بعضهم يؤيّدها لمواجهة التهويد.. وآخرون يعتبرونها تطبيعاً في ظل خضوع القدس للسيطرة الإسرائيلية

مقدسيون: زيارات العرب دعم كبير.. والاستثمار أفضل شكل لتعزيز الصمود

صورة

تتعرّض مدينة القدس وبلداتها ومقدّساتها، لهجمة شرسة متصاعدة تنفّذها إسرائيل بشكل غير مسبوق، والمتمثلة في المشروعات التهويدية، والمخططات الاستيطانية، والظروف الاقتصادية المتدهورة، الناتجة عن إجراءاتها المشددة ضد الفلسطينيين كافة، وما يرافقها من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وبفعل تلك الإجراءات يعيش أهالي القدس مآسي ممتدة ومتشعبة، تطال مجالات الحياة كافة، فيواجهون أزمة السكن المتمثلة بعدم منحهم تراخيص بناء من قبل السلطات الإسرائيلية، لتضاف إليها سياسة هدم المنازل، وتمتد الأزمات لتطال التجار، وإغلاق المحال التجارية، وفرض عشرات أشكال الضرائب ذات المبالغ الباهظة، إلى جانب إغلاق المؤسسات التعليمية والصحية، وعزل الآلاف خلف الجدار العازل، والمعاناة المستمرة على المعابر والحواجز العسكرية.

إزالة الهوية العربية

تلك المخططات تهدف إلى إزالة الهوية العربية والإسلامية عن معالم القدس، وتهجير الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم، وجعل كل ما في المدينة المقدسة يهودياً بامتياز.

وفي الوقت ذاته، فإن تلك المآسي، وفقاً لشخصيات مقدسية التقتها «الإمارات اليوم»، تحتاج إلى وقفة عربية لمواجهتها، مؤكدين أن حدتها ستخف، وتحل محلها أجواء من الطمأنينة، مع بدء زيارة الوفود العربية إلى مدينة القدس، وبلدتها، ومعالمها الإسلامية والمسيحية، مشددين على ضرورة استمرار، وزيادة، الدعم العربي لأهالي القدس مادياً ومعنوياً، للاستمرار في معركة الصمود، ومواصلة الحياة، والتغلب على كل الإجراءات التي تواجههم يومياً.

معاناة التجار

أمين سر الغرفة التجارية في القدس، حجازي الرشق، يصف أزمة الضرائب التي يواجهها أصحاب المحال التجارية في الأسواق المقدسية بسيف مسلط على رقاب التجار المقدسيين، إذ تدهم محالّهم فرق تفتيشية من ضريبة الدخل الإسرائيلية بمرافقة القوات الخاصة، وتقوم بتحرير المخالفات الباهظة بحقهم، وفرض ضرائب جديدة على أصحابها للتضييق عليهم وزيادة الضغط عليهم بشكل أكبر.

ويقول الرشق: «إن التجار المقدسيين يقدمون كشوفات ضريبية ومحاسبية، ويقومون بتعبئة الحسابات التجارية تحت إشراف محاسبين قانونيين، إلا أن موظفي الضريبة الإسرائيليين لا يعترفون بها ولا بأرقامها، ويأتي تقديرهم الضريبي حسب مزاج الفرق الضريبية، أو مزاج موظف الضريبة في المكاتب الرئيسة، ما يثقل كاهل التجار المقدسيين بالضرائب التي تفوق في كثير من الأحيان حجم أرباحهم في ظل ركود أسواق القدس الناتج عن الإجراءات الإسرائيلية، ويتسبب في ارتفاع أعداد المتاجر المغلقة، التي بلغت 342 محلاً مغلقاً في أسواق البلدة القديمة.

من جهته، يشير مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، زياد حموري، إلى أن إسرائيل تجبر تجار القدس على دفع ستة أنواع من الضرائب، وهي الأرنونا أو ضريبة المسقفات التي تطال المواطنين والتجار معاً، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة الدخل، ورسوم التأمين الوطني، وضريبة الرواتب، وضريبة الترخيص.

