من أجل التخلّص من العقوبات الأميركية

دول أجنبية ومؤسسات عالمية توظّف جمــاعات ضغـط وثيقـة الصلة بترامب

صورة

مساء أحد أيام يوليو الماضي، تجمّع المسؤولون والمقرّبون من إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من بينهم المحامي الشخصي للرئيس، رودولف جولياني، لحضور حفل على قمة فندق هاي آدامز المطل على البيت الأبيض، يضم عرضاً قصيراً عن جمهورية الكونغو الديمقراطية، قدّمه مبعوث الكونغو الخاص للولايات المتحدة. ووصفت رقعة الدعوة حفل الاستقبال بأنه فرصة لمعرفة المزيد عن «الدور الذي تلعبه إفريقيا في مدّ أميركا بالمعادن المهمة، مثل الكوبالت»، ومناقشة «العلاقات الاستراتيجية» بين الولايات المتحدة ودول إفريقيا.

في الواقع، كان الاستقبال جزءاً من حملة علاقات عامة بقيمة ثمانية ملايين دولار أميركي في محاولة لتهدئة مخاوف الإدارة الأميركية حول الرئيس الكونغولي، جوزيف كابيلا، الذي يواجه تهديدات بفرض عقوبات إضافية عليه من إدارة ترامب، تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد.

كان حفل الكوكتيل الفخم أحد الأمثلة على صناعة التأثير على واشنطن، فكلما سعت إدارة ترامب على نحو متزايد لفرض عقوبات وقيود على السفر والرسوم الجمركية، لمعاقبة حكومات أجنبية وأفراد أجانب وشركات، كلما أصبحت مثل هذه التدابير أهدافاً للضغط تمارسه شركات العلاقات العامة.

ويمكن أن تنطوي أنشطة الضغوط على مخاطر تتعلق بالسمعة والقانون، لأن العملاء غالباً ما يأتون بقضايا من هذا القبيل، وتمنع وزارة الخزانة الأميركية التعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات، ونتيجة لذلك، فإن حملات العلاقات العامة تتضمن بعضاً من أعلى الرسوم التي يفرضها قطاع صناعة التأثير. وتذهب أكبر الدفعات إلى جماعات الضغط والمحامين والمستشارين الذين لهم صلات مباشرة مع ترامب أو إدارته. ويقول المحامي البارز في واشنطن، إيرش فيراري، إنه حاول أن يثني عملاء محتملين عن معالجة قضايا كهذه، ويضيف «غالباً ما يسمع الناس في الخارج أن شخصاً معيناً يستطيع مساعدتهم، ويستطيع إجراء مكالمة لحل مشكلتهم».

إنه تصوّر يناسب عقلية «أعبث وأدفع» التي تحدد ملامح السياسة في أجزاء كثيرة من إفريقيا وآسيا، والشرق الأوسط، والدول السوفيتية السابقة. ومع استهداف العقوبات الأميركية للسياسيين والمديرين التنفيذيين في تلك المناطق بصورة متزايدة، يسعى هؤلاء إلى اتباع هذا النهج، مدعومين بمبالغ ضخمة من المال، يستطيعون بها المناورة في واشنطن، حسبما يقول أعضاء جماعات الضغط ومسؤولون حكوميون سابقون. ويقولون إن ما يشجعهم على ذلك هو الرغبة الجارفة لترامب وفريقه في عقد صفقات بشأن الإعفاءات من عقوبات وتعرفات. وقد عملت الإدارات السابقة على فصل السياسة عن تلك العمليات، التي يفترض أن يشرف عليها في المقام الأول مسؤولون محترفون وتحكمها تحليلات قانونية صارمة.

في يونيو، وبعد تدخل شخصي من ترامب، ألغت وزارة التجارة العقوبات التي كان يمكن أن تشل شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة «زد تي إي»، حيث استطاعت هذه الشركة الإفلات من العقوبات من خلال حملة ضغط مكثفة استمرت ثلاثة أشهر تكلفت 1.4 مليون دولار. وساعدت حملة ضغط بقيمة 108 آلاف و500 دولار في الشهر، على تأخير فرض عقوبات ضد تكتل صناعي يمتلكه الملياردير الروسي، أوليغ ديريباسكا. وكان من بين قادة جهود الضغط لمصلحة شركتي «زد تي إي» وديريباسكا، المساعد السابق في حملة ترامب الانتخابية، براين لانزا، الذي يحافظ على روابط وثيقة مع مسؤولي الإدارة.

