إذا تدخلت أميركا عسكرياً

فنزويلا مهدّدة بأن تصبح سورية أخرى

صورة

وسط تجاهل واستخفاف للقانون الدولي لجأت الدول الغربية إلى تدخّل مفضوح في الشؤون الداخلية لفنزويلا. ولم تترك هذه الدول أي شك في أنها تدعو إلى ضربها. وفي غضون دقائق قليلة من إعلان زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه بأنه الرئيس المؤقت لفنزويلا، اعترفت أميركا به، وتلتها كندا، ومن ثم المملكة المتحدة، وفرنسا، وبعد ذلك الحكومات اليمينية في أميركا الجنوبية، التي في واقع الأمر هي مجرد دمى للدول الغربية الإمبريالية. ولكن روسيا والصين وتركيا وكوبا وبوليفيا والمكسيك، عارضت تدخل الدول الغربية في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، لأن ذلك يرقى إلى انتهاك القانون الدولي، وعمدت هذه الدول إلى دعم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال ادانته بأشد العبارات تصرفات الدول الغربية، من العواقب الوخيمة للتدخل في شؤون فنزويلا. وحذر الرئيس السابق للإكوادور رافائيل كوريا، من قيام الولايات المتحدة بدعم إجراءات عسكرية ضد فنزويلا، إذ إن مثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية.

تاريخ من فرض الإرادة

وتتسم الولايات المتحدة والدول الغربية بتاريخ طويل في فرض إرادتها بشكل قسري على الآخرين. ولطالما اعتبرت الولايات المتحدة دول أميركا اللاتينية الباحة الخلفية لها، حيث تستطيع أن تفعل بها ما تشاء. ولم تكن دول أميركا اللاتينية، باستثناء كوبا، مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة خلال العقدين الأخيرين. واستغلت أميركا الموارد الطبيعية لمصلحتها وليس لمصلحة شعوب هذه الدول. وكلما وقع صراع بين هاتين المصلحتين، لم تتردد أميركا في استخدام القوة. وعلى سبيل المثال، حاول الدكتور سلفادور الليندي الرئيس الماركسي المنتخب لتشيلي، استخدام موارد الدولة لمصلحة شعبها، ولكن أميركا لم تتردد في الحال من التخلص من الرجل عن طريق تدبير انقلاب نفذه الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973. وبدأت الولايات المتحدة منذ عام 1975 عملية أطلقت عليها اسم «كوندور» عمدت من خلالها إلى تصفية ممنهجة للقوى اليسارية في دول أميركا اللاتينية، وتعزيز الأنظمة الدكتاتورية اليمينية.

حاولت أميركا، مراراً وتكراراً، التخلص من الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، الذي حكم بلاده خلال الفترة ما بين 1999 و2013. واستمر شافيز في تحسين حياة شعبه مستغلاً العوائد النفطية. وتعتبر فنزويلا إحدى أكثر دول العالم إنتاجاً للنفط. وبعد وفاته متأثراً بمرض السرطان، تسلم السلطة مكانه الرئيس مادورو رئيساً لفنزويلا. وحاولت أميركا التخلص منه أيضاً. ولكن مادورو كان ينجو من كل تلك المحاولات. وأسهمت العقوبات التي فرضتها أميركا على فنزويلا، إضافة الى انخفاض أسعار النفط بقوة، في إضعاف الاقتصاد الفنزويلي. واستغلت أميركا هذا الوضع لتلقي باللوم على مادورو. ولكن في هذه المرة بات الجيش هو الذي يحمي الرئيس مادورو. وثمة عامل آخر يجعل عملية التخلص منه أكثر صعوبة، تتمثل في أن شافيز أنشأ قاعدة من الطبقة العاملة وسلح اتباعه بنحو 100 ألف بندقية روسية، قدمتها له روسيا. وهذا يعني أن معركة دموية هائلة ستحدث إذا اندلع صراع مسلح بين أنصار مادورو، وأنصار غوايدو المدعومين من الولايات المتحدة. وحذر بوتين من النتائج الكارثية لمثل هذا الصراع.

