بعيداً عن حكومة كابول

الولايـات المتـحـدة تتفـاوض على شروط اسـتسـلامها في أفغانستان

صورة

في يناير 2002 وصلت إلى كابول في أفغانستان، لافتتاح السفارة الأميركية هناك. وكان الدمار منتشراً في كل مكان، في حين أن مطار كابول كان مغلقاً، ومدارجه تتجمع فيها المخلفات والطائرات المدمرة. وكانت قيادة السيارة من قاعدة باغرام العسكرية نحو الجنوب تبدو مثل السير في الأرض اليباب. وليس هناك أي شجرة باسقة، ولا مبنى مشيد. وكانت مباني مدينة كابول ذاتها قد تحولت إلى ركام، الأمر الذي استحضر صورة برلين عند نهاية الحرب العالمية الثانية 1945.

واستمرت الحروب المتواصلة نحو عقدين من الزمن، وخلّفت إرثا مرعباً. ولم يكن الدمار في البنية التحتية فقط، فقد عانى الشعب الأفغاني بصورة كبيرة جراء الحرب الأهلية التي بدأت في نهاية السبعينات، وما تلا ذلك من استبداد حركة «طالبان»، ولكن ليس هناك أشد معاناة من النساء والبنات الأفغانيات.

وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان في أكتوبر 2001 الذي أطاح بحكم «طالبان»، لأنها آوت لديها حركة «القاعدة» التي نفذت تفجيرات 11 سبتمبر، ونتيجة الأهوال التي ارتكبت خلال حكم «طالبان»، ركزت جهود المساعدات الأميركية أولاً على الناس، وليس على الأشياء.

وأتذكر أول زيارة قام بها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في «الكونغرس»، جو بايدن، إلى أفغانستان، حيث زار مدرسة للبنات التي ساعدنا على افتتاحها. وكانت المدرسة الابتدائية التي زارها بايدن تضم طلبة تراوح أعمارهم بين ستة أعوام و12 عاماً. وكانت الفتيات كبيرات السن لم يتمكن من التعليم خلال حكم «طالبان». ولم تشعر هؤلاء الفتيات بالحرج لوجودهن مع فتيات بنصف أعمارهن. وفي نهاية حكم «طالبان» كان هناك 900 ألف طفل في المدارس، جميعهم من الأولاد. وعندما غادرت أفغانستان كسفير عام 2012، كان هناك ثمانية ملايين طالب، 40% منهم فتيات.

تشجيع النساء

وشجعنا النساء الأفغانيات على لعب أدوارهن المشروعة في إدارة الأعمال والقضاء، وفي أماكن أخرى في الحكومة والجيش، وتم ذلك حقاً. وكانت الرسالة الصريحة التي نريد إرسالها هي أنكم تقدمتم إلى الأمام، وسنعمل على تأمين الدعم لكم، وفي ذلك الوقت كانت المصالح والقيم الأميركية منسجمة مع بعضها بعضاً. وأقمت العديد من حفلات الاستقبال للتعرف إلى شجاعة النساء الأفغانيات. ومن خلال المنظمة الأميركية للتنمية الدولية، قمنا بتمويل الجهود الرامية إلى إيواء النساء اللواتي هربن من أزواجهن أو تعرضن للتعذيب من العائلات الأخرى، والجدير بالذكر أنه في المجتمع الأفغاني الذكوري، لم تكن «طالبان» هي الوحيدة التي تهدد النساء.

ولكن الآن أصبحت الولايات المتحدة تتفاوض مباشرة مع «طالبان»، وتم الإعلان عن إطار اتفاق قبل أسبوع يدعو إلى وقف إطلاق النار، من شأنه أن يؤدي إلى انسحاب شامل للجنود الأميركيين. وستتعهد «طالبان» بعدم إيواء المنظمات الإرهابية على أراضيها، والتي من شأنها تهديد أمن الولايات المتحدة. وتم التوصل إلى اتفاق الإطار المذكور دون مشاركة الحكومة الأفغانية. وقالت «طالبان» إنها ترفض التفاوض مع الحكومة التي تعتبرها دمية غير شرعية للاحتلال الأميركي. ومن خلال الموافقة على مطلب «طالبان»، تكون الحكومة الأميركية قد ألغت شرعية الحكومة الأفغانية التي ادعينا أننا قدمنا لها الدعم.

مفاوضات تشبه اتفاق باريس

وتحمل العملية الحالية تشابهاً سيئاً مع مفاوضات اتفاق باريس خلال حرب فيتنام. وكان الأمر جلياً في حينه كما هو الآن، ومفاده أننا نتفاوض على شروط استسلامنا، ويمكن أن تقدم «طالبان» أي التزامات وهي تدرك أننا سنذهب و«طالبان» ستعود، لأنه لن يكون لنا أي وسيلة لفرض أي منها.

وينبغي ألا تسير الأمور على هذا النحو، ويمكن أن تعلن الولايات المتحدة أن المفاوضات لن تتعدى الإطار الذي تم الاتفاق عليه، إلى قضايا جوهرية دون المشاركة الكاملة للحكومة الأفغانية. وأثبت الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في العراق أن أميركا لا يمكنها إنهاء الحرب عن طريق سحب قواتها، إذ إن ميدان المعركة تركناه لأعدائنا. وفي أفغانستان، الرئيس دونالد ترامب لديه الخيار. فهو يمكن أن يتبع مثال أوباما ويترك الدولة لـ«طالبان»، أو يوضح أن الولايات المتحدة لديها مصالح وقيم وحلفاء، وستبقى لحمايتهم.

ريان كروكر دبلوماسي وسفير سابق في أفغانستان وعدد من الدول العربية


من خلال الموافقة على مطلب «طالبان»، تكون الحكومة الأميركية قد ألغت شرعية الحكومة الأفغانية التي ادعينا أننا قدمنا لها الدعم.

طباعة