تجاهل المناطق المتعثرة وتعامل مع شعبه بـ«غطرسة»

احتجاجات «السترات الصفراء» صرخـة في وجه ماكرون

تسعى الحكومة الفرنسية لإقناع شعبها بأن التدابير التي أعلن عنها الرئيس إيمانويل ماكرون تستجيب لمطالب «السترات الصفراء»، فيما أعلن العديد من المحتجين عن خيبة أملهم وعزمهم على مواصلة حركتهم.

كما تترقب السلطات الفرنسية توجهات الرأي العام التي تعتبر أساسية لمسار الأزمة، في ظل تحركات احتجاجية تفتقر إلى أي تنظيم مركزي، وتجمع العديد من الشرائح الاجتماعية والمطالب.

وبعد إنهاء ماكرون كلمته، أعلن العديد من المحتجين عزمهم على الاستمرار في قطع الطرقات وإقامة السواتر ولاسيما عند المستديرات، ودعوا إلى «فصل خامس» من التعبئة السبت في جميع أنحاء فرنسا، ليكون خامس يوم سبت على التوالي يشهد تحركات على المستوى الوطني منذ انطلاق الحركة في 17 نوفمبر.

وتسعى الدولة لتفادي وقوع تجاوزات خطيرة جديدة كالتي شهدها يوما السبت السابقين، وحذر ماكرون في هذا الصدد من أن «أعمال العنف غير المقبولة (...) لن تحظى بأي تساهل».

وحملت هذه التجاوزات الشرطة على اتخاذ تدابير غير مسبوقة في فرنسا. وتم اعتقال 4523 شخصاً منذ أول تظاهرة لـ«السترات الصفراء»، وضع 4099 منهم قيد التوقيف رهن التحقيق.

وعلق خبير التواصل السياسي فيليب مورو شوفروليه أن «إعلانات عدة تبدو مفبركة خصيصاً لهدف موضوعي»، مضيفاً أنه «بعد أربعة أسابيع من معركتهم، بات أصحاب السترات الصفراء راسخون في المشهد السياسي. وربما بشكل دائم. هذا التأخر في رد الفعل خطأ سياسي كبير». وقدمت الكلمة البالغة مدتها 13 دقيقة والتي سجلت مسبقا في قصر الإليزيه على أنها حاسمة للرئيس ولقدرته على إعادة إحياء ولايته بالتغلب على الأزمة السياسية الأخطر منذ وصوله إلى السلطة.

ثورة

إن ما بدأ كمعارضة لضريبة الكربون المصممة لكبح تغير المناخ تحول إلى ثورة الطبقة العاملة ضد ماكرون، الذي يواجه الآن أول اختبار رئيسي لرئاسته بعد أن تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

لكن التركيز المتزايد على الرئيس الفرنسي وصورته النخبوية يشير إلى انقسامات أعمق في فرنسا تتجاوز حدود الاحتجاجات ويمكن أن تصبح سمة مميزة للمعارضة مع تراجع شعبية ماكرون. وترددت هتافات «ماكرون.. قدم استقالتك» على طول جادة الشانزليزيه، يوم السبت، إذ وصفه المحتجون بأنه «رئيس للأغنياء».

ومن اللافت للنظر أن بعض هؤلاء الموجودين ضمن الحشود قد دعموا حملة ماكرون في 2017؛ لكنهم يقولون إنهم يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة من خلال أجندة تهتم بحماية المصالح الاقتصادية للنخبة. وفي بلجيكا المجاورة، تبنت الاحتجاجات المناهضة للحكومة الزي الرسمي الأصفر نفسه، يوم السبت، خلال المواجهات مع شرطة مكافحة الشغب بالقرب من مقر الاتحاد الأوروبي. وفي باريس، وصلت الاحتجاجات إلى مستوى من العنف لم يسبق له مثيل منذ انتفاضات الطلاب في عام 1968، إذ كسر المتظاهرون نوافذ المتاجر في أنحاء العاصمة وخربوا المعالم الوطنية، بما في ذلك قوس النصر، وهو رمز مهم من رموز الجمهورية الفرنسية.

غضب اجتماعي

ويبدو أن حركة الاحتجاج أصبحت تمثل غضبا اجتماعيا عميق الجذور له علاقة بماكرون أكثر من ارتباطه بأي سياسة معينة. معظم المتظاهرين من الفرنسيين البيض والعديد منهم من المقاطعات، وهم يتقاسمون القلق حول القوة الشرائية المتراجعة وما يرون أنه أسلوب ماكرون غير المقبول. وعلى عكس الولايات المتحدة، توفر فرنسا لمواطنيها باقة سخية من الخدمات الاجتماعية، ولكن متوسط الراتب الوطني يظل عند 23 ألف دولار سنوياً، وفي بعض الأحيان مع رسوم إضافية للدفع، وفقاً لأحدث الإحصاءات، وحتى إذا كان النظام الصحي في البلاد، على سبيل المثال، مجانياً إلى حد كبير، فإن المواطن العادي لا يتمتع بمستوى مرتفع من الدخل.

وعلى النقيض من ذلك، فإن متوسط الدخل الشخصي في الولايات المتحدة أعلى بقليل، ولكن من دون مزايا حكومية كبيرة. تم تصوير ماكرون بشكل متكرر على أنه لا يشعر بالأشخاص الذين يعانون في فرنسا. وكان أحد تعليماته الأولى هو خفض ضريبة الثروة الفرنسية، والاحتفاظ بضريبة ثابتة على مكاسب رأس المال. وتقول سيفرين فوشير، «لم نعد نحصل على ثمار عملنا». وتتقاضى العاملة الفرنسية وزوجها نحو 2300 دولار شهرياً لدعم عائلة مكونة من خمسة أفراد، وهذا لا يكفي، رغم أن كلا الزوجين يعمل ما لا يقل عن 55 ساعة في الأسبوع.

إهانة العمال

بالنسبة للمصرفية السابقة، كورين ليتوندور، (55 عاماً)، فإن ماكرون قد أهان العمال مرات عدة، «إنه مهتم بالأثرياء فقط» متابعة «بالنسبة إلى الناس البسطاء، لا يوجد شيء للقيام به إلا الاحتجاج». وقالت إنها صوتت لمصلحة المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية في 2017 وستفعل ذلك مرة أخرى. ولكن لم يكن هذا هو المظهر السياسي لكل من تجمعوا في الشانزليزيه يوم السبت.

تقول كاثرين فان مايكل، وهي كاتبة متقاعدة، إنها صوتت بفخر لماكرون في عام 2017. وتتابع الكاتبة البالغة من العمر 66 عاماً، «أشعر بالخداع الحقيقي الآن»، وهي تقف إلى الخلف، بعيداً عن الحشود الغاضبة، «هناك غطرسة حقيقية. لم أر قط رئيساً مثل هذا».

كما كان الحال في العديد من مسيرات السترات الصفراء السابقة، كان الحشد في باريس، يوم السبت، من البيض. وعلى الرغم من أن المجتمعات الريفية والإقليمية في فرنسا أقل تنوعاً بكثير من مدنها، فإن العديد من مجتمعات الأقليات يعانون، أيضاً، اجتماعياً واقتصادياً، لكنهم لم يشاركوا كثيراً في التظاهرات الأخيرة.

مقارنات

وقد أدت الاحتجاجات الصاعدة إلى إجراء مقارنات فورية مع احتجاجات أكبر في أكتوبر ونوفمبر 2005، عندما احتج العديد من المواطنين الفرنسيين الشباب من أصول شمال إفريقية وإفريقية على ما اعتبروه «وحشية رجال شرطة بدافع عنصري» في ضواحي باريس وأماكن أخرى. وعلى الرغم من أن أعمال الشغب هذه لم تكن في وسط باريس، فإنها شهدت المزيد من العنف والاعتقالات والرد الحكومي القوي، بما في ذلك «حالة الطوارئ» الرسمية.

واحتج نحو 290 ألف شخص في مطلع الأسبوع الأول من التظاهرات خلال الشهر الماضي، وكان أقل من نصف هذا العدد قد خرج إلى الشوارع في نهاية الأسبوع الماضي، حتى إن تظاهرات السبت العنيف قامت بها حشود صغيرة. وفي المساء، قالت وزارة الداخلية إن نحو 125 ألف شخص انضموا إلى الاحتجاجات في أنحاء فرنسا، مع ما يقرب من 10 آلاف متظاهر في باريس.

ومع ذلك، فإن صور المصادمات العنيفة قد أثارت الانتباه في جميع أنحاء العالم. وكتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على «تويتر» معلقاً، «احتجاجات وأعمال شغب في جميع أنحاء فرنسا»، زاعماً أن التظاهرات تعكس رفضاً لإجراءات تغير المناخ العالمية.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

جيمس مكولي : مراسل واشنطن بوست وكاتب متخصص في السياسية والثقافة الفرنسية والأوروبية

طباعة