الاتحاد الأوروبي من يُملي الشروط

ماي لن تكون الرابحة في اتفاقية البريكست

صورة

تيريزا ماي باقية في منصبها، ولكن ليس بالضرورة أن تكون لها سلطة حقيقية، في الوقت الذي يبدو زعيم المعارضة قائد الحزب العمالي، جيرمي كوربن، متردداً في التحكم في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) بنفسه.

وشهدت الحكومة البريطانية برئاسة تيريزا ماي، ليلة يوم الثلاثاء الماضي، هزيمة لاتفاقها مع الاتحاد الأوروبي بفارق 230 صوتاً، وهي الهزيمة غير المسبوقة في التاريخ السياسي البريطاني. ووصف كوربن حكومة ماي بأنها «الحكومة شبه الميتة» التي «فقدت السيطرة تماماً ولم تعد قادرة على الحكم»، وطالب مجلس العموم برفضها.

وبعد نجاة حكومتها من تصويت حجب الثقة، يوم الأربعاء، أعلنت ماي أنها ستمد يدها إلى شخصيات مهمة في المعارضة بهدف التوسط للتوصل إلى تسوية حول الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي. ولكن النتيجة المدوية للتصويت على هذه الاتفاقية، يوم الثلاثاء الماضي، من المؤيدين والمعارضين للبريكست، يجعل من الصعب تخيل شكل البديل الذي يمكن أن تقدمه ماي، والذي يمكن أن يوحد طرفي الانقسام المرير الذي يعانيه حزبها المحافظ. كما أن الاتحاد الأوروبي يبدو أنه مستعد جداً لإعادة التفاوض.

المبادرة في يد كوربن

وبناءً عليه فإن المبادرة الآن بيد كوربن الذي يرغب بإجراء انتخابات عامة، وقال في مؤتمر حزب العمال الذي عقد العام الماضي إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة، بما فيها إجراء استفتاء آخر. ويحاجج أعضاء البرلمان من الحزب العمالي الذين يؤيدون اجراء استفتاء ثانٍ أن استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية البريطانيين الذين صوتوا لحزب العمل في انتخابات عام 2017 يؤيدون اعادة استفتاء عام 2016.

وقال أحد كبار مساعدي رئيس الحكومة السابق، توني بلير، إن كوربن ظل دائماً متشككاً تجاه الاتحاد الأوروبي، اذ إنه يعتقد أن الاتحاد الأوروبي منظمة عالمية تقف إلى جانب القادة ورأس المال العالمي. وقال هذا المساعد إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي، فإن كوربن ونائبه جون ماكدونالد «يعتقدان أنه سيكون من الأسهل عليهم تمرير بعض سياساتهم، مثل الإصلاحات المؤيدة للعمال، وإعادة تأميم الصناعة. ولكن هذه السياسة اليسارية لا يشاطره بها غالبية زملاء كوربن في البرلمان».

ودعت الصحافة المؤيدة لحزب العمال كوربن إلى التحول نحو الخطة «ب»، وتأييد اجراء استفتاء آخر. وقال الكاتب اليساري في «الغارديان»، بولي توينبي، يوم الثلاثاء الماضي: «حانت ساعة حزب العمال. وبغض النظر عن وجهات نظر كوربن عليه أن يستمع إلى حزبه».

وبمعزل عن حملة تصويت الشعب على اتفاقية بريكست، فقد وصلت قيادة حزب العمال إلى الوضوح في نقطتين رئيستين، الأولى، أن كوربن ألزم حزبه رسمياً بمعارضة الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاقية. والالتزام الثاني لحزب العمال يتضمن تأجيل الفقرة 50 من المادة التي تنظم رحيل الدول الأعضاء عن الاتحاد في الدستور الأوروبي. ويجب على ماي أن تسأل الاتحاد الأوروبي أن يمنحها الوقت من أجل التوصل إلى اجماع، كما قال ماكدونالد لإذاعة «بي بي سي»، يوم الأربعاء. ويصر الوزير المحافظ والحليف الوثيق لماي اندريا ليدسوم قائلاً لـ«بي بي سي»: «نحن واضحون. لن يكون هناك أي تأجيل للفقرة 50 ولن نعمل على إلغائها».

