسكرية التركية المساهمة في المشروع قدرتها تقارير أميركية بنحو 12 مليار دولار، إضافة إلى أن هناك نحو 10 شركات تركية ستتضرر نتيجة سحب عقود الصيانة الخاصة بالمقاتلة. كما أن تركيا لن تستطيع تعويض المقاتلة من خلال بديل آخر.

انعكاسات غير مباشرة

واللافت في هذا السياق، أن التعقيدات الراهنة في الأزمة التركية - الأميركية تتجاوز الخسائر الاقتصادية، وتمتد إلى الخسائر والمميزات العسكرية الدفاعية واللوجستية لكل منهما، وربما تتسبب نتائج هذه الأزمة في إعادة تشكيل جانب من محاور التحالفات الجيوستراتيجية في أوروبا والشرق الأوسط، حيث كانت تركيا قريبة من سياسات الدول الغربية، إلا أن أزمة الانضمام للاتحاد الأوروبي إلى جانب محصلة مكاسبها في الصراع السوري، خصوصاً ما يتعلق بالملف الكردي، يجعلها تميل إلى روسيا التي تحاول بدورها الحصول على مكاسب عدة من التنسيق مع الأخيرة، خصوصاً في ما يتصل باستقطاب حليف مهم للولايات المتحدة و«الناتو»، فضلاً عن المكاسب اللوجستية المتعلقة بحرية المرور في مضيق البوسفور. فيما توازن أنقرة بين هذه المكاسب وعوائد العلاقات مع الولايات المتحدة التي تبدو أقل حسب رؤيتها. كما أنها تعتبر أن حصولها على المقاتلة الأميركية هو «استحقاق» وليس «منحة»، وفقاً لاتجاهات عدة في أنقرة، على نحو دفع بعض المسؤولين الأميركيين إلى توجيه انتقادات مستمرة للسياسة التي تتبناها الأخيرة.

محاولات التسوية

لكن رغم التصعيد المتبادل على الجانبين، إلا أن المحاولات لاتزال قائمة لاحتواء الأزمة، فقد أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في 15 مارس الجاري، أن هناك محاولة تركية للبحث عن طرق فنية للجمع بين المنظومة والمقاتلة، وبالتالي توفير مسعى لتقديم ضمانات تركية لاحتواء المخاوف الأميركية من تسرب المعلومات الفنية الخاصة بالمقاتلة، وهو أمر وإن كان مرفوضاً من جانب واشنطن، إلا أنه يظل مؤشراً على أن احتمال تسوية الخلاف لا يمكن استبعاده.

وفي مقابل ذلك، صرح القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي باتريك شاناهان، عقب آخر لقاء جمعه بأكار، في اليوم نفسه، بأن واشنطن معنية بدورها بإيجاد حل، معتبراً أن حصول تركيا على المقاتلة «إف-35» مكسب استراتيجي مهم لقواتها المسلحة.


التعقيدات الراهنة في الأزمة التركية - الأميركية تتجاوز الخسائر الاقتصادية وتمتد إلى الخسائر والمميزات العسكرية الدفاعية واللوجستية لكل منهما، وربما تتسبب نتائج هذه الأزمة في إعادة تشكيل جانب من محاور التحالفات الجيوستراتيجية في أوروبا والشرق الأوسط.

شد وجذب

يعتقد أن حالة الشد والجذب بين واشنطن وأنقرة تعبر عن مستوى تأزم العلاقات بين الطرفين، ومحاولة كل منهما تعزيز فرصه في الحصول على أكبر قدر من المكاسب في إطار تطويع العلاقات على الجانبين، خصوصاً في ظل إدراكهما أن استغناء كل منهما عن الآخر يبقى خياراً صعباً، نظراً لمستوى التشابكات بينهما والمصالح المتبادلة خصوصاً العسكرية والأمنية.

طباعة