وقد وقّعت شركته، ميركوري للشؤون العامة، صفقات مع عملاء آخرين يواجهون إجراءات عقابية من جانب حكومة الولايات المتحدة، من بينها شركة أميركية تابعة لـ«هيك فيجن»، وهي شركة تملكها الحكومة الصينية. ودفعت الشركة لفريق ميركوري، بما في ذلك لانزا نفسه، مبلغاً بدأ من 70 ألف دولار شهرياً، للضغط من أجل تمرير فاتورة إنفاق عسكري. ويحظر مشروع قانون على حكومة الولايات المتحدة شراء منتجات مراقبة بالفيديو صنعتها بعض الشركات الصينية، بما في ذلك شركات مثل «هيك فيجن» و«زد تي إي» و«هواوي»، التي ألقي القبض على رئيستها المالية في كندا بناءً على طلب من حكومة الولايات المتحدة، على ما يبدو للاشتباه في انتهاك العقوبات ضد إيران.

تلميع الصورة

وسعى الرئيس السابق لأوكرانيا، فيكتور يانوكوفيتش، الذي تعرض لعقوبات في عام 2014، لتنظيم حملة لتلميع صورته من خلال شركات قانون وضغط ضليعة في هذا المجال، بما في ذلك شركة غرينبرغ تراوريج. ومن بين جماعات الضغط الأخرى المرتبطة بترامب، الذي حصل على عقود كبيرة لرفع عقوبات وتعرفات، هو براين بالارد، أحد كبار جامعي الأموال لحملة ترامب واللجنة الوطنية للجمهوريين. وكانت شركته قد وقعت عقداً بقيمة 125 ألف دولار شهرياً في أغسطس 2017 لتمثل بنك «هالكبانك» المملوك للحكومة التركية، والذي يعمل على تجنب العقوبات بسبب دوره في صفقة بمليارات الدولارات انتهكت العقوبات المفروضة على إيران.

ثم هناك المحامي آلان ديرشويتز، الذي وجه انتقاداً للمحقق الخاص في مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، ما جعله محبباً لدى ترامب. لكن ديرشويتز له أيضاً تاريخ طويل في تمثيل العملاء في الأمور القانونية الخاصة بدول أجنبية وأشخاص أجانب، بما في ذلك العقوبات.

تقديم النصيحة

ويقدم ديرشويتز النصح إلى الملياردير الإسرائيلي، دان جيرتلر، الذي كان هدفاً لعقوبات من قبل واشنطن العام الماضي لاستخدامه صلاته مع كابيلا، لتسهيل ما وصفته وزارة الخزانة بأنها «صفقات تعدين ونفط فاسدة وغامضة». وقد وصف ديرشويتز، جيرتلر بأنه «شخص جيد جداً»، وهو «مستهدف في المقام الأول بسبب تصرفات أشخاص آخرين». وفي حين أن ترامب قد دعا ديرشويتز إلى البيت الأبيض لمناقشة قضايا الشرق الأوسط في مناسبات عدة، قال ديرشويتز إنه لم يستخدم نفوذه لدى اللوبي لمصلحة جيرتلر. إن «محاصرة أثر قضية مثل هذه»، كما قال، دفعت حكومة كابيلا إلى استقطاب خبراء استشاريين قدّموا أنفسهم على أنهم وسطاء يستطيعون الوصول إلى أعلى مستويات الإدارة.

ودفعت حكومة كابيلا مبلغ ثمانية ملايين دولار إلى وسيطها الأمني، وهي شركة إسرائيلية تدعى «مير» لأنظمة الأمن والاتصالات، لتوظيف جماعات ضغط أميركية. ودفعت «مير» 500 ألف دولار في أبريل 2017 إلى شركة ألستون آند بيرد، وهي شركة تابعة لعضو مجلس الشيوخ السابق، بوب دول. وأشار فريق دول إلى أنه يمكنه تأمين اجتماع بين كابيلا وترامب، وفقاً لأشخاص على دراية بالعلاقة. ولكن لم يحدث اللقاء أبداً، وأنهت «مير» العقد من الباطن بشيء من الإحباط. وشرعت «مير» في استثمار ملايين أخرى في شركات الضغط والعلاقات العامة ذات المستويات الأقل، لكن لديها روابط وثيقة مع فريق ترامب.

توزيع المال

وتفيد الملفات بأن «مير» دفعت مبلغ 360 ألف دولار إلى مسؤول الارتباط السابق في الكونغرس في حملة ترامب، عدنان جليل، و250 ألف دولار إلى شركة نانسي ميلر، زوجة مستشار حملة ترامب، ورئيس «سي آي إيه» السابق، جيمس وولسي جونيور، و680 ألف دولار إلى شركة الممثل السابق روبرت ليفينغستون، وهو من أوائل مؤيدي ترامب، و598 ألف دولار إلى شركة براين جليغليش، الذي مثل حلفاء ترامب مثل شبكة «بريتبارت نيوز»، و«رش ليمبوغ».