ويمكن أن يواجه كوربن تمرداً من البرلمانيين في حزبه، حيث قالت مجموعة من البرلمانيين العماليين لصحافيين بريطانيين إنهم يريدون إجراء تصويت برلماني على إجراء استفتاء ثانٍ في تحدٍّ لقيادة حزب العمال. وساعد رئيس مجلس العموم، جون بيكرو، على تسهيل مثل هذا التمرد.

ويعتبر وزير البريكست في حكومة الظل كير ستارمر الشخصية الأساسية في معركة سياسة اجراء استفتاء ثانٍ في حزب العمال. وفي مؤتمر الحزب، الذي جرى العام الماضي، كسب ستارمر حفاوة بالغة عندما أيد علانية اجراء استفتاء ثانٍ على بريكست. وحتى الآن أيد ستارمر رسمياً خط كوربن الغامض بشأن تصويت الشعب على اتفاقية بريكست مع الاتحاد الأوروبي، لكن زميلاً سابقاً في العمل لستارمر، يقول «إنه يفكر في منافسة كوربن وتحديه في فكرة هذا التصويت الشعبي، إضافة الى تحديه في قيادة الحزب نفسه».

وفي الوقت ذاته يلمح كوربن وكبار مساعديه الى أنهم يمكن أن يواصلوا تقديم اقتراحات بعدم الثقة في محاولة لتقليص سلطة ماي. ويمكن لهذه الاستراتيجية، إذا نجحت، أن تجعلهم يفوزوا في الانتخابات العامة التي تظل الهدف الاستراتيجي الرئيس لحزب العمال.

وتصر ماي، من ناحيتها، على أنها مصممة على الضغط من أجل التوصل الى اتفاقيتها مع الاتحاد الأوروبي، من خلال البرلمان. ووعدت بأنها ستباشر التفاوض فوراً مع المعارضين لها في حزبها وأحزاب المعارضة للتوصل إلى اتفاقية يمكن أن تنال دعم مجلس العموم. وأكدت لأعضاء البرلمان أنها مستعدة لسماع أي فكرة يمكن مناقشتها مع بروكسل.

وظلت ماي، حتى يوم الإثنين الماضي، تعود إلى مجلس العموم بمقترحات جديدة، والتي يمكن أن تتعرض للتعديل من قبل مختلف المجموعات المتمردة، بمن فيهم مؤيدو اجراء استفتاء جديد. والأمر الذي يبدو أنه غير مطروح على الطاولة هو أن يحدث انفراج في المفاوضات بين ماي وبروكسل، وهذا لن يحدث اذا لم تغير ماي خطوطها الحمراء، مثل إنهاء حرية نقل البضائع والأشخاص الى بريطانيا، وإلغاء قانون الاتحاد الأوروبي. وقال كبير المفاوضين حول بريكست في الاتحاد الأوروبي، مايكل بارنير، للصحافيين، يوم الأربعاء الماضي، واصفاً هزيمة ماي في البرلمان بأنها «فرصة» للمملكة المتحدة كي تظل قريبة من الاتحاد الأوروبي «إذا اختارت المملكة المتحدة تغيير خطوطها الحمراء مستقبلاً، فإن الاتحاد الأوروبي مستعد للتعامل معها بصورة ودية».

أوين ماتيوز المراسل السابق لمجلة نيوزويك في موسكو


أفكار مصيرها الفشل

يمكن أن يكون مصير معظم الأفكار البناءة التي ستسمعها تيريزا ماي، خلال الأيام القليلة المقبلة، هو الفشل أمام واقع الموقف التفاوضي المتصلب للاتحاد الأوروبي. وأولاً وقبل كل شيء فإن الانضمام إلى عضوية الاتحاد الجمركي الأوروبي يتضمن حرية انتقال البضائع والأشخاص، الأمر الذي يبغضه ويرفضه حزب المحافظين المعارض لحقوق المهاجرين.

وفي نهاية المطاف لابد من القول إن شروط بركست لن يمليها البرلمان البريطاني وإنما بروكسل. وبالنسبة لجميع أفكار أنصار خروج بريطانيا رابحة من هذه الصفقة، سيكون لدى الاتحاد الأوروبي سلطة النقض (الفيتو) على أي صفقة جديدة قد تنجح ماي في ترقيعها وتجميعها.

يمكن أن يواجه كوربن تمرداً من البرلمانيين في حزبه، حيث قالت مجموعة من البرلمانيين العماليين لصحافيين بريطانيين إنهم يريدون إجراء تصويت برلماني على إجراء استفتاء ثانٍ في تحدٍّ لقيادة حزب العمال.

طباعة