لا تختلف جولة نوفمبر كثيراً عن سابقاتها

وقف إطلاق النار في غزة لا يحل مشكلات القطاع

صورة

إنها هدنة جديدة بين إسرائيل وحركة «حماس» «بالتفاهمات نفسها» في جولات العنف السابقة. لقد بدأ هذا الأمر بعملية إسرائيلية فاشلة في جنوب قطاع غزة، وتم اكتشاف فريق النخبة عن طريق الخطأ من قبل ناشط محلي من «حماس»، والذي تسبب في سلسلة من الأحداث التي أدت إلى قيام الطرفين بحملة عسكرية شاملة، وبعد أن أطلقت الحركة أكثر من 500 صاروخ على جنوب إسرائيل، اجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي سبع ساعات، حيث ورد أن بنيامين نتنياهو «حبس جميع الوزراء داخل الغرفة» لمنع الاقتتال السياسي عبر وسائل الإعلام. وقد اتخذ قرار وقف إطلاق النار دون تصويت، وأصدر مكتب رئيس الوزراء بياناً قيل إنه اتخذ بالإجماع. على الفور، نفى رئيسا حزبين من اليمين المتطرف هذا التصريح، وبعد ذلك بوقت قصير أعلن أحدهما، وهو وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، استقالته بسبب «سياسة الحكومة الضعيفة تجاه (حماس)»، و«الخسارة الكلية لاستراتيجية» الردع.

هذا السيناريو الظاهر للعيان، الذي يجعل مراقباً عرضياً في غزة يتوقع سقوطاً وشيكاً للحكومة إلاسرائيلية، يعكس الواقع الأعمق وتوازن القوى بين القوة الإقليمية الإسرائيلية والحركة الفلسطينية غير الحكومية، فمنذ الانقلاب العنيف عام 2006، واجهت «حماس» بشكل أساسي سياسة إسرائيلية متسقة - عبر حكومات عدة - صممت لإسقاط حكمها في القطاع عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية. قاومت «حماس» الاستراتيجية الإسرائيلية باستخدام وسائل مختلفة، بما في ذلك حفر الأنفاق إلى سيناء وإسرائيل، وجولات عدة من المفاوضات مع مصر، وكذلك مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، بينما تركز بشكل مستمر ومنظم على بناء قوة رادعة، خصوصاً منصات الصواريخ. اندلع القتال المكثف على نطاق واسع في ثلاث فترات: 2008 و2012 و2014، وانتهى في كل مرة بـ«تفاهمات» غير رسمية، تركزت أساساً على تخفيف الحصار الاقتصادي المفروض على غزة مقابل «هدوء» قسري.

ظاهرياً، لا تختلف جولة نوفمبر كثيراً عن سابقاتها، ومع ذلك فقد تغير الكثير. التطور الأهم هو في المجال الاجتماعي والاقتصادي، فقد غرق سكان غزة في أزمة إنسانية شاملة، ولم تعد «حماس» قادرة على تحمل الوضع الراهن. الغريب أن التدهور السريع في الأوضاع هو نتيجة لسياسات إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، مع تنسيق كامل بين الأولى والثانية، بينما الأخيرة تعمل بشكل مستقل. لقد خفضت واشنطن التمويل إلى الوكالة الإنسانية الرئيسية (أونروا)، وقررت تل أبيب حجب عائدات الضرائب التي تجمعها للسلطة الفلسطينية بناءً على اتفاقيات أوسلو. من جانبها، زادت السلطة الفلسطينية من الضغط على «حماس» في غزة، في محاولة لاستعادة موطئ قدم على الأرض، كما انزعجت من احتمال إبرام «صفقة القرن» التي يرعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأنها تمنح غزة درجة من الاستقلال على حساب الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية.

توجيه الغضب نحو «حماس»من ثم، بدأ أهالي غزة الذين يعانون ضائقة مالية خانقة واليأس المتزايد، وشُح فرص العمل، في صبّ جام غضبهم نحو حكومة «حماس»، التي حاولت بدورها توجيه الانفعال العاطفي نحو الأسوار التي تفصل غزة عن إسرائيل. تم نقل عشرات الآلاف إلى مناطق تظاهرة محددة كل يوم جمعة، وارتفع مستوى العنف والإصابات والجرحى. لقد أطلقت الحركة حملة حرق بدائية لكن ناجحة، باستخدام بالونات الهيليوم والطائرات الورقية، ما تسبب في إتلاف مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة على الجانب الإسرائيلي، وحولت حياة مئات الآلاف من المدنيين إلى كابوس دائم.

ويبدو أن الاهتمام العالمي، الذي انجرف بعيداً عن غزة والقضية الفلسطينية عموماً، قد انبعث من جديد. وقد ضاعفت مصر ودول أخرى والممثل الخاص للأمم المتحدة جهود الوساطة. للمرة الأولى، أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو عن رغبتها في التوصل إلى اتفاق أوسع مع «منظمة (حماس) الإرهابية»، كما تصفها البيانات الرسمية الإسرائيلية. كان المنطق الرئيس الذي أُثير للتحول المحتمل في السياسة هو الحاجة إلى تركيز جميع الجهود العسكرية على الجبهة الشمالية، وبالتحديد مواجهة تواجد إيران العسكري في سورية.

قبل فترة طويلة من استقالة ليبرمان، شهدت الحكومة الحالية عملية تفكك، حيث تبادل الوزراء الرئيسون الاتهامات القاسية استعداداً للانتخابات المقبلة. ويواجه نتنياهو نفسه اتهامات جنائية شبه مؤكدة في حالات عدة، وهو في أمس الحاجة إلى تحقيق أقصى قدر من الاستقرار على حدود إسرائيل.

العنف الأخير والقصير انتهى سريعاً من الناحية العسكرية، لكن تداعياته السياسية بدأت للتو. يُظهر الجناح اليميني إشارات جديدة بعدم الرضا عن نتنياهو، وبدأت تحالفات جديدة بين أعضاء الائتلاف وبعض المعارضين، من أجل مناقشة حكومة محتملة تخلف حكومة نتنياهو. لم يتم حتى مناقشة أي من المشكلات الأساسية في غزة، ناهيك بحلها، خلال الأشهر الأخيرة. وقد أتاح ضخ القليل من السيولة النقدية والديزل في تحسين إمدادات الكهرباء وتقديم مساعدات إلى سكان القطاع. لم يتم الوفاء بشروط وقف إطلاق النار على المدى الطويل، وظلت الظروف العامة هشة للغاية. ومع توقع إجراء انتخابات مبكرة في إسرائيل في النصف الأول من عام 2019، فإن غزة وإسرائيل على موعد مع جولة عنف جديدة قريباً.

إيرن غتزيون محلل سياسي وخبير استراتيجي


الجناح اليميني يُظهر إشارات جديدة بعدم الرضا عن نتنياهو، وبدأت تحالفات بين أعضاء الائتلاف وبعض المعارضين لمناقشة حكومة محتملة تخلف حكومة نتنياهو.

لم يتم الوفاء بشروط وقف إطلاق النار بين اسرائيل و«حماس» على المدى الطويل، وظلت الظروف العامة هشة للغاية

طباعة