خشية اصطدام أميركي - روسي أو حدوث صراع كبير في الشرق الأوسط ( 2-2)

العالم بحاجة إلى نظام دولي جديد قبل حدوث الكارثة

صورة

شهد النظام الليبرالي، ونظام الحرب الباردة، تدهوراً كبيراً في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن الحرب الباردة نفسها انتهت منذ فترة طويلة، فإن النظام الذي أنشأته تفكك بطريقة أكثر تجزؤاً، ولكن جزئياً لأن الجهود الغربية لدمج روسيا في النظام العالمي الليبرالي لم تحقق سوى القليل. وإحدى علامات تدهور نظام الحرب الباردة كانت غزو (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين للكويت عام 1990، وهو الأمر الذي كان من المرجح أن تمنعه موسكو في السنوات السابقة على أساس أنه مخاطرة كبيرة، وعلى الرغم من أن الردع النووي لايزال قائماً، فإن بعض اتفاقيات الحدِّ من التسلح الذي تدعمه روسيا قد تم كسرها، وبعضها الآخر يتلاشى.

مع أن روسيا تجنّبت أي تحدٍّ عسكري مباشر لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أنها أظهرت مع ذلك رغبة متزايدة في تعطيل الوضع الراهن؛ من خلال استخدامها القوة في جورجيا عام 2008، وأوكرانيا منذ عام 2014، وتدخلها العسكري العشوائي في كثير من الأحيان في سورية، واستخدامها العدواني للفضاء الإلكتروني لمحاولة التأثير في النتائج السياسية بالولايات المتحدة وأوروبا. كل ذلك يمثل رفضاً للقيود الرئيسة المرتبطة بالنظام القديم. من وجهة نظر روسية، يمكن قول الشيء نفسه عن توسيع حلف شمال الأطلسي، وهي مبادرة واضحة على خلاف مع مقولة وينستون تشرشل «في الانتصار شهامة». كما رفضت روسيا حرب العراق عام 2003، وتدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في ليبيا عام 2011، والذي بدأ باسم الإنسانية، ولكن سرعان ما تطور إلى تغيير النظام، إذ إن أعمال سوء النية وغير الشرعية، التي قام بها (الزعيم الليبي الراحل معمر) القذافي، لا تتفق مع مفاهيم النظام العالمي كما فهمها الحلف.

يُظهر النظام الليبرالي علامات على التدهور. إن السلطوية في تصاعد ليس فقط في الأماكن الواضحة، مثل الصين وروسيا، ولكن أيضاً في الفلبين وتركيا وشرق أوروبا. لقد نمت التجارة العالمية، لكن الجولات الأخيرة من المحادثات التجارية انتهت دون اتفاق، وأثبتت منظمة التجارة العالمية أنها غير قادرة على التعامل مع التحديات الأكثر إلحاحاً اليوم، بما في ذلك الحواجز غير الجمركية وسرقة الملكية الفكرية. فالاستياء من استغلال الولايات المتحدة للدولار لفرض العقوبات في تزايد، وكذلك القلق بشأن تراكم الديون لهذا البلد.

ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ليست له أهمية تذكر لمعظم الصراعات في العالم، وفشلت الترتيبات الدولية على نطاق أوسع في مواجهة التحديات المرتبطة بالعولمة. وإن تكوين مجلس الأمن بات لا يمثل التوزيع الحقيقي للسلطة. لقد أعلن العالم موقفه إزاء الإبادة الجماعية، وأكد حق التدخل عندما تفشل الحكومات في الوفاء «بمسؤولية حماية» مواطنيها، ولكن الشعارات لم تترجم إلى واقع على الأرض. وتسمح معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بامتلاك خمس دول، فقط، للأسلحة النووية، ولكن هناك الآن تسع دول تمتلك أسلحة نووية. إضافة للعديد من الدول الأخرى التي يمكن أن تحذو حذوها إذا اختارت ذلك. والاتحاد الأوروبي، بصفته أهم ترتيب إقليمي، إلى الآن، يكافح لإيجاد حلول لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنزاعات حول الهجرة والسيادة. وفي جميع أنحاء العالم، تقاوم الدول بشكل متزايد الصدارة الأميركية.

موازين القوى

لماذا يحدث كل هذا؟ من المفيد أن ننظر إلى الوراء، إلى الزوال التدريجي لاتفاق أوروبا. يناضل النظام العالمي، اليوم، للتعامل مع تغيرات موازين القوى: صعود الصين وظهور العديد من القوى المتوسطة (إيران وكوريا الشمالية على وجه الخصوص)، التي ترفض جوانب مهمة من النظام، وظهور عناصر غير حكومية؛ من عصابات المخدرات إلى شبكات الإرهابيين، التي يمكن أن تشكل تهديداً خطيراً للنظام داخل الدول، وفي ما بينها.