ويلفت إلى أن معظم التجار يعجزون عن دفع هذه الضرائب بسبب تراجع أعمالهم التجارية، ويضطر كثيرون منهم إلى الاستدانة، حيث أن 70% منهم مدينون لبلدية إسرائيل في القدس بفعل تلك الضرائب.

ويقول حموري، في الوقت الذي تفرض فيه السلطات الإسرائيلية تلك الضرائب الباهظة، تقدم حوافز سخية لهم، لبيع محالهم إذا لم يستطيعوا دفع الضرائب، حيث تستخدم إسرائيل تلك الضرائب كأداة لمصادرة الممتلكات الفلسطينية، وبسط السيطرة اليهودية على البلدة القديمة واستعمارها.

ويوضح أن إسرائيل تهدف من تلك الإجراءات إلى إجبار المقدسيين على ترك متاجرهم، وإفراغ القدس من حركتها التجارية العربية، مشيراً إلى أن حملة الضرائب الكبيرة تُحدث شللاً كاملاً للحركة التجارية المتدهورة أصلاً في القدس.

وبلغت معدلات الفقر في أوساط المقدسيين 84%، فيما وصلت معدلات البطالة إلى ما نسبته 17%، بحسب مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

زيارات تُعيد التفاؤل

وفي سياق متصل، يؤكد أمين سر الغرفة التجارية في القدس، حجازي الرشق، أهمية توافد العرب إلى مدينة القدس، ودعم تجارها، لإعادة الحركة والنشاط إلى الأسواق التجارية التي تعد عصب الحياة لمدينة القدس والأهالي.

ويقول الرشق: «إن التاجر عندما يشاهد الوفود العربية تتجول بين أزقة وأسواق القدس، سيشعر بالطمأنينة والأمان، لأن مجرد وصول العرب والاقتراب من أهالي القدس بكل شرائحهم يعد أكبر دعم ممكن أن يتلقاه كل مقدسي».

ويشدد على ضرورة مواصلة الدعم العربي للمقدسيين والتجار، حتى تعود شرايين الحياة تتدفق من جديد إلى الأسواق والمحال التجارية، بعد حالة الشلل التي تصيبها، جراء الإجراءات الإسرائيلية المستمرة، مضيفاً «إن عودة الحياة إلى المحال التجارية، وتسديد التجار الالتزامات المنوطة بهم جراء تراكم الضرائب، مرتبطان بوجود حركة تجارية نشطة، وهذا ما سيكفله توافد العرب، وتقديم الدعم المعنوي والمادي الكامل لدعم صمود أهالي القدس».

أهمية التمويل العربي

من جانبه، يؤكد سفير منظمة التعاون الإسلامي في القدس، أحمد الرويضي، وجود دعم مستمر من قبل المؤسسات والصناديق العربية للقدس وأهاليها، مشدداً على ضرورة تقديم المزيد من الدعم، وتنفيذ مشروعات تنموية متعددة، لصد الهجمة الشرسة الكبيرة التي تنفذها إسرائيل في المدينة المقدسة.

ويشير إلى أن المقدسيين يثمنون الدعم الذي تقدمه المؤسسات العربية لمدينة القدس، ويعلمون أهمية هذا الدعم في تثبيت صمودهم.

ويقول سفير منظمة التعاون الإسلامي: «إن الدعم العربي مقارنة بما تنفقه إسرائيل من مليارات وترصده من موازنات ضخمة من أجل تهويد المدينة في مختلف المجالات، يحتاج إلى تصاعد، لأن الامكانات الذاتية للمقدسيين ضعيفة ولا تكفي، والمسؤولية كبيرة على الجهاز الرسمي الفلسطيني، وعلى المجتمعين العربي والإسلامي تجاه مدينة القدس».

