مواجهة نفوذ الصين في المحــــيط الهادئ تتطـلّب تنسـيقاً بـين واشنطن وحلـــــفائها - الإمارات اليوم

بلدان المنطقة بحاجة إلى الدعم الاقتصادي

مواجهة نفوذ الصين في المحــــيط الهادئ تتطـلّب تنسـيقاً بـين واشنطن وحلـــــفائها

صورة

في استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية، التي نُشرت في يناير، أعلنت واشنطن عن عودة التنافس بين القوى العظمى، ووصفت الصين بأنها «منافس استراتيجي»، ودعت إلى «منطقة حرة في المحيط الهادي». وعلى الرغم من هذه التطورات الخطابية، تبقى الأسئلة العالقة المحيطة بمشاركة إدارة الرئيس، دونالد ترامب، العرضية مع بلدان المنطقة، وفشلها في التنسيق مع الحلفاء حول القضايا الرئيسة، وعدم كفاية الموارد لمبادرات خارج المجال العسكري.

ستكون هذه المخاوف في ذهن العديد من القادة الذين سيجتمعون في سنغافورة من أجل قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (أسيان)، ومؤتمرات قمة شرق آسيا، ثم في بابوا غينيا الجديدة، في المنتدى الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ «أيبك» هذه الأيام. الغائب بشكل واضح عن الاجتماعات هو الرئيس الأميركي، الذي اختار بدلاً من ذلك أن يرسل نائبه مايك بنس. في المقابل يستضيف الرئيس الصيني، شي جين بينغ، اجتماعاً مع قادة الدول الجزرية في المحيط الهادئ في بابوا غينيا الجديدة قبل اجتماع «أييك».

على الرغم من غياب ترامب، إلا أن الولايات المتحدة والحلفاء الإقليميين الرئيسين شددوا في النهاية تركيزهم على المنافسة الاستراتيجية مع الصين، من أجل التأثير في جنوب المحيط الهادئ. وعبر البلدان الجزرية في جنوب المحيط الهادئ، تعمل واشنطن عن كثب مع أستراليا واليابان ونيوزيلندا، وتنفق موارد كبيرة. ومع غياب المزيد من التنسيق والالتزام، من غير المرجح أن تساعد الجهود الأولية لهذه الاستراتيجية الناشئة في المنطقة في إزالة القلق بشأن حضور بكين المتنامي.

منطقة حيوية

لا تحتل الدول الجزرية في جنوب المحيط الهادئ سوى مساحة صغيرة من الأرض في محيط شاسع، ومع ذلك فهي ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، ولاسيما أستراليا ونيوزيلندا واليابان. ولجميع هذه البلدان مصلحة في ضمان أن يكون الوصول التجاري والعسكري عبر المحيط الهادئ حراً ومن دون عوائق، وحرمان قوة معادية محتملة من القدرة على إظهار القوة ضدها، وتوسيع المؤسسات الديمقراطية والمعايير الليبرالية.

وخلال السنوات الماضية، عززت الصين نشاطها عبر المحيط الهادئ، ما زاد من مساعداتها واستثماراتها الخارجية. ومما لاشك فيه أن دول المحيط الهادئ مهتمة أكثر بأموال بكين الكثيرة، واستعدادها للالتزام بمشروعات إنمائية رئيسة بشروط قليلة. وبطبيعة الحال، ينبغي الترحيب بالاستثمارات التي تلبي الاحتياجات المحلية وتدعم النمو المحلي. ولكن في حالات كثيرة جداً، في جنوب المحيط وفي أماكن أخرى، فإن الاستثمار الصيني مبهم بشكل مزعج، ويقوض السيادة الوطنية، ويفضل استخراج الموارد على حساب المجتمعات المحلية. وعلاوة على ذلك، خصوصاً في جنوب الهادئ، غالباً ما جلب الاستثمار الصيني معه التدهور البيئي والفساد والجريمة وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية، بما في ذلك أماكن صيد الأسماك.

لسوء الحظ، تم تنفيذ الكثير من هذا النشاط الصيني على خلفية الإهمال الإقليمي من قبل واشنطن وحلفائها. لقد خفضت أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة المساعدات إلى المنطقة على مدى العقد الماضي، وركزت اهتمامها في أماكن أخرى من العالم.