لقد تغير السياق التكنولوجي والسياسي بأشكال مهمة، أيضاً. لقد كانت للعولمة آثار مزعزعة للاستقرار، تراوحت بين تغير المناخ وانتشار التكنولوجيا بين الناس، أكثر بكثير من أي وقت مضى، بما في ذلك جماعات وأشخاص يعتزمون تعطيل النظام. وارتفعت النزعة القومية والشعبية، نتيجة تزايد عدم المساواة داخل البلدان، والاختلال المرتبط بالأزمة المالية لعام 2008، وخسائر الوظائف الناجمة عن التجارة والتكنولوجيا، وزيادة تدفقات المهاجرين واللاجئين، وقوة وسائل الإعلام الاجتماعية في نشر الكراهية.

وفي الوقت نفسه، هناك غياب واضح لإدارة فعالة للدولة. لقد فشلت المؤسسات في التكيف.

لا أحد اليوم سيصمم مجلس أمن جديداً للأمم المتحدة يشبه المجلس الحالي. لكن الإصلاح الحقيقي مستحيل، لأن أولئك الذين يفقدون النفوذ يمنعون أي تغييرات. إن الجهود المبذولة لبناء أطر فعالة للتعامل مع تحديات العولمة، بما في ذلك تغير المناخ والهجمات الرقمية، قد اختفت. إن الأخطاء التي تقع داخل الاتحاد الأوروبي؛ وتحديداً قرارات اتخاذ عملة موحدة دون خلق سياسة مالية مشتركة، أو اتحاد مصرفي والسماح بهجرة غير محدودة إلى ألمانيا، خلق رد فعل قوياً ضد الحكومات الحالية، والحدود المفتوحة والاتحاد الأوروبي نفسه.

من جانبها، التزمت الولايات المتحدة رغم الثمن الباهظ بإعادة صياغة أفغانستان وغزو العراق، والإصرار على تغيير النظام في ليبيا. في المقابل، خطت خطوة إلى الوراء في ما يخص الحفاظ على النظام الدولي، وفي بعض الأحيان ارتكبت أخطاء مُكلفة. وفي كثير من الأحيان، لم يقتصر تردد أميركا في التحرك على القضايا المهمة، بل شمل أيضاً القضايا الأخرى التي يتجاهلها القادة، لأنها في رأيهم أمور لا تستحق التدخل، مثل الصراع في سورية، حيث فشلت واشنطن في الرد بشكل جيد، عندما استخدمت دمشق السلاح الكيماوي لأول مرة؛ أو فعل المزيد لمساعدة الفصائل المناوئة للحكومة.

زاد هذا التردد ميل الآخرين إلى تجاهل المخاوف الأميركية والتصرف بشكل مستقل. ويجب النظر إلى الأعمال الروسية في سورية وأوكرانيا في هذا السياق. ومن المثير للاهتمام أن شبه جزيرة القرم كانت بمثابة نهاية فعالة لاتفاق أوروبا، كما أدت إلى حدوث نكسة كبيرة في النظام الحالي. وتضاعفت الشكوك حول صدقية الولايات المتحدة في ظل إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وذلك بفضل انسحابها من العديد من الاتفاقات الدولية، ونهجها المشروط لالتزامات التحالف الأميركية في أوروبا وآسيا، والتي لم تكن يوماً قابلة للنقاش.

إدارة التدهور

بالنظر إلى هذه التغيرات، سيكون من المستحيل إحياء النظام القديم. كما أنه سيكون غير كافٍ، وذلك نظراً لظهور تحديات جديدة. وبمجرد الاعتراف بذلك، فإن التدهور الطويل في «اتفاق أوروبا» يجب أن يكون بمثابة درس وتحذير.

لكي تلتفت الولايات المتحدة إلى هذا التحذير، يجب تقوية جوانب معينة من النظام القديم، وإكمالها بتدابير تفسر ديناميكيات القوة المتغيرة، ومشكلات عالمية جديدة. وسيتعين على أميركا دعم اتفاقات الحد من التسلح ومنع انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز تحالفاتها في أوروبا وآسيا؛ ودعم الدول الضعيفة التي لا تستطيع مواجهة الإرهابيين والعصابات. إضافة إلى مكافحة تدخل الحكومات السلطوية في العملية الديمقراطية. ومع ذلك، ينبغي ألا تتخلى عن محاولة دمج الصين وروسيا في الجوانب الإقليمية والعالمية للنظام العالمي. وستشمل هذه الجهود بالضرورة مزيجاً من الحلول التوفيقية والحوافز، وأحياناً الإجبار على التراجع. والفشل السابق في دمج الصين وروسيا ينبغي ألا يكون سبباً لرفض الجهود المستقبلية، لأن مسار القرن الحادي والعشرين سيعكس، إلى حد كبير، كيف تسير هذه الجهود.

نظام عالمي جديد

إن الولايات المتحدة بحاجة، أيضاً، إلى التواصل مع الآخرين لمعالجة مشكلات العولمة، خصوصاً تغير المناخ والتجارة وتحديات الفضاء الإلكتروني. وسيتطلب ذلك عدم إحياء النظام القديم ولكن بناء نظام جديد. ويجب أن تكون الجهود الرامية إلى الحد من تغير المناخ والتكيف معه أكثر طموحاً. ويجب تعديل منظمة التجارة العالمية لمعالجة أنواع القضايا التي تثيرها مسألة استيلاء الصين على التكنولوجيا، وتقديم الإعانات إلى الشركات المحلية، واستخدام الحواجز غير الجمركية أمام التجارة. وهناك حاجة إلى قواعد لتنظيم الفضاء السبراني. وهذه بمثابة دعوة لاتفاق جديد في العصر الحديث. هذه الدعوة طموحة ولكنها ضرورية.