دعم الإسكان والقطاعات الخدماتية

وتحدّث الرويضي عن الدعم العربي والإسلامي المقدم من قبل هيئة الصناديق العربية والإسلامية في مجلس الوزراء الفلسطيني، بالتنسيق مع مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس، حيث تقدم الدعم الأوسع لأهالي القدس، الذي يتركز على قطاع الإسكان وترميم المنازل والقطاعين الصحي والتعليمي.

وبحسب الرويضي، يوجد صندوق آخر يتبع منظمة التعاون الإسلامي، وهو صندوق التضامن الإسلامي، الذي وقع اتفاقات تمويلية مع مؤسسات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي القدس خصوصاً، مخصصة لدعم المجتمع المدني الذي يقوم بتقديم خدمات تحافظ على ثبات المواطنين في مدينة القدس.

تأييد ومعارضة

في الوقت الذي يشجع فيه سكان وتجار القدس على تكثيف الدعم العربي وزيارات الوفود لها، لدعم صمودهم، وتثبيت وجودهم في وجه الإجراءات الإسرائيلية وإجراءات التهويد، ثمة اختلاف في الرأي بين الأوساط الفلسطينية حول زيارة العرب مدينة القدس، وهي تحت عهدة وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تثير جدلاً بين مؤيديها ومعارضيها.

فالمعارضون يرون أن زيارة العرب إلى القدس، الخاضعة هي وأهلها تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، تعد تطبيعاً معه، لأن إسرائيل هي من تصدر الموافقة لدخول المدينة المقدسة، وذلك بحسب الناشط المقدسي فخري أبودياب.

ويقول أبودياب لـ«الإمارات اليوم»: «إن تلك الزيارات لا تدعم القدس ولا سكانها، بل تدعم إسرائيل اقتصادياً، وتشرّع وجودها ومكانتها أمام المجتمع الدولي، فمن واقع معايشتي المباشرة فإن وفود العرب والمسلمين لا يقضون أكثر من يومين في أحسن الحالات لزيارة المسجد الأقصى، ومرافق القدس التاريخية والحضارية، ما يجعل الاستفادة من أموالهم المنفقة لأغراض التسوق من القدس قليلة».

ويضيف أن «الأدلاء السياحيين الإسرائيليين، يحرّضون السياح على عدم الشراء من الأسواق العربية في المدينة المقدسة، وبذلك يبقى اقتصاد القدس يراوح مكانه».

ويشدد الناشط المقدسي على ضرورة إيجاد سبل داعمة للقدس وسكانها، بعيداً عن الزيارات التي ترعاها شركات السياحة الإسرائيلية، مقترحاً استمرار تمويل المعارض التجارية لتسويق المنتجات والبضائع المقدسية، الأمر الذي يمثل عائداً للتجار، في ظل الإجراءات التي يتعرضون لها.

من جهته، يشير مدير الغرفة التجارية الصناعية العربية بالقدس، فادي الهدمي، إلى أن تحقيق الفائدة الاقتصادية للقدس تكون من خلال الاستثمار العربي فيها أكثر من الزيارات، بما يوجد حالة من التنافسية مع الخدمات التي تقدمها المرافق والحوانيت اليهودية في القدس الغربية للسيّاح الوافدين إليها.

ويقول الهدمي: «إن فرص الاستثمار بالمدينة المقدسة كبيرة، خصوصاً في ظل واقعها الحضاري والتاريخي، وهذه الاستثمارات من شأنها تحقيق حالة من الإنعاش الاقتصادي للمدينة».


إسرائيل تُجبر تجار القدس على دفع ستة أنواع من الضرائب، وهي الأرنونا أو ضريبة المسقفات التي تطال المواطنين والتجار معاً، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة الدخل، ورسوم التأمين الوطني، وضريبة الرواتب، وضريبة الترخيص.

342

محلاً أغلقت أبوابها بسبب ارتفاع الضرائب وتعددها في أسواق البلدة القديمة.

طباعة