إسرائيل أوجدته طريقاً بديلاً لحصار القدس وتقسيم مناطق الضفة الغربية

«واد النار».. رحلة مخاطر يومية لمليون فلــسطيني تنتهي بـ «بوابة المأساة»

صورة

من شمال شرق مدينة بيت لحم، مروراً بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وحتى بلدة السواحرة شرق مدينة القدس، طريق طويل اسمه «واد النار»، يتجاوز مسافة 3.5 كيلومترات، ويُعد شريان الحياة الوحيد الذي يسلكه مليون مواطن من سكان المحافظتين، خلال انتقالهم إلى مدن وقرى وسط وشمال الضفة الغربية، أو أثناء رحلتهم إلى مدينة أريحا، أو السفر عبر جسر الملك حسين أو معبر الكرامة إلى المملكة الأردنية الهاشمية.

هذه المسافات عندما يقطعها الفلسطيني لا تكون بمثابة رحلة تنقله إلى حيث يقصد بسهولة وسلاسة، لكنها تكون ساعات طويلة من المعاناة، إذ تمر السيارات بانعطافات منحدرة جداً وصعبة للغاية، فالطريق يبدأ من رأس جبل مرتفع، ليتدرج انحداره من كنيبة دير بني عبيد شمال بلدة العبيدية في بيت لحم، وينتهي إلى سهل على مشارف بلدتي أبوديس والسواحرة شرقي القدس.

نهاية طريق واد النار من الجهة الشمالية تكون بوابة المأساة، وبداية المعاناة لمليون فلسطيني، إذ تقيم إسرائيل حاجزاً عسكرياً كبيراً بمثابة معبر مجهز بكل الإمكانات ومحاط ببوابات إلكترونية حديدية وأبراج عسكرية، يطلق عليه اسم حاجز الكونتينر، إذ تفرض عليه سيطرتها الكاملة، فيما يتحكم الجنود في حركته وإغلاقه وفقاً لمزاجهم، لتقف السيارات في طوابير طويلة على الجانبين، إضافة إلى سياسة التفتيش الدقيق التي تطال كل العابرين.

رحلة عذاب

طريق واد النار الذي بات الطريق الوحيد لربط جنوب الضفة الغربية بشمالها، وبوابة وصول مواطنيها إلى القدس، هو طريق العذاب والحصار الذي جذرته إسرائيل ضد الفلسطينيين، فهو عذاب لهم في سفرهم وترحالهم صباحاً ومساءً، وحصار للقدس وحرمان للفلسطينيين من دخولها وعبورها، بعد إغلاق إسرائيل طريق القدس الرئيس الموصل إلى رام الله وشمال الضفة الغربية.

رائد فالح من مدينة رام الله يعمل سائقاً على مركبة عمومية في طريق «واد النار»، بشكل يومي، إذ يخرج من منزله الساعة الرابعة فجراً، لينقل المواطنين من بيت لحم إلى شرق القدس ومناطق رام الله والخليل، ماراً عبر الطرق الملتوية والمنحدرات الخطرة، التي تكون ألطف بكثير رغم خطورتها بالنسبة له من المعاناة التي يتعرض لها يومياً عند وصوله إلى حاجز الكونتينر العسكري.

أرق يومي

ويقول السائق لـ«الإمارات اليوم»: «طريق (واد النار) خطر جداً، ويؤرقني يومياً، فأنا إن تمكنت من تجاوز المنحدرات، والوصول بسلام دون التعرض لحادث مروري، فإن الحاجز هو المفاجأة التي لا نتمنى حدوثها يومياً، إذ أتعرض لتفتيش دقيق، إضافة إلى الانتظار لساعات طويلة حتى يسمح الجنود بمرور السيارات، ما يتسبب في إضافة وقت كبير إلى ساعات عملي».

ويضيف «طريق واد النار، في الحالات الطبيعية والجيدة، أسلكه في ساعة، ولكن بفعل إجراءات جنود إسرائيل على حاجز الكونتينر تزيد المدة على خمس ساعات».

ويؤكد فالح أن «السالك لحاجز الكونتينر يتجرع مرارة الإجراءات والممارسات الإسرائيلية بأمّ عينه، إذ يحتجز الجنود المواطنين داخل بوابات الحاجز، ويخضعوهم إلى تحقيقات قاسية، إلى جانب اعتقال البعض منهم، والاعتداء عليهم بالضرب».

وإلى جانب تلك المأساة، وفقاً للسائق فالح، تضاف معاناة اصطفاف المركبات في طوابير لمسافة تزيد أحياناً على كيلومتر، ما يؤدي إلى تعطل المواطنين في الوصول إلى أعمالهم وأماكنهم المعتادة في الوقت المحدد، أو حتى لا يقدرون الذهاب، والعودة من حيث أتوا.