ترتيب البيت الأميركي

يجب على الولايات المتحدة إظهار ضبط النفس واستعادة قدر من الاحترام، من أجل استعادة سمعتها كممثل غير مؤذٍ. وسيتطلب هذا خروجاً حاداً، في بعض الأحيان، عن الطريقة التي انتهجتها السياسة الخارجية للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. للبدء، لا داعي لغزو غير مبرر للدول الأخرى، ولا داعي لتسليح السياسة الاقتصادية الأميركية، من خلال الإفراط في استخدام العقوبات والتعريفات. ولكن تجب إعادة التفكير في المعارضة اللاإرادية الحالية لتعددية الأطراف، أكثر من أي شيء آخر. أن ينحل النظام العالمي ببطء، هذا أمر؛ وبالنسبة للبلد الذي كان له دور رئيس في بنائه أن يأخذ زمام المبادرة في تفكيكه، فهذا أمر آخر.

كل هذا يتطلب، أيضاً، أن تقوم الولايات المتحدة بترتيب بيتها، من خلال تقليل الديون الحكومية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحسين التعليم العام، والاستثمار بشكل أكبر في شبكة الأمان الاجتماعي، وتبني نظام هجرة ذكي، يسمح للأجانب الموهوبين بالمجيء والإقامة؛ ومعالجة الاختلال الوظيفي في السياسة بجعله أقل صعوبة للممارسة، والقضاء على عملية الغش. ولا تستطيع أميركا أن تعزز النظام في الخارج بشكل فعال إذا كانت مقسمة في الداخل، ومشتتة بسبب المشكلات الداخلية، وتفتقر إلى الموارد.

تبدو البدائل الرئيسة لنظام عالمي حديث مدعوم من الولايات المتحدة مستبعدة، أو غير جذابة أو كليهما. على سبيل المثال، النظام الذي تقوده الصين سيكون نظاماً غير ليبرالي، يتسم بالنظم السياسية الداخلية الاستبدادية، والاقتصادات التي تفرض ضريبة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي. وستكون هناك عودة إلى مناطق النفوذ، حيث تحاول الصين السيطرة على منطقتها، ومن المحتمل أن تؤدي إلى صدامات مع قوى إقليمية أخرى، مثل الهند واليابان وفيتنام، التي من المحتمل أن تقوم بتعزيز قواتها التقليدية أو حتى النووية.

إن نظاماً ديمقراطياً جديداً قائماً على القواعد، تتولى صياغته قوى متوسطة في أوروبا وآسيا، فضلاً عن كندا، مهما كان جذاباً، فإنه يفتقر ببساطة إلى القدرة العسكرية والإرادة السياسية الداخلية للوصول إلى أبعد الحدود. البديل الأكثر احتمالاً هو عالم قليل التنظيم؛ عالم يعيش في فوضى أعمق، تكسب فيه القومية والشعبية والحماية الجمركية، لكن تخسر فيه الديمقراطية. سيصبح الصراع داخل الحدود وعبرها أكثر شيوعاً، وسيزداد التنافس بين القوى العظمى. في وقت سيتم فيه منع التعاون حول التحديات العالمية. إذا بدت هذه الصورة مألوفة، فذلك لأنها تتطابق بشكل متزايد مع عالم اليوم.

يمكن لتدهور النظام العالمي أن يحرك توجهات تنذر بالكارثة. لقد اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد مرور 60 عاماً على إبرام «اتفاق أوروبا»، من أجل مقاصد وأغراض انهارت في شبه جزيرة القرم. وما نشهده اليوم يشبه منتصف القرن التاسع عشر في نواحٍ مهمة: لا يمكن استعادة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب الباردة، لكن العالم لم يصل بعد إلى حافة أزمة نظامية. لقد حان الوقت للتأكد من عدم تحقق ذلك، سواء بسبب انهيار العلاقات الأميركية الصينية، أو مواجهة مع روسيا، أو اندلاع صراع كبير في الشرق الأوسط، أو الآثار المتراكمة لتغير المناخ.

ريتشارد هاس : رئيس مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية


- مع أن روسيا تجنّبت أي تحدٍّ عسكري مباشر لحلف شمال الأطلسي، إلا أنها أظهرت

رغبة متزايدة في تعطيل الوضع الراهن؛ من خلال استخدامها القوة في جورجيا عام

2008، وأوكرانيا منذ عام 2014، وتدخلها العسكري في سورية، واستخدامها

العدواني للفضاء الإلكتروني، للتأثير في النتائج السياسية بأميركا وأوروبا.

- كانت للعولمة آثار مزعزعة للاستقرار، تراوح بين تغير

المناخ وانتشار التكنولوجيا بين الناس، أكثر بكثير

من أي وقت مضى، بما في ذلك جماعات وأشخاص

يعتزمون تعطيل النظام.

طباعة