سورية غير آمنة من أجل عودة اللاجئين - الإمارات اليوم

نتيجة ضعف البنية التحتية والدمار

سورية غير آمنة من أجل عودة اللاجئين

صورة

في أحد الأيام قابلت عائلة سورية في جزيرة يونانية، أوضحت لي المعضلة التي يواجهها اللاجئون السوريون، فقد وصلت هذه العائلة قبل يوم من لقائي مع أفرادها، وكانوا لايزالون يصطفون في طابور طويل كي يتم تخصيص مكان لإقامتهم، و تحدثت مع الوالد عن أوضاع العائلة، وبعد المجاملات تحول الحديث عن تاريخ العائلة، وقال الوالد إنهم من شمال سورية وإنهم غادروا بلادهم قبل شهر من لقائي معهم.

وعندما سألته عن سبب مغادرتهم لبلدهم قال «كنت أعيش في مدينتي عندما بدأت الحرب، وقامت قوات النظام بقصف المدينة، ولذلك هربنا إلى أخرى، ولكنها تعرضت للقصف أيضاً فهربنا إلى أخرى، وقام تنظيم (داعش) باحتلالها»، وأتذكر كيف كان ينظر إليّ وتعابير وجهه تبدو مرهقة تماماً، فقد عانى الأمرين من الهرب مرات عدة.

وبعد نحو سبع سنوات من الحرب تقسمت سورية إلى أشلاء، وتقول تقديرات البنك الدولي إن سورية خسرت في الفترة ما بين 2011 و2016 نحو 226 مليار دولار من إجمالي ناتجها المحلي، وتقول الأمم المتحدة إن نحو 11 مليون سوري تشردوا من بيوتهم منهم ستة ملايين مهجرون داخلياً، في حين أن نحو خمسة ملايين خارج الدولة، ووصل نحو مليون سوري إلى أوروبا، ويبدو مستوى التدمير والتهجير فظيعاً إلى درجة جعلت الأمم المتحدة تصف المأساة السورية بأنها أسوأ كارثة من صنع الإنسان تحدث بعد الحرب العالمية الثانية.

دعوات بعودة المهاجرين

ومع سيطرة نظام الرئيس بشار الأسد على أغلبية الأراضي السورية، تتزايد الدعوات المنادية بعودة المهاجرين السوريين، وفي 29 سبتمبر قال وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، إنه حان الوقت للاجئين السوريين للعودة إلى وطنهم، وكرّر هذه الدعوات الرئيس اللبناني ميشيل عون، وكذلك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي تحدث عن قيادة روسيا لجهود إعادة اللاجئين السوريين.

ويتعين على الولايات المتحدة مواجهة التلاعب الروسي باللاجئين السوريين، والعمل مع المجتمع الدولي لمنع أي تحرك نحو إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم قسراً.

وعلى الرغم من الحملة الروسية المضللة بشأن اللاجئين، إلا أن الواقع يقول إن سورية ليست آمنة بما يكفي لعودتهم، وقال المفوض الأعلى للاجئين في الأمم المتحدة فيليبو فراندي، في مارس الماضي، إنه من المبكر مناقشة عودة اللاجئين لأن الوضع لايزال غير مستقر.

وذكر تقرير منظمة الصحة العالمية في عام 2017 أن نصف مستشفيات الدولة وعياداتها ومراكزها الصحية، إما تعمل بصورة جزئية أو أنها مدمرة تماماً، وقدر برنامج الغذاء العالمي في أغسطس 2018 أن 6.5 ملايين سوري عاجزون عن تأمين حاجاتهم من الطعام، كما أن أربعة ملايين يعيشون تحت الخطر، وقالت دراسة مشتركة قام بها المجلس النرويجي للاجئين، ومنظمة أنقذوا الأطفال، ولجنة الإنقاذ العالمية، وأطراف أخرى، إنه أمام كل لاجئ عاد إلى سورية عام 2017، غادر ثلاثة منها، وبالطبع فإن مغادرة آلاف اللاجئين لبلدهم، إضافة إلى الافتقار إلى المصادر الأساسية يجعل من العودة بأعداد كبيرة مسألة غير منطقية.

وهناك من اللاجئين السوريين الذين يخشون انتقام النظام منهم عند عودتهم، وقالت دراسة أجراها معهد كارنيجي الشرق الأوسط، إن العديد من السوريين يخشون العودة إلى وطنهم خوفاً من بطش النظام، في حين أن آخرين قالوا إنهم يخشون التجنيد الإجباري، وثمة من يقول إن هروب السوريين من بلدهم بأعداد كبيرة يستغله النظام لإحداث تغييرات ديموغرافية في سورية.

وينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الاستمرار في رفض الضغوط الروسية والإقليمية لإعادة اللاجئين السوريين حتى تسمح الظروف على الأرض بعودتهم الطوعية والآمنة، وفي واقع الأمر فإن روسيا عاجزة عن تمويل إعادة إعمار سورية، ولذلك فإنها بحاجة إلى المساعدة الأميركية والأوروبية لإعادة اعمار الدولة السورية، وتستغل روسيا الضجر العالمي من أزمة اللاجئين باعتبارها ورقتها المناسبة لتطبيع الأسد والتملص من فاتورة الحرب التي ساعدت في تأجيجها، وينبغي على الولايات المتحدة استغلال تعطش الروس والنظام للتمويل الدولي كوسيلة ضغط نحو تحريك العملية السياسية في الأمم المتحدة التي تهدف إلى انهاء الصراع.

وهناك قوانين في الكونغرس تدعو إلى عدم دعم النظام، ويحظر على الولايات المتحدة تقديم مساعدات إعادة الإعمار، وبصورة مشابهة وافقت لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس في سبتمبر الماضي على قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، الذي يعاقب الأطراف التي تساعد النظام للتربح من إعادة اعمار الدولة.

إعادة الأعمار

وعلى الرغم من أن البعض يقول إن رفض المساعدة في إعادة إعمار الدولة السورية من شأنه إطالة أمد الأزمة الإنسانية، إلا أن النظام السوري أثبت أنه شريك غير موثوق في توزيع المساعدات الدولية الموجودة حالياً، وعلى سبيل المثال، يستخدم النظام السوري استثمارات إعادة النظام لمكافأة الموالين له في حين يستغل مساعدات الأمم المتحدة الإنسانية لدعم نظامه على حساب المحتاجين.

ونظراً إلى أن سورية ليست آمنة بالنسبة لعودة اللاجئين السوريين الى الوطن، يصبح السؤال المطروح هنا، ما الذي يتعين على الولايات المتحدة القيام به كي تواجه التضليل الروسي ومساعدة حلفاء أميركا؟ من أجل عودة إنسانية وطوعية للاجئين السوريين إلى بلدهم، يجب على الولايات المتحدة التأكيد على المرحلة الانتقالية السياسية التي تضمن حقوق وممتلكات هؤلاء الذين سيعودون، وللضغط على النظام وتشجيع القيام بمرحلة انتقالية، ويجب على أميركا وحلفائها إبقاء العقوبات على النظام ورفض المساهمة في جهود إعادة البناء في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري.

ولاتزال الأزمة السورية تمثل أحد أهم التحديات في زمننا، كما أنها أسوأ كارثة إنسانية في القرن الـ21، ويمكن أن يزيد المجتمع الدولي هذه الأزمة سوءاً إذا عمد إلى دعم برنامج إعادة خادعة للاجئين السوريين إلى بلادهم، لأن ذلك من شأنه مضاعفة البؤس الذي يعيشه الأبرياء الذين أجبروا على الفرار من بلدهم نتيجة هذا الصراع.

وأمّا السؤال الذي طرحه والد العائلة السابقة، عندما قال «أين يمكن أن نذهب بعد أن جربنا أماكن عدة؟» لا ينبغي أن تكون الإجابة عنه بـ«إلى حيث المستبدين الذين يحرمونكم حقوقكم وأملاككم».

جاستن روي كاتب أميركي عمل مع منظمات غير حكومية في اليونان وكرواتيا


قالت دراسة أجراها معهد كارنيجي الشرق الأوسط إن العديد من السوريين يخشون العودة إلى وطنهم خوفاً من بطش النظام، في حين أن آخرين قالوا إنهم يخشون التجنيد الإجباري، وثمة من يقول إن هروب السوريين من بلدهم بأعداد كبيرة يستغله النظام لإحداث تغييرات ديموغرافية في سورية.

على الرغم من أن البعض يقول إن رفض المساعدة في إعادة إعمار الدولة السورية من شأنه إطالة أمد الأزمة الإنسانية، إلا أن النظام السوري أثبت أنه شريك غير موثوق في توزيع المساعدات الدولية الموجودة حالياً.

طباعة