الأولى على أعتاب انتخابات.. والثانية تعاني أزمة اقتصادية

الهند وباكستان «تقامران» بالانجرار إلى صراع نووي مدمّر

صورة

فيما أوقفت الهند وباكستان القصف المتبادل، فإن الأسباب الكامنة وراء التوترات عبر الحدود لن تختفي في أي وقت قريب. البلدان مدجّجان بأسلحة نووية ولديهما قوات تقليدية كبيرة شهدت أربع حروب خطيرة منذ عام 1947؛ وتشوبهما كراهية ثقافية ودينية هائلة. هذه وصفة لكارثة، ومع ذلك فإن المواجهة تحلق بعيداً عن الرادار الدولي؛ أقل بكثير من كوريا الشمالية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والمواجهات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وإيران، وحتى «السترات الصفراء» في فرنسا.

حرب شاملة محتملة

عندما كُنت قائد قوات حلف شمال الأطلسي، كانت مهمة الحلف الأهم هي التعامل مع الإرهاب في أفغانستان. لسوء الحظ، استمر شركاؤنا الباكستانيون في دعم العديد من العناصر المتطرفة لحركة «طالبان». كانوا يخافون من التأثير الهندي الزاحف، ويفضلون كثيراً بلداً تهيمن عليه حركة «طالبان» بدلاً من حكومة أفغانية مستقلة أكثر ميلاً إلى الغرب.

لقد تعاملت في الغالب مع رئيس هيئة الأركان في الجيش الباكستاني، الجنرال أشفق كياني، الذي يمكن القول إنه أقوى من رئيس الوزراء. وكثيراً ما جاء إلى مقر الحلف في بروكسل لإطلاع القيادة العسكرية المشتركة للتحالف على التهديد الرئيس الذي واجهته باكستان منذ سنوات عدة (الإرهاب الداخلي). ومع ذلك، كان القلق الذي يساور الجيش الباكستاني دوماً هو الهند.

وكانت الأزمة الأخيرة قد بدأت في منتصف فبراير عندما قامت جماعة مسلحة باكستانية، تدعى «جيش محمد»، بتفجير انتحاري في الشطر الهندي من كشمير، ما أسفر عن مقتل 40 جندياً. كان هذا أكثر الهجمات دموية على قوات الأمن منذ أن بدأ التمرد قبل عقود. وبينما نفت حكومة إسلام آباد تورطها في التفجير، تعتقد نيودلهي أنها كانت على علم بالحادث، ولذلك ردت بغارات جوية كبيرة على باكستان. أُسقطت طائرتان مقاتلتان هنديتان ووقع طيار في الأسر. كان هناك صدى لا لبس فيه لصراعات عامي 1947 و1965، التي مات فيها عشرات الآلاف.

تلاشي وقف إطلاق النار

وقف إطلاق النار الهش للغاية، منذ عقدين، يتلاشى؛ وجزء من هذا هو نتيجة السياسة الداخلية في الهند: رئيس الوزراء نارندرا مودي، المنتخب بأجندة هندوسية قومية، سيعاد انتخابه في أبريل. السلوك الهندي نادر، بالنظر إلى أن القوات المسلحة الهندية لم تعبر ما يسمى بخط السيطرة بين البلدين، منذ عام 1971. أخبرني نائب قائد الطيران الهندي السابق مارشال أرجون سوبرامانيان، وهو الآن أستاذ في جامعة «تافتس»، «على المستوى الاستراتيجي، تشير الضربات إلى عزم شديد من جانب حكومة مودي على رفع مستوى الاستجابة في أعقاب هجوم مؤكد من ملاذات في باكستان».

القلق النووي

والأكثر مدعاة للقلق بالطبع هو الترسانات النووية المهمة للمتناحرين. يمتلك كل واحد منهما نحو 150 صاروخاً، على الرغم من أن الهند فقط تمتلك قدرة صاروخية ذاتية الدفع على الغواصات، وبالتالي ثلاثي نووي حقيقي (براً وجواً وبحراً). تقوم باكستان بتطوير صواريخ كروز تطلق من البحر لمواجهة هذا التهديد الهندي. لقد تبنت الهند مبدأ«عدم الاستخدام الأول»، على الرغم من أن باكستان، التي لديها قوات تقليدية أصغر وبالتالي قد تكون بحاجة إلى عقيدة أكثر غموضاً، لم تقدم تعهداً مماثلاً. ومن المفارقات حقيقة، أن كلا الجانبين يريد تجنب صراع نووي قد يحول دون حدوث تصعيد بالأسلحة التقليدية خلال الأزمات الأخيرة.

خلال الصراعات السابقة، لعبت الولايات المتحدة دوراً في الوساطة. لكن باكستان اليوم أكثر ميلاً للعمل مع الصين. وتتمتع الهند بعلاقات قوية مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، ولكن من غير المحتمل أن تتحول إلى أي منهما، حتى لا تبدو معلقة بأي «دولة عظيمة» أخرى. وهذا يتناسب مع ميل إدارة ترامب إلى السماح للدول بأن تحل مشكلاتها بنفسها. بخلاف تعليق المستشار القانوني للأمن القومي، جون بولتون، على أن الولايات المتحدة تدعم حق الهند في الدفاع عن نفسها، تظل الإدارة على الهامش. ومما يعقد الصورة أن واشنطن تحاول تجنيد باكستان لإنهاء الحرب الطويلة في أفغانستان من خلال كبح حركة «طالبان».

التراجع عن التصعيد

ما تستطيع الولايات المتحدة القيام به بشكل أكثر فاعلية هو تشجيع الجانبين بهدوء على التراجع عن التصعيد؛ وهو ما فعله رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، بإطلاق الطيار الهندي الذي تم القبض عليه دون أن يصاب بأذى. يجب علينا أيضاً أن نقدم دعمنا الاستخباراتي لكل من الهند وباكستان بحيث تستطيعان التعامل مع الجماعات الإرهابية التي تعمل من الأراضي الباكستانية، بما في ذلك «جيش محمد» وجماعة «عسكر طيبة»، الأكثر فتكاً. يمكن أن تشجع أميركا، أيضاً، الوساطة الأخرى من قبل الحلفاء والمنظمات الدولية، خصوصاً السعودية، التي كان لها تأثير كبير في إطلاق سراح الطيار الهندي.

وكما أشار سفير باكستان السابق لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، أخيراً، فإن باكستان على حافة أزمة اقتصادية. في حين حاولت حكومة خان تخفيف الأزمة، جزئياً، من خلال طلب مساعدة صندوق النقد الدولي، فإن الضغوط الداخلية تتزايد.

لا تخطئوا.. مع أزمة باكستان الاقتصادية والانتخابات المقبلة في الهند، فإن جنوب آسيا في وضع يمكن فيه أن يكون هناك خطأ حقيقي في الحسابات العسكرية، وربما حتى النووية.

جيمس ستافريديس: قائد سابق للحلف الأطلسي  في أوروبا

- خلال الصراعات السابقة، لعبت الولايات المتحدة

دوراً في الوساطة. لكن باكستان اليوم أكثر ميلاً

للعمل مع الصين. وتتمتع الهند بعلاقات قوية

مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، ولكن

من غير المحتمل أن تتحول إلى أي منهما، حتى

لا تبدو معلقة بأي «دولة عظمى» أخرى.

طباعة