ووافقت «مير» أيضاً على دفع مبلغ 1.25 مليون دولار لشركة روبرت ستريك، التي عملت مع مسؤولي حملة ترامب، لتنظيم حدث هاي آدامز واجتماعات مبعوث كابيلا الخاص إلى الولايات المتحدة. كما وقعت شركة «ستوريك»، وهي مجموعة سونوران للسياسات، عقداً بقيمة 100 ألف دولار شهرياً في أغسطس لتمثيل الصومال، في طلبها لزيادة المساعدات العسكرية وإزالتها من قائمة حظر السفر الخاصة بها. وسُجّلت سونوران كمقاول من الباطن لمكتب محاماة للضغط من أجل رفع الحظر عن تاجر أسلحة صربي شهير، تعرض لعقوبات لبيع الأسلحة إلى ليبيريا.

وفي الوقت الذي كان يتم فيه تنظيم حفل الاستقبال الكونغولي، كانت إدارة ترامب والمجتمع الدولي يضغطان على كابيلا ليتنحى، جزئياً عن طريق التخويف بأن حلفاءه قد يواجهون عقوبات إضافية. لم يقتصر الأمر على اتهامه بالقمع العنيف للمعارضة ونهب الملايين، بل بتجاوزه حدود الولاية الدستورية التي يقرها دستور بلاده والمحددة بعامين تقريباً.


دفعت حكومة كابيلا مبلغ ثمانية ملايين دولار إلى وسيطها الأمني، وهي شركة إسرائيلية تدعى «مير» لأنظمة الأمن والاتصالات، لتوظيف جماعات ضغط أميركية. ودفعت «مير» 500 ألف دولار في أبريل 2017 إلى شركة ألستون آند بيرد، وهي شركة تابعة لعضو مجلس الشيوخ السابق، بوب دول. وأشار فريق دول إلى أنه يمكنه تأمين اجتماع بين كابيلا وترامب، وفقاً لأشخاص على دراية بالعلاقة، ولكن لم يحدث اللقاء أبداً.

سعى الرئيس السابق لأوكرانيا، فيكتور يانوكوفيتش، الذي تعرّض لعقوبات في عام 2014، لتنظيم حملة لتلميع صورته من خلال شركات قانون وضغط ضليعة في هذا المجال، بما في ذلك شركة غرينبرغ تراوريج.

جولياني الوسيط

وقف المسؤولون الكونغوليون في حفل الاستقبال بجانب جولياني لالتقاط الصور، وبعد ذلك كان هناك بعض الالتباس حول علاقته بجهود الضغوط.

وصرح السفير الكونغولي لدى الولايات المتحدة، فرانسوا بالوموين، في مقابلة أجريت معه في سبتمبر، أن بلاده تعمل مع جولياني لتحديد موقف الإدارة الأميركية من الانتخابات الرئاسية المقبلة التي دعا إليها كابيلا لتجنب العقوبات المحتملة. وقال بالوموين: «ما أعرفه هو أن جولياني يستطيع أن يخبرنا كيف نمضي قدماً». ويقول جولياني إنه لا يعمل كوسيط بين جمهورية الكونغو الديمقراطية والإدارة. وفي مقابلة في سبتمبر، قال في البداية إنه جاء الى حفل الاستقبال لمدة نصف ساعة ليرحب بالحضور، وصرح لاحقاً أنه حضر، جزئياً، لأنه كان مهتماً باستكشاف الفرص التجارية، مضيفاً: «لقد أردنا دائماً رؤية ما يدور في إفريقيا». وقال أحد الأشخاص المطلعين على شؤون أعمال جولياني إن إحدى شركاته كانت تتفاوض في الآونة الأخيرة على صفقة استشارية للعمل في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وربما عن طريق شركة «مير».

وفي رسائل نصية قبل أيام، قال جولياني: «إذا قمت بذلك، فسيكون ذلك مجرد استشارات أمنية»، مشابهة لما يفعله في الدول الأخرى، وليس لأغراض الضغط. «ليس من الواضح ما إذا كان للضغط الذي أشرفت عليه «مير» تأثير كبير، كما أن عقوداً عدة من الباطن بين «مير» وجماعات ضغط مرتبطة بترامب قد انتهى سريانها.

وبعد أقل من شهر من حدث هاي آدامز، أعلن كابيلا أنه لن يسعى إلى الحصول على فترة ثالثة في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها هذا الشهر. ومنذ تصريح كابيلا لم تفرض الولايات المتحدة عقوبات إضافية على بلاده، وهي نتيجة يعتبرها أعضاء اللوبي بأنها انتصار لمساعيهم. وفي أكتوبر، وقعت «مير» عقداً جديداً بقيمة 200 ألف دولار مع شركة علاقات عامة تدعى سانيتاس انترناشيونال، شارك في تأسيسها أحد كبار مستشاري حملة ترامب الذي عمل في إدارة الرئيس جورج بوش، وهو كريستوفر هارفين.

وتسعى الشركة إلى التوضيح، على وسائل الإعلام، أن كابيلا يعتزم في الواقع التنحّي وعقد انتخابات حرة ونزيهة.

طباعة