أما الطالبة يارا ثوابتة، من جنوب بيت لحم، التي تدرس في جامعة أبوديس في مدينة القدس، فإنها تضطر يومياً للخروج مبكراً من منزلها، حتى تتمكن من الوصول إلى جامعتها، إلا أنها رغم ذلك تواجه ويلات الانتظار والتأخير اليومية.

وتقول الطالبة الفلسطينية: «الطلبة والعمال وكل الفلسطينيين المتنقلين عبر حاجز الكونتينر يتعرضون للعديد من أشكال الويلات المختلفة، التي يمارسها جنود إسرائيل، الموجودون بشكل دائم على الحاجز».

وتضيف «أخرج يومياً الساعة الخامسة فجراً من منزلي، حتى أتمكن من الوصول في موعد محاضراتي التي تبدأ في الساعة الثامنة صباحاً، علماً أن الطريق لا يستغرق في الأوقات العادية أكثر من 20 دقيقة».

طريق بديل

طريق «واد النار» أوجدته إسرائيل لوصول سكان الضفة الغربية إلى القدس، بديلاً لطريق رام الله /‏‏‏‏ القدس، بعد أن أغلقت كل الطرق المؤدية إلى الجانبين، بفعل كثرة الحواجز العسكرية التي تفرضها في جميع المناطق، إلى جانب بوابات الجدار العديدة التي أغلقت كل النوافذ الواصلة بين مدن وقرى الجانبين.

ويعد طريق واد النار، بعد تحويله من الجنوب إلى رام الله عبر مدينة القدس، مشروعاً قديماً جديداً من أجل حصار مدينة القدس، وحرمان أهالي الضفة الغربية من الوصول إليها، وذلك بحسب مدير عام وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية عبدالسلام التلاحمة.

طريق مرهق

ويؤكد التلاحمة أن طريق «واد النار» أرهق الفلسطينيين جسدياً ومادياً، وذلك من خلال تعرّضهم لويلات التفتيش والاعتقال والانتظار لساعات طويلة على حاجز الكونتينر، إلى جانب نفقات المحروقات الزائدة التي يصرفها أصحاب السيارات يومياً.

ويشير إلى أن الوصول إلى رام الله، عبر هذا الطريق، يستغرق مسافات مضاعفة، إلى جانب الاستهلاك المفرط في السيارات والشاحنات والحافلات والناقلات الثقيلة بسبب المنحنيات والمنعطفات المرتفعة والسحيقة.

ويوضح مدير عام وزارة النقل والمواصلات أن نفقات زيادة المحروقات والاستهلاك ومصروفات الخلل والعطب التي تصيب سيارات الفلسطينيين تزيد على 370 مليون دولار سنوياً.

من جانبه، يشير مسؤول الاستيطان في الضفة الغربية، غسان دغلس، إلى أن حاجز الكونتينر هو واحد من بين 720 حاجزاً تقيمها إسرائيل في أرجاء الضفة الغربية، مؤكداً أنه من أكثر الحواجز التي يتعرض فيها الفلسطيني للويلات والتنكيل، إلى جانب طريق «واد النار» الواصل إليه، بفعل خطورة منحدراته.

ويقول مسؤول الاستيطان في الضفة الغربية لـ«الإمارات اليوم»: «إسرائيل تعمل من خلال حاجز الكونتينر على تقسيم مناطق الضفة الغربية، لجعلها عبارة عن مربعات مغلقة بالنقاط العسكرية، وهذا يصب في مصلحة الاستيطان، حيث إن المستوطنات تستفيد كثيراً من الحواجز التي تقطع أوصال المدن عن بعضها، وحتى القرية عن جارتها».

ويضيف «يتعرض الفلسطيني إلى أشكال متعددة من إجراءات التفتيش والتنكيل على حاجز الكونتينر، بالإضافة إلى انتشار الجنود المدججين بالسلاح، ووجود الأبراج العسكرية في محيطه، وهذا ما يجعله منطقة عسكرية خطرة، وليس ممراً للعابرين».


نهاية طريق واد النار من الجهة الشمالية تكون بوابة المأساة، وبداية المعاناة لمليون فلسطيني، إذ تقيم إسرائيل حاجزاً عسكرياً كبيراً، بمثابة معبر مجهز بكل الإمكانات ومحاط ببوابات إلكترونية حديدية وأبراج عسكرية، يطلق عليه اسم حاجز الكونتينر.

طريق واد النار أرهق الفلسطينيين جسدياً ومالياً، وذلك من خلال تعرّضهم لويلات التفتيش والاعتقال والانتظار لساعات طويلة على حاجز الكونتينر.

370

مليون دولار سنوياً نفقات زيادة المحروقات والاستهلاك ومصروفات الخلل والعطب التي تصيب سيارات الفلسطينيين.

طباعة