صراع مسلح

ولابد من الإشارة إلى أن وقوع صراع مسلح بهذا الحجم في الباحة الخلفية للولايات المتحدة ربما يكون آخر صراع رئيس في العصر الأميركي، لأنه مهما كانت نتائج هذا الصراع، فإن أميركا لديها ما تخسره أكثر من روسيا. وإذا خسر الجانب الأميركي فربما تكون ضربة قاصمة للهيبة الأميركية. ولكن حتى لو انتصرت أميركا في هذه المعركة، فإن نتائجها على المدى البعيد ربما تكون ضارة. وستحقق روسيا نصراً كبيراً في أوروبا للانتقام على هزيمتها، وستحافظ على هيبتها وصدقيتها. وستوجه ضربة شديدة لدولة مثل أوكرانيا أو بولندا. وبالنسبة لأميركا فإن هزيمتها في أوروبا ستكون أسوأ بكثير عليها من انتصارها في أميركا اللاتينية.

وبالطبع فإن أميركا هُزمت الآن في سورية، ما سبب ضرراً كبيراً لهيبتها وتأثيرها في الشرق الأوسط. ولكن نتائج الحرب في فنزويلا ستكون أشد سوءاً من الحرب في سورية. وإذا نجا مادورو من هذه الحرب، كما فعل الرئيس السوري بشار الأسد، سيشكل ذلك خسارة كبيرة لأميركا. وحتى إذا نجحت أميركا في التخلص من مادورو فإن الضرر الذي سيقع في العلاقات الروسية الأميركية سيكون كبيراً، وربما لا يمكن إصلاحه، كما أن فرصة انتقال الصراع إلى أوروبا يمكن أن يكون خطراً جداً على العالم أجمع. وأي صراع يقع في أوروبا يمكن وبسهولة أن يتحول إلى حرب عالمية ثالثة.

مواجهة الغطرسة

ويمكن أن تلعب الدول الثلاث، وهي روسيا، والصين، والهند، دوراً مهماً في مواجهة الغطرسة الاميركية التي ثبت أنها عامل الخطر الرئيس الذي سيؤدي إلى الحرب العالمية الثالثة. ويمكن أن تكون روسيا موازنة مع قوة أميركا العسكرية، والصين يمكن أن تتوازن معها من حيث القوة الاقتصادية، في حين يمكن أن تقوم الهند بلعب الدور الدبلوماسي لخلق مشاعر مناوئة للحرب. ولعبت الهند دوراً إيجابياً جداً عندما بدأت حرب السويس. وحققت الهند نصراً رئيساً في المجال الدبلوماسي، وأصبحت قائداً لحركة عدم الانحياز. ووضعت الأساس للصداقة بين الرئيس المصري جمال عبدالناصر، ورئيس وزراء الهند، في حينه، جواهر لال نهرو. وبدأ العالم العربي بأسره ينظر إلى الهند باعتبارها أحد أفضل أصدقائه. ويتعين على الهند أن تلعب الآن دوراً مماثلاً لاستعادة صدقيتها وهيبتها في العالم كصانع حقيقي للسلام. ولكن توجه الهند نحو الولايات المتحدة أثار العديد من التساؤلات بشأن دورها التقليدي.

ولنأمل أن تستخدم جميع الأطراف ضبط النفس، ولا تعمل على تصعيد الصراع إلى مستوى خطر، لمنع تدهور الوضع في فنزويلا إلى الحال الذي آلت اليه الحرب الأهلية في سورية. ولنأمل أن الانتقال من العصر الأميركي إلى «ما بعد العصر الأميركي»، أي العالم متعدد الأقطاب، يكون سلمياً.


يمكن أن تلعب روسيا، والصين، والهند، دوراً مهماً في مواجهة الغطرسة الأميركية.

الولايات المتحدة بدأت منذ عام 1975 عملية أطلقت عليها اسم «كوندور» عمدت من خلالها إلى تصفية ممنهجة للقوى اليسارية في دول أميركا اللاتينية، وتعزيز الأنظمة الدكتاتورية اليمينية.

طباعة