لأنها لم تعد المانح الرئيس له

الولايات المتحدة لا تستحق رئاسة البنك الدولي

الأميركيون بحاجة إلى الاحتفاظ برئاسة البنك الدولي لأنه يمنحهم القوة والنفوذ. غيتي

خلال وجوده في السلطة قام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتعيين شخص متشكك في فكرة تغير المناخ، ويعد واحداً من أهم العاملين في مجموعات الضغط من أجل الترويج للطاقة، رئيساً لوكالة حماية البيئة، وآخر يتربح من مصادرة ممتلكات المتعثرين في سداد قروضهم في منصب وزير الخزانة، وثالث يُعرف عنه بأنه يدفع رواتب قليلة للعاملين لديه في وزارة العمل، وآخر اشتهر بانتقاده للمدارس العامة في منصب وزارة التعليم.

وكان وزير الطاقة لدى ترامب قال ذات مرة إنه يعتقد بأن هذه الوزارة يجب إلغاؤها، كما أن الرجل الذي عمل لدى ترامب رئيساً لمكتب حماية المستهلك المالي، قال إنه يعتقد بأنه ليس هناك أي حاجة لوجود مثل هذا المكتب.

ولكن المفاجأة لم تكن كبيرة، الأسبوع الماضي، عندما وضع ترامب ثعلباً محتملاً في قن الدجاج، إذ عيّن الموظف في وزارة الخزانة الاميركية ديفيد مالباس بمنصب رئيس البنك الدولي. وهذا الرجل خبير اقتصادي سابق من وول ستريت، وكان قد وجه انتقادات إلى مؤسسات مثل البنك الدولي واعتبره «متطفلاً»، وقال إنه يعتقد بأن الاتفاقات التعددية «ازدادت أكثر من اللازم، إلى درجة أنها أضرت بنمو الولايات المتحدة والنمو العالمي بصورة عامة»، وحتى الآن ليست هناك رغبة كبيرة من الدول الأجنبية أو مجلس إدارة البنك لرفض هذا التعيين.

اتفاق شرف

وثمة اتفاق شرف يرجع إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية يقضي بأن تختار الولايات المتحدة رئاسة البنك الدولي، في حين تختار أوروبا رئاسة صندوق النقد الدولي. وكانت هذه الترتيبات تبدو جيدة في البداية، ففي مرحلة الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تريد المساعدة على تشجيع التنمية الرأسمالية في الدول الفقيرة، وقدمت غالبية التمويل للبنك الدولي من أجل تحقيق ذلك.

ولكن اتفاق الشرف لم يعد مبرراً، إذ إن واشنطن وإن كانت أحد الممولين الرئيسين للبنك الدولي، إلا أنها ليست الممول الأكبر له، ولذلك فإنها تسبب الضرر للبنك عندما تجعل إدارته مقتصرة على الأميركيين. وطالبت العديد من الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل أن يكون لها رأي في عملية البحث وإدارة المؤسسة المالية الدولية، مؤكدين أن التركيبة الإدارية الحالية قد عفى عليها الزمن.

رافعة

ولكن الديمقراطيين والجمهوريين في واشنطن متّحدون معاً في رغبتهم لإبقاء الأمور كما هي الآن، إذ إن رئاسة البنك الدولي بالنسبة لهم تمثل رافعة مهمة لفرض نفوذ أميركا في العالم وخير وسيلة لضمان استمرارية تدفق الدولار الأميركي إلى البنك. وقال دانييل راني، من مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية «الأميركيون بحاجة إلى الاحتفاظ برئاسة البنك الدولي، لأنه يمنحهم القوة والنفوذ»، وأضاف: «إنه يعمل ضمن نظام دولي كبير للسلطة موزعة على أطراف محددة»، وكان يشير إلى سيطرة الأوروبيين على صندوق النقد الدولي، واليابان على بنك التنمية الآسيوي.

وربما يكون ذلك صحيحاً، ولكنها ليست حجة مالباس في شغله المنصب. وعند مقارنة خبرات هذا الرجل مع وزيرة المالية السابقة النيجيرية نغوزي أوكونجو لويلا، التي عملت مديرة تنفيذية في البنك الدولي لفترة طويلة، وبذلت جهوداً كي تتقلد منصب إدارة البنك خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فإن مالباس بخلاف نغوزي، أو أي مرشح معقول آخر، ليس خبيراً في التنمية، كما أنه لم يعمل أصلاً في إدارة مؤسسة مالية دولية، ولا يمتلك أية علاقات مع الدول الفقيرة، حيث ينفذ البنك معظم أعماله. وتمثلت كل إنجازاته في أنه كان كبير الاقتصاديين في بنك «بير ستيرنز» للاستثمار الذي فشل عام 2008 تحت وطأة قروض الرهن العقاري.

