«النازيون الجدد» يسعون إلى اختراق حزب ترامب «بلا هوادة» - الإمارات اليوم

«هوية يوروبا» تكسب أرضاً جديدة كل يوم

«النازيون الجدد» يسعون إلى اختراق حزب ترامب «بلا هوادة»

صورة

شهدت الحملات الانتخابية لمرشحي الحزب الجمهوري، خلال الفترة السابقة لانعقاد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، ظهوراً لافتاً لجماعات النازيين الجدد واليمين المتطرف، وفي صدارتها جماعة «هوية يوروبا»، التي لم يُبدِ قادتها أي تردد في إعلان معتقداتهم العنصرية، وسعيهم لاختراق الحزب الجمهوري، بالإضافة إلى دعمهم القاطع لسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه المهاجرين، وحرية التجارة، وعدائهم المعلن لليبراليين والأقليات والأجانب.

عقيدة «التطرف العنصري»

تعد «هوية يوروبا» IDENTITY EVROPA منظمة نازية أميركية تأسست في مارس 2016، حيث تؤمن هذه المنظمة بتفوق القومية البيضاء على بقية القوميات والأعراق، ويشيد أعضاؤها دوماً بألمانيا النازية، ويدعون صراحة إلى «جعل أميركا نازية»، ويرفعون رايات الصليب المعقوف، لذا تم تصنيفها من قِبَل رابطة مكافحة التشهير ومركز قانون الفقر الجنوبي أميركي بأنها «مجموعة كراهية».

كما تدعي هذه المنظمة أنها تهدف إلى الحفاظ على «الهُوية الأميركية البيضاء، والترويج للثقافة الأوروبية البيضاء»، وتؤكد دائماً أن أميركا قد تم تأسيسها من قبل البيض لخدمة البيض، ولم يكن القصد منها أن تكون مجتمعاً متعدد الأعراق أو متعدد الثقافات، وقد تأسست على يد «ناثان داميغو»، وهو من قدامى المحاربين في حرب العراق، كما قضى خمس سنوات في السجن لسرقة رجل يُعتقد أنه عراقي، وتم إطلاق سراحه في عام 2014، وقاد لفترة وجيزة الجبهة الوطنية للشباب في حزب الحرية الأميركي العنصري، وبعد حل الجبهة قام بتشكيل هذه المنظمة في 2016.

وتحاول هذه الحركة الابتعاد عن الأحداث، التي يُمكن أن تشوه صورتهم وتضعهم في مشكلة قانونية، لاسيما بعد مسيرة «توحيد اليمين» في «شارلوتسفيل»، التي شاركوا فيها وتسببت في اندلاع أعمال شغب. وفي إطار سعيهم لتحسين صورتهم، استقال «ناثان داميغو» في أغسطس 2017 دون توضيح أسباب، وعُيِّن مكانه «إليوت كلاين»، الذي لم يستمر سوى ثلاثة أشهر، واستقال نتيجة وجود «اختلافات غير قابلة للتسوية»، حسب ما أعلنوا، ثم تولى بعده «باتريك كيسي» منذ نوفمبر 2017 حتى الآن.

وتقوم المنظمة بنشر أفكارها والدعاية لها عبر الإنترنت، لاسيما من خلال صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، مع توزيع المطبوعات والملصقات واللافتات، خصوصاً في حرم الجامعات لتجنيد الشباب.

وتتخذ المنظمة من مقولة «لن تحل محلنا» شعاراً رسميّاً لها، وقد اختارت المنظمة «لوغو» لها عبارة عن عين تنين زرقاء أو بيضاء، وهو رمز أوروبي قديم يمثل الخيار بين الخير والشر. كما تستعمل المنظمة صور تماثيل أوروبية قديمة في حملاتها الدعائية، وعادة تكون هذه الصور مصحوبة برسائل قومية عرقية، مثل: «مصيرنا لنا»، «مستقبلنا يخصنا»، «فقط يمكننا أن نكون نحن»، «دعونا نصبح عظماء مرة أخرى»، «اخدم شعبك»، و«احمِ تراثك».

وهو ما يعكس أحد أبرز معتقدات المنظمة، الذي يتمثل في أنه ما لم يتم اتخاذ إجراءات فورية ضد الآخر غير الأميركي وغير الأبيض، فإن العرق الأبيض محكوم عليه بالانقراض بسبب تزايد أعداد الملونين في أميركا بمن فيهم اليهود، حيث سبق أن صرح مؤسس المنظمة، ناثان داميغو، بأن «قوة ونفوذ اليهود كانت لها تأثيرات سلبية غير عادية في الشعوب الأوروبية الأصل».

كذلك تتخذ المنظمة موقفاً معادياً للمسلمين والمهاجرين، حيث شاركت في العديد من الاحتجاجات ضدهم، رافعة شعارات: «أميركا أولاً» و«أنهوا الهجرة»، وفي محاولة لزيادة عدد المنضمين لها تحالفت المنظمة مع بعض الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا، بيد أنه في مارس 2018 شهدت المنظمة انخفاضاً حادّاً في العضوية نتيجة ردود الفعل الشعبية الواسعة النطاق، ضد النازية الجديدة والتفوق الأبيض منذ مسيرة شارلوتسفيل.

اختراق «الحزب الجمهوري»

يؤمن «باتريك كيسي»، وزملاؤه في المنظمة، بأن التنوع العرقي قد أضر بالبلاد، حيث أشارت المنظمة أكثر من مرة إلى أن العديد من الدراسات تؤكد أن التنوع العرقي ضار جدّاً بالتماسك الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي، وذلك على حد زعمهم، لذا فإن المنظمة تدعو إلى السماح للقوقازيين فقط بالهجرة إلى الولايات المتحدة، من أجل الحفاظ على «أغلبية عظمى بيضاء».

ومنذ تولي «باتريك كيسي» قيادة المنظمة، في نوفمبر 2017، سعى إلى تركيز نشاط المنظمة على الداخل، وتراجع قليلاً عن التعاون مع الجماعات القومية في الخارج، وذلك لتحسين صورة المنظمة لدى الرأي العام الأميركي، وفي هذا الإطار سعى بعض أعضاء المنظمة إلى محاولة الدخول للحزب الجمهوري، والتأثير في سياساته.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، حث «كيسي» أعضاء المنظمة على التوجه للجامعات والمدارس في مختلف الولايات الأميركية، والتقرب من شباب الحزب الجمهوري، وحضور اجتماعاتهم، والمشاركة في نواديهم، والتفاعل مع أنشطتهم ونقاشاتهم، ما يعني محاولتهم زرع أعضاء المنظمة وسط شباب الجامعات الجمهوريين، والتأثير في أفكارهم. فعلى سبيل المثال، تمكنوا من التأثير في «جايمس أولسوب» الرئيس السابق لجمعية «الطلاب الجمهوريين» في جامعة ولاية واشنطن، والذي تولى بعد ذلك منصب مسؤول مقاطعة منتخب للحزب الجمهوري في مقاطعة ويتمان بواشنطن، وهو ما اتضح من خلال آرائه التي أصبحت متطرفة ضد الأقليات، وقيامه ببناء نموذج لـ«جدار ترامب» داخل الحرم الجامعي.

وهو ما أدى إلى توبيخ قوي له من قبل بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين. وقد اعتبر «باتريك كيسي»، رئيس المنظمة، ما قام به «أولسوب» خطأ فادحاً، حيث عبر عن أفكاره بشكل علني، وأن ما يهم في الوقت الحالي هو حصول أعضاء المنظمة على مناصب داخل الحزب الجمهوري دون معارضة، وذلك على حد تعبيره.

ومن ثمّ، يتضح أن استراتيجية «كاسي» للولوج داخل الحزب الجمهوري تعتمد على تجنيد شباب الجامعات والمدارس، من خلال اتباع فلسفة قائمة على الاعتزاز بالهُوية الأميركية، والتأكيد عليهم أنهم أصحاب هوية Identitarians وليسوا عنصريين Racist، وعليهم أن يسعوا لاختراق الحزب الجمهوري وتولي مناصب داخله، دون الإعلان صراحة عن وجهات النظر المتطرفة التي تتبناها المنظمة حول المهاجرين وغير البيض، وإنكار انتمائهم لهذه المنظمة حتى لا يتم رفضهم.

احتمالات «اختطاف اليمين»

في أعقاب أحداث شارلوتسفيل، أصدر الحزب الجمهوري بياناً يتبرأ فيه من أعمال هذه المنظمة وغيرها، حيث أكد أن «المعتقدات العنصرية للنازيين الذين يميلون إلى التفوق الأبيض، وغيرها من الجماعات ذات العقلية المتشابهة، لا تتفق تماماً مع برنامج الحزب الجمهوري الذي ينص على أن جميع الأميركيين متساوون أمام القانون، وأن أجندتهم العنصرية ليس لها مكان في الولايات المتحدة»، ورغم ذلك فإن هذه المنظمة لاتزال تسعى بشكل مكثف لاختراق الحزب الجمهوري لتنفيذ أفكارها المتعلقة بالهجرة وتفوق العرق الأبيض.

كما تحاول استغلال السياق العام الاستقطابي، وتقوم بدعم الخطاب الإقصائي، مع تنظيم حملات دورية تدعو لبناء الجدار على الحدود الأميركية، ووقف الهجرة بكل أشكالها، مع استخدام مصطلحات تخاطب المشاعر القومية العنصرية، وتثير التخوفات العرقية. فعلى سبيل المثال، أشار «كاسي» في أحد خطاباته إلى «أنه من المتوقع بحلول عام 2045، أن يصبح البيض هم الأقلية».

من جانب آخر، تعتمد المنظمة على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، حيث يتابع صفحة المنظمة على «تويتر» أكثر من 30 ألف شخص، ويتم من خلال هذه الصفحة نشر أفكار المنظمة، وأشارت صحيفة «واشنطن بوست»، في أحد تقاريرها المنشورة في أكتوبر 2018، إلى أن المنظمة بدأت تعتمد على بعض الشبكات المؤيدة لليمين لترويج أفكارها.

وشهد نشاط المنظمة، في الفترة الأخيرة، تصاعداً مع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي التي جرت قبل أيام، رغبة في حصول الحزب الجمهوري على أكبر عدد ممكن من المقاعد، بيد أنه ثبت أن تأثير هذه المنظمة لايزال محدوداً، لاسيما أن العديد من الجمهوريين مستاؤون من هذه الآراء الشديدة التطرف والعنصرية، كما أن الحزب لا يرحب بالعنصرية العلنية، التي أسهمت في خسارته عدداً كبيراً من مؤيديه، وإن كانت برامج بعض المرشحين في انتخابات التجديد النصفي أظهرت تبنيهم خطاباً أكثر تشدداً، في ما يتعلق بالهجرة والأقليات، والتجارة الخارجية إلى درجة تقاربه مع خطاب اليمين المتطرف.


تحولات عميقة

على الرغم من التأثير التنظيمي المحدود لجماعات اليمين العنصري والنازيين الجدد على الحزب الجمهوري وعدم قدرتهم على الهيمنة عليه كمؤسسة، إلا أنