بعد عجزهم عن الحصول على أساسيات العيش

السودانيون يتظاهرون للتخلص من حكومة البشير

صورة

كان من المفروض أن يظهر عهد جديد في السودان، ففي العام الماضي عمدت الولايات المتحدة إلى إنهاء العقوبات التي استمرت عقدين من الزمن، والتي كان الرئيس عمر البشير يحملها مسؤولية الوضع الاقتصادي البائس في بلاده، ناهيك عن حالة العزلة التي كانت تعيشها هذه الدولة، وهي خطوة كانت تعد بدخول استثمارات جديدة إلى البلاد، وربما إيجاد نهضة اقتصادية أيضاً. لكن البشير أوقف دعم الوقود والخبز، بإيعاز من الدائنين العالميين، الأمر الذي أدى إلى اندلاع التظاهرات في البلاد.

وخلال الأسبوع المنصرم، تصاعد الغضب العارم الذي تراكم على مدى 30 عاماً من الإحباط والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية، وأسفر عن تظاهرات غاضبة، انتشرت إلى درجة يمكن أن تؤدي إلى إطاحة حكومة البشير العسكرية، أو على الأقل تشكل تحدياً خطيراً لشرعيتها.

ودخلت السودان الأسبوع الثالث من التظاهرات، وهناك المزيد أيضاً خلال الفترة المقبلة، بما فيها الخروج بتظاهرة حاشدة نحو القصر الرئاسي، وهو مجمع قام الصينيون ببنائه، وتم تدشينه قبل ثلاث سنوات.

وقامت السلطات باعتقال 14 شخصاً من قادة تحالف قوى الإجماع الوطني، وهو تحالف للمعارضة. وعمدت الحكومة إلى قطع خدمات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى إغلاق المدارس والجامعات في العاصمة الخرطوم، في محاولة على ما يبدو لثني الناس عن الانضمام إلى الاحتجاجات.

وقال الناشط في المنظمة غير الحكومية المعروفة باسم «العدل لإفريقيا»، حافظ إسماعيل محمد: «النظام في حالة رعب، لم أره مرعوباً على هذا النحو من قبل».

وبدأت التظاهرات بصورة عفوية ودون قادة على ما يبدو، وفق محمد، لكن الآن أصبحوا ينظمون أنفسهم في حركة احتجاجية. وقالت متحدثة باسم الحكومة إنها ستعلق على التظاهرات، لكن على الرغم من الاتصالات المتكررة معها، فإنها لم ترد على أحد.

وتحدث البعض عن وجود مئات من الأشخاص يصطفون في طوابير طويلة، من أجل شراء الخبز، أو سحب مبلغ صغير من المال، أو أخذ رواتبهم من الصراف الآلي، أو أنهم ينامون في سياراتهم لأكثر من يومين، للحصول على الوقود.

ارتفاع التضخم

وتزايد التضخم على نحو كبير، ووصل إلى معدل 70%، في شهر ديسمبر الماضي، وفق معلومات حكومية، حيث إن السودانيين العاديين لم يعودوا قادرين على إنفاق المال على اللحم أو الفول. وينفق بعض السودانيين الآن 40% من رواتبهم على شراء الخبر فقط، حسبما ذكر محمد.

ويتمتع السودان بتاريخ طويل من الهبّات الشعبية في الشوارع، نجم عن اثنتين منها إطاحة الحكومة في حينها. وشهدت البلاد احتجاجات نتيجة ارتفاع سعر الوقود والخبز عام 2013، وبداية عام 2018، لكن تم احتواؤها إلى حد كبير في العاصمة، وإخمادها من قبل القوات الأمنية. لكن هذه المرة، بدأت الاحتجاجات في مدينة عطبرة في شرق البلاد، وهي مركز سابق نشط في مقاومة الاستعمار، وداعم للنقابات. وقال البرفيسور، زكريا مامبيلي، الأستاذ في جامعة فاسار الأميركية ومؤلف كتاب «انتفاضة إفريقيا: احتجاجات شعبية وتغير سياسي»، معلقاً: «يواجه نظام البشير أزمة شرعية منذ زمن بعيد».

رفع العقوبات

وفي العام الماضي، جاء رفع العقوبات عن السودان، بعد أن قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن إدارته ترى أن الحكومة السودانية حققت تقدماً كبيراً في عدد من القضايا، بما فيها مقاومة الإرهاب. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن الحكومة السودانية توقفت عن الهجمات ضد المدنيين، وقامت بتحسين سلوكها في ما يتعلق بالسماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المناطق المضطربة، مثل دارفور، حيث تواجه حكومة البشير اتهامات بارتكاب مجازر، راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، حيث بدأت أعمال القتل هذه عام 2003.

وقالت واشنطن إن السودان توقف عن أنشطته المثيرة للاضطرابات في دولة جنوب السودان، التي انفصلت عن السودان، وأصبحت دولة مستقلة عام 2011.

لكن واشنطن لاتزال تضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما يعني أنه لن يتم منحها ميزة الإعفاء من الديون، التي تعتبر السبب الرئيس وراء التدهور الاقتصادي في الدولة.

وفي يوليو الماضي، أرسل صندوق النقد الدولي فريقاً إلى الخرطوم، وبدأت السودان سلسلة من الإصلاحات وإجراءات التقشف امتثالاً لتوصيات الصندوق، بما فيها إزالة الدعم للمواد الغذائية والوقود، بهدف دعم الاقتصاد لمحاربة التضخم الكبير، ونقص العملة الصعبة. ومع ذلك لم يوافق الصندوق حتى الآن على منح السودان قرضاً مالياً، وإنما وافق على تقديم المساعدات التقنية. وقال مامبيلي «اعتقدوا أنه يمكنهم معالجة الأزمة الاقتصادية، لكنهم لم يتوقعوا ردة الفعل السياسية»، الناجمة عن إجراءات التقشف.

وكانت هذه الإجراءات، التي وضعها صندوق النقد والبنك الدوليان مصممة لتخفيف المعاناة الاقتصادية، وفق ما قاله أحمد سليمان، الخبير في فرع القرن الإفريقي لدار تشاتهام، وهي مؤسسة أبحاث شؤون خارجية مقرها لندن. وأضاف سليمان «لكن على المدى القصير، كانت هذه الإجراءات صعبة ومؤذية. وكان رفع الدعم يهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي والشركات، لكن ذلك لم يحدث».

ولايزال السودان يعاني قرار انفصال جنوب السودان، آخذاً معه 75% من مخزون النفط السوداني. وحتى لحظة هذا الانفصال كان النفط يشكل نحو نصف عائدات البلاد، كما قال سليمان، و90% من الصادرات.

ولكن العديد من السودانيين يقولون إن المشكلة الكبرى تكمن في حكومة البشير، التي لاتزال في السلطة منذ الانقلاب العسكري عام 1989، ولم تعمل على تقديم أي استثمارات تذكر في البنية التحتية، وإن كانت قد وعدت ببناء متحف يؤرخ للتأثيرات السيئة للعقوبات الأميركية.

ويذهب 7% من الميزانية الوطنية إلى القطاع الصحي على سبيل المثال، مقارنة بـ75% تذهب إلى الدفاع، والأمن ورواتب وامتيازات كبار الموظفين، كما يقول محمد، من منظمة العدل لإفريقيا. وعمدت النخبة في السودان إلى سرقة الكثير من الثروة الوطنية أيضاً، وأضاف أن المسؤولين الحكوميين نفوا هذه التهمة سابقاً. وقال محمد «النظام ليست لديه القدرة على وقف الاحتجاجات عن طريق إجراء إصلاح اقتصادي، لأن تركيبة الاقتصاد فاسدة جداً، لدرجة أنه ليست لديهم فكرة لإدارته. لقد اصطدم النظام في الحائط، وهم عاجزون عن معرفة ما الذي ينبغي فعله».

كيميكو دو فريتاس - تامورا : كاتبة من أسرة تحرير «نيويورك تايمز»

- العديد من السودانيين يقولون إن المشكلة الكبرى تكمن في حكومة البشير، التي

لم تعمل على تقديم أي استثمارات تذكر في البنية التحتية، وإن كانت

قد وعدت ببناء متحف يؤرخ للتأثيرات السيئة للعقوبات الأميركية.

- لايزال السودان يعاني قرار انفصال الجنوب، آخذاً معه 75% من مخزون

النفط السوداني. وحتى لحظة هذا الانفصال كان النفط يشكل نحو نصف

عائدات البلاد، و90% من الصادرات.

7 %

من الميزانية الوطنية

تذهب إلى القطاع

الصحي، مقارنة

بـ75% تذهب إلى

الدفاع، والأمن

ورواتب وامتيازات

كبار الموظفين.

طباعة