ولا يمثل مالباس رؤية سياسة قوية أو مطمئنة بالنسبة لهذه المؤسسة التي تعتبر الأكثر أهمية في العالم في مكافحة الفقر. وقال مالباس مطمئناً الصحافيين، الأسبوع الماضي، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال: «أنا أهتم وبعمق بشأن مهمة البنك والقضاء على الفقر وإيجاد التنمية، وأنا متأكد من أن البنك الدولي يستطيع تحقيق النجاح»، ولكن خلال شهادته أمام الكونغرس قال مالباس إن المؤسسات الشبيهة بالبنك الدولي «غير فعالة» و«غالباً ما تكون فاسدة في ممارسات الإقراض، وهي لا تقدم الفائدة للأشخاص المستحقين فعلاً في الدول المقترضة»، وحاجج بأنه ينبغي تقليص عمليات البنك، وهو يتطلع إلى جعل البنك يقلص أعماله إلى أدنى حد.

وبناءً عليه، وجّه خبراء التنمية والاقتصاديون في العالم انتقادات لاذعة لاختيار مالباس في هذا المنصب، وقال سكوت موريس من مركز التنمية العالمية الذي مقره في واشنطن: «بصراحة اعتبر مالباس خياراً سيئاً، إذ إن لديه سجلاً حافلاً، سواء من خلال وجهات النظر التي عبر عنها أو عن السياسة باعتباره كان نائب وزير الخزانة، الأمر الذي يبدو معادياً للطموح في البنك الدولي».

ولكن أعضاء مجلس إدارة البنك والمسؤولين الأجانب فيه حافظوا على صمتهم، ويبدو أن تعيين مالباس جارٍ دون منغصات. ويرجع ذلك إلى السياسة الواقعية، إذ إن الأوروبيين واليابانيين والصينيين جميعهم منخرطون في المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، ويرغبون في تجنب أي تحريض أو ردة فعل من ترامب عن طريق انتزاع السيطرة على البنك الدولي من البيت الأبيض. وقال موريس: «الأشخاص الذين يجلسون في وزارات المالية الأوروبية، يبذلون قصارى جهدهم لعدم معارضة البيت الأبيض بأي شيء، لأن كل ما يهمهم هو صندوق النقد الدولي».

وأما في داخل البنك الدولي فإن ثمة غضباً كبيراً ليس على إدارة ترامب، وإنما على جيم يونغ كيم، وهو الرجل الذي عينه أوباما، والذي استقال بصورة مفاجئة وغير متوقعة هذا الشتاء، تاركاً مكانه شاغراً للرئيس ترامب كي يقوم بملئه على هواه. وفي الحقيقة، كانت هناك ضغوط كبيرة على إدارة أوباما، لأنها سمحت لشخص غير أميركي بقيادة البنك، إذ كانت هناك توقعات عالية من هذه الإدارة، إضافة إلى الشعور بأن إدارة أوباما لن تنتقم من الدول التي ضغطت لإحداث تغييرات في البنك الدولي.

وفي واقع الأمر يجب أن تحدث هذه التغييرات، إذ إن الولايات المتحدة لم تعد هي المانح الرئيس للبنك، كما أن البنك لم يعد أولوية أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة مما هي للدول الأخرى التي تقدم القروض والنصائح. وباتت السيطرة الأميركية على البنك تقليداً غير مبرر، من شأنه أن يسبب الضرر لهذه المؤسسة المالية. وسيكون تقرير المصير واختيار القيادة وفق الجدارة مسألة جيدة للبنك، والعالم أجمع. ويبدو أن إدارة ترامب غير معنية بأي تغيير في البنك الدولي، ولكن ذلك يرجع إلى العالم الذي ينبغي أن يواصل الضغط لتحقيق ذلك عندما تنتهي سنوات عمل مالباس.


رئاسة البنك الدولي بالنسبة للديمقراطيين والجمهوريين تمثل رافعة مهمة لفرض نفوذ أميركا في العالم، وخير وسيلة لضمان استمرارية تدفق الدولار الأميركي إلى البنك.

طباعة