الحلفاء يتقدمون

هناك علامات واضحة على أن هذا الإهمال ينتهي، ففي يوليو أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن تقديم 113 مليون دولار من التمويل الجديد لتوسيع المشاركة الاقتصادية في منطقة المحيط الهادئ، وفي سبتمبر التزمت واشنطن بالانضمام إلى مؤسسة البنية التحتية الإقليمية في المحيط الهادئ، وهي مركز يقدم المساعدة التقنية والأبحاث حول قضايا البنية التحتية في البلدان الجزرية، من أﺟﻞ تحسين وﺗﻨﺴﻴﻖ المساعدات اﻟﺴﻨﻮﻳﺔ التي تزيد على 350 ﻣﻠﻴﻮن دوﻻر. كما أنشأ الكونغرس، أخيراً، وكالة الاستخدام الأفضل لقيادة الاستثمار، بقيمة 60 مليار دولار لتحفيز الاستثمارات في القطاع الخاص، وتقديم بديل عالي الجودة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، بالإضافة إلى ذلك قدم الكونغرس مشروع قانون، رغم أنه لم يتم تمريره، من شأنه تخصيص أكثر من 7.5 مليارات دولار من التمويل الجديد على مدار السنوات الخمس المقبلة.

وفي غضون ذلك، التزمت اليابان بتعزيز استثمارات البنية التحتية عالية المستوى وذات التأثير العالي، في جنوب شرق آسيا، من خلال الشراكة مع الحلفاء. كما عززت طوكيو استثماراتها ومعوناتها وشراكاتها مع جزر المحيط الهادئ، وبناء مركز لمراقبة تغير المناخ في ساموا، وعززت وجودها الدبلوماسي الإقليمي، ووسعت التبادلات بين الأفراد، وزيادة عدد الوفود التجارية التي ترسلها إلى المنطقة.

كما وضعت نيوزيلندا المساعدة إلى جيرانها في المحيط الهادئ على رأس أولوياتها. في الربيع الماضي، أشارت رئيسة الوزراء، جاسيندا أرديرن، إلى مبادرة «إعادة ضبط المحيط الهادئ»، التي أطلقتها حكومتها، معلنةً عن زيادة في ميزانية الشؤون الخارجية بقيمة 498 مليون دولار على مدى السنوات الأربع المقبلة.

وأنفقت ويلينغتون أكثر من 1.6 مليار دولار على طائرات «بوسيدون»، الأمر الذي سيعزز قدراتها في الدوريات البحرية، وسيعزز قدرتها على مساعدة الدول الجزرية في المحيط الهادئ خلال الكوارث.

أكثر إثارة

لكن ربما كانت أكثر المبادرات إثارة هي خطاب رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، الأسبوع الماضي، وبعد أن أعلن الأخير فصلاً جديداً في العلاقات بين أستراليا وبلدان المحيط الهادئ، أكد أن كانبيرا تريد «إعادة المحيط الهادي إلى حيث يجب أن تكون، على رأس أولويات الاستراتيجية الأسترالية». وتعهد موريسون «بتقديم ملياري دولار أسترالي (1.4 مليار دولار) لمشروعات البنية التحتية الإقليمية، ومليار دولار أسترالي (719 مليون دولار) للشركات الأسترالية العاملة في الهادئ. كما وعد بزيادة الوجود العسكري الأسترالي في المنطقة، وإنشاء قاعدة بحرية مشتركة في جزيرة مانوس، وعقد اجتماعات سنوية بين قوات الدفاع والشرطة وقوات الحدود، وإرسال بعثات دبلوماسية جديدة إلى جزر كوك وبولينيزيا الفرنسية وجزر مارشال ونيوي وبالاو. وتأتي هذه الخطوات في أعقاب دعوات حزب العمال المعارض إلى تجديد التركيز على منطقة المحيط الهادئ، ما يوحي بأن هذه الإجراءات ستتمتع بدعم الحزبين.

• 1.6 مليار دولار أنفقتها نيوزيلندا لتعزيز قدراتها في الدوريات البحرية.

• دول المحيط الهادئ مهتمة أكثر بأموال بكين، واستعدادها للالتزام بمشروعات إنمائية رئيسة بشروط قليلة.

• الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون شددوا تركيزهم على المنافسة الاستراتيجية مع الصين، من أجل التأثير في جنوب المحيط الهادئ.

الطريق إلى الأمام

تُظهر التحركات الأخيرة تركيز الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين على التحديات الاستراتيجية، واستعدادهم لتخصيص المزيد من الموارد، لفهمهم أن المنافسة الاستراتيجية تتطلب منح الدول الجزرية في المحيط الهادئ حلولاً قابلة للتطبيق، وفرصاً جذابة للتنمية المستدامة. وإذا ما أخذت هذه المبادرات مجتمعة، فإنها تبدو الآن جهوداً منسقة لتحالف دولي لديه طريقة تفكير واحدة، ويعمل لتحقيق هدف مشترك. إنها مجرد بداية. هناك أطراف متعددة مهتمة، بما في ذلك فرنسا والهند وكوريا الجنوبية وتايوان والمملكة المتحدة، والتي يمكنها أيضاً أن تختار العمل معاً بشكل أوثق في المنطقة.

لدى الولايات المتحدة فرصة لتقود الطريق لدمج هذه الجهود، يجب أن يبدأ التنسيق الأفضل مع حلفائها بمشاركة مستمرة. وكما أكد وزير الخارجية النيوزيلندي، وينستون بيترز، في مارس: «نحن بحاجة إلى تجميع طاقاتنا ومواردنا بشكل أفضل للحفاظ على تأثيرنا النسبي».

ومن شبه المستحيل حالياً الحصول على صورة شاملة للإجراءات التي تتخذها كل حكومة، ناهيك عن فهم مجموع جهودها. وينبغي أن يبدأ التنسيق بتحديد الجهود الجارية، وتعديل التداخل، وتحديد الأولويات في ما بينها، وتحديد أي الدول أفضل تجهيزاً لأنواع البعثات.

التنسيق يتطلب تعاونا يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة، سيكون تعيين سفير أميركي في منطقة المحيط الهادئ أبسط طريقة لتحقيق ذلك. ينبغي على واشنطن أن تحدد شخصاً له خبرة طويلة في المنطقة، وخبرة في الاقتصاد والتمويل، وتفويضاً من الكونغرس والبيت الأبيض للعب هذا الدور.

يتعين على واشنطن، أيضاً، إنفاق المزيد على المنطقة. بعد خفض ميزانيات وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومؤسسة السلام، ويجب على البيت الأبيض والكونغرس تعزيز التمويل وإضافة مواقع دعم جديدة عبر المحيط الهادئ. علاوة على ذلك، وبعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، ستُتاح لمجلس النواب، الذي يتزعمه الحزب الديمقراطي، الفرصة لإعادة تأكيد التزامه بالأمن القومي، من خلال زيادة تمويل منطقة المحيط الهادئ، بشكل كبير.

إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في إنفاق المزيد، فيمكنها أن تحث الآخرين على فعل الشيء نفسه. ومن شأن تشجيع الدول الأخرى ذات التفكير المماثل، في مؤتمرات القمة، أن يساعد في تحقيق هذا المسعى. ولابد أن يكون التركيز منصبّاً على تحديد أفضل السبل لتنفيذ المشروعات المطلوبة، والحد من الفقر وتعزيز دور المؤسسات. ربما تكون أفضل طريقة لتحقيق هذه الأهداف هي وكالة شبيهة بـ«مؤسسة تحدي الألفية الأميركية»، التي توفر متابعة ومساءلة الدول المانحة والمتلقية، على حد سواء، من خلال الاختيار التنافسي للمشروعات والرقابة المالية الشفافة.

كما يتعين على الولايات المتحدة أن تُدرك أن قلقها إزاء المحاولات الصينية لتوسيع نفوذها في المنطقة ليس بالضرورة شاغلاً رئيساً لبلدان المحيط الهادئ. صحيح أن عدداً متزايداً من دول المحيط الهادئ تستاء من الأنشطة الصينية، لكن هذا يمكن أن يتم تقبله بسهولة على أنه أنشطة لأي قوة خارجية في المنطقة. الدرس هنا هو التعامل مع التحدي الاستراتيجي من خلال السعي لكسب الثقة. هذا مجال مُواتٍ لمشاركة القطاع الخاص في أميركا التي تحركها السوق، وتفي بمعايير عالية للسلامة، وتحرك النمو بدلاً من موازنة البلدان ذات الديون المرهقة.

وأخيراً، عندما تفكر واشنطن في تحركها بالمحيط الهادئ، يجب عليها أن تفكر في الوقت نفسه في كل من الاستراتيجية والجغرافيا. قد يكون الانتباه للمحيط الهادئ متأخراً، لكن لا يمكن أن يأتي على حساب شمال شرق أو جنوب شرق آسيا. من الناحية العملية، يعني هذا مزجاً للاهتمامات الأمنية الإقليمية والفرص الاقتصادية.

ويجري بالفعل بذل كثير من الجهود لإبقاء المنطقة حرة ومفتوحة. ويتمثل التحدي في أن واشنطن وحلفاءها يقومون بها من دون تنسيق كافٍ، أو تحديد الأولويات، أو اعتبار الميزة النسبية. ولكن مع الالتزام القوي بتجميع الموارد والعمل بشكل جماعي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لديهم القدرة على توفير ثقل موازن حقيقي للصين، وفرص عديدة للتنمية المستدامة في المنطقة.

شارلز إيدل - باحث وكاتب سياسي

طباعة