يصر على بنائه ولو استمر الإغلاق الحكومي سنوات

ترامب يعتبر بناء الجــدار الحدودي رمزاً مهماً لمستــقبله السياسي

صورة

في مناسبات عدة من حياته السياسية القصيرة، حاول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن يكون شخصية رئاسية، فقد شذب أسلوبه المتحرر في الكلام، وأصبح يقرأه من جهاز عرض النصوص، الذي هدد في إحدى المرات ممازحاً بأنه سيحظره، ويتمسك بالأساليب التقليدية لقراءة النصوص. يوم الثلاثاء، فعل ذلك مرة أخرى، عندما قدم أول خطاب له إلى الأمة من المكتب البيضاوي في خضم ثاني أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة. وكما هو الحال في المرات السابقة، تحدث ترامب، الذي يحاول أن يكون شخصية رئاسية، عن المخاطر أكثر مما ذكره عن أي شيء آخر في خطابه، وظل يكيل اللوم إلى مجلس النواب الديمقراطي، الذي قرر الوقوف في وجهه، ووضع كل ثقله إزاء إغلاق دراماتيكي لكي يفي بوعده الذي قطعه في حملته الانتخابية لبناء جدار على الحدود مع المكسيك.

لا جديد

وفقاً للمعايير العادية للرئاسة، لم يكن الخطاب المتلفز الذي استمر لمدة تسع دقائق منضبطاً إلا قليلاً، ولم يقدم ترامب أي تنازلات جديدة، وإنما قدم حججاً متكررة، وجهها في الغالب إلى الديمقراطيين للموافقة على توفير 5.7 مليارات دولار لبناء جدار حدودي مقابل إنهاء إغلاق جزئي للحكومة. وقال ترامب في إشارة إلى حديث لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، دون أن يذكر بالاسم: «اقترح البعض أن الحاجز غير أخلاقي»، وأضاف «إذاً لماذا يبني السياسيون الأثرياء الجدران والأسوار والبوابات حول منازلهم؟ إنهم لا يبنون الجدران لأنهم يكرهون الموجودين خارجها، وإنما لأنهم يحبون من بداخلها».

وفي وقت لاحق من الخطاب، قال ترامب إنه يمكن حل هذا الإشكال في «اجتماع مدته 45 دقيقة»، ولكن في مثل هذا النوع من الاجتماعات يوم الجمعة مع بيلوسي، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، اختلفت نبرته تماماً، حيث قضى 15 دقيقة في التبجح والتشدق. وبعد فترة وجيزة من جلوس كبار المشرعين الديمقراطيين في مقاعدهم، قال لهم الرئيس إنه لن يتزحزح قيد أنملة عن مبلغ 5.7 مليارات دولار الذي طالب به لبناء الجدار الحدودي، وأنه مستعد لإبقاء الحكومة مغلقة جزئياً أشهراً أو حتى سنوات. كان ترامب «مثل الثور في مستودع الخزف»، وفقاً لمصدر ديمقراطي مطلع على هذه المجادلات. ثم حول ترامب الحديث في اتجاه مفاجئ، سأل ترامب بيلوسي، وفقاً لروايته الشخصية للمحادثة: «لماذا لا تستخدمون هذا في مساءلتي وعزلي؟»، وردت عليه بيلوسي بأن مجلس النواب من الديمقراطيين لا يفكر في عزله. وبدا الأمر وكأن الرئيس الذي لايزال على رأس ولايته يشير إلى شبح اتهام موجه إليه بسبب حديث لا يمت إلى هذا الاتهام بصلة، ويبدو أن الرئيس يقر بأن هناك الكثير من المواقف في المفاوضات تصب في مصلحة إنهاء الإغلاق الحكومي أكثر من مساندتها لتمويل «الجدار الكبير والجميل»، الذي وعد به في حملته الانتخابية. ويواجه ترامب الآن حكومة منقسمة على نفسها للمرة الأولى في مسيرته السياسية، حاملة معها تهديداً بإجراء تحقيقات في حملته وأعماله وإدارته. وبالنسبة إلى رجل أمضى حياته المهنية في الأعمال التجارية التي تديرها العائلة، فإن ذلك يعني أنه قد يضطر إلى تقديم تنازلات أو قبول الهزيمة في ما يتعلق بأهداف معينة.

مجاز للسلطة

لم يصبح الجدار الحدودي مجرد رمز لنهج ترامب التقييدي للهجرة، بل أصبح مجازاً قوياً لسلطته السياسية. بالنسبة للبيت الأبيض، فإن أي تنازل عن وعود حملة ترامب يجعل الديمقراطيين يعتقدون بأنهم يستطيعون تدجينه من خلال سلطتهم التشريعية الجديدة خلال الفترة المتبقية من ولايته الأولى. وإذا أصاب ترامب الضعف في هذا الصراع، فإن البيت الأبيض يخشى من أن يتجرأ الديمقراطيون فيضعوا المزيد من المطالبات في ما يتعلق بالمبادرات التي يقرها ترامب، مثل خفض أسعار الأدوية، والإنفاق على احتياجات النقل، والبنى التحتية. وعلى الجانب الآخر، إذا فاز ترامب في معركة الإغلاق، يرى البيت الأبيض فرصة في إضعاف منتقديه قبيل الانتخابات التمهيدية الرئاسية.

لعبة محصلتها صفر

من وجهة نظر ترامب، فإن السياسة هي لعبة محصلتها صفر، والفائز في هذه المواجهة سيكون له تأثير سياسي أكبر في السنتين التاليتين في ما يتعلق بالتحقيقات وصناعة السياسة وحتى إجراءات المساءلة. هناك الكثير على المحك على المدى القصير أيضاً، فقد استغل ترامب البث يوم الثلاثاء، واستخدم رحلته إلى ماكالين، تكساس، يوم الخميس، ليوضح قضيته بأن الجدار الحدودي يعتبر عنصراً ضرورياً، ولماذا يجب أن يمنحه الديمقراطيون المزيد من التمويل لوقف الأعداد المتزايدة من العائلات والأطفال الذين يتدفقون عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع أميركا الوسطى، وردع المزيد من الرحلات البرية الخطرة التي يغامر بها المهاجرون. وقال ترامب إن الهجرة غير الشرعية تضعف الموارد العامة، وتؤدي إلى خفض الأجور، وأن «كميات هائلة» من المخدرات تأتي عبر الحدود الجنوبية، وأن «آلاف» الأميركيين قد قتلوا على يد المهاجرين غير المسجلين على مر السنين.

وافقت شبكات البث الرئيسة على التخلي عن برامج المساء المربحة لبث خطاب ترامب، على أساس أن الرئيس سيعالج عملية الإغلاق، وهو حدث إخباري رئيس، على الرغم من المخاوف من أن ترامب سيستغل البث لإطلاق رسالة سياسية واضحة. واستطاع الزعماء الديمقراطيون أيضاً إرسال ردود مباشرة على الهواء: اتهمت بيلوسي ترامب بـ«احتجاز الشعب الأميركي رهينة»، و«تصنيع الأزمات»، وانتقد شومر الجدار، قائلاً إن «جدار الحدود غير فعال وغير ضروري».

في غضون ذلك، توقف عن العمل نحو 800 ألف موظف في تسع إدارات اتحادية، أي نحو ربع القوى العاملة الفيدرالية، أو ظلوا يعملون من دون أجر منذ 22 ديسمبر. ويضع ترامب وفريقه هذا الجدار كحل لما وصفوه بأنه أزمة هجرة غير شرعية، مع وجود رهانات عالية، مثل حماية المواطنين الأميركيين من العنف والإرهاب. وقال نائب الرئيس، مايك بينس، لمجموعة صغيرة من الصحافيين الذين اجتمعوا في مكتبه بعد ظهر يوم الاثنين، بعد اجتماعاته مع الديمقراطيين في نهاية الأسبوع: «أعتقد أننا أحرزنا تقدماً في إثبات حقيقة أن لدينا أزمة إنسانية وأمنية على حدودنا الجنوبية». وأكد بينس أن مكتب مستشار البيت الأبيض «يبحث في» طرق قانونية لاستخدام التمويل الطارئ لبناء الجدار. وتقول وزيرة الأمن الداخلي، كيرستين نيلسن، التي كانت حاضرة أيضاً في الإحاطة الإعلامية «هناك شعور حقيقي بالإسراع في هذا الخصوص»، واختتمت حديثها بأن «الأزمة تزداد سوءاً».

تأييد

وجد ترامب مؤازرة من أنصاره المحافظين خلال سعيه للحصول على أدوات لإيقاف الهجرة غير الشرعية. ويقول رئيس اتحاد المحافظين الأميركيين، مات شيلب: «أشعر بأن القتال حول تمويل الجدار هو معركة حول أمن الحدود، وهو المعركة العادلة من الناحية الأخلاقية، لأنه لا توجد طريقة لإدارة نظام للهجرة في هذا البلد». وعلى الجانب الآخر، يتحدث الديمقراطيون عن المعركة من حيث صلتها برمزية جدار ترامب الحدودي. وقالت بيلوسي في الثالث من يناير: «الجدار هو عازل غير أخلاقي بين البلدان».

ويمضي ديمقراطيو مجلس النواب، الذين تأكدوا بأنهم حصلوا على المعاول - يمضون قدماً بمشروعات قوانين قائمة بذاتها لإعادة ترتيب القطع البيروقراطية المتناثرة، إلا أن هذه التحركات رمزية إلى حد كبير، لأن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، لن يطرح أي موضوع للتصويت إلا إذا كان متأكداً بأن ذلك الموضوع ينال رضا البيت الأبيض. وهذا الإغلاق الحكومي الجزئي، الذي يعتبر الأطول في تاريخ البلاد، لا يبعث على التفاؤل بشأن العلاقة بين البيت الأبيض والديمقراطيين الجدد في مجلس النواب، فكلا الطرفين يتحفزان للقتال. وفي الوقت الحالي، يتحمل ترامب اللوم على الإغلاق، وفقاً لمراكز استطلاع الرأي. ووفقاً لاستطلاع نظمته هافبوست/‏‏‏‏ يوغوف في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر، يعتقد 51% من الأميركيين أن ترامب مسؤول إلى حد ما عن الإغلاق، ويعتقد 44% أن الديمقراطيين يتحملون بعض المسؤولية، و36٪ يلقون باللوم بشكل جزئي على الجمهوريين في «الكونغرس».


- الجدار الحدودي

لم يصبح مجرد رمز

لنهج ترامب التقييدي

للهجرة، بل مجازاً

قوياً لسلطته

السياسية.

- وفقاً للمعايير العادية

للرئاسة، لم يكن

الخطاب المتلفز

الذي استمر لمدة

تسع دقائق

منضبطاً إلا قليلاً،

ولم يقدم ترامب

أي تنازلات جديدة،

وإنما قدّم حججاً

متكررة وجهها

في الغالب

إلى الديمقراطيين

للموافقة على

توفير 5.7 مليارات

دولار لبناء جدار

حدودي مقابل

إنهاء إغلاق جزئي

للحكومة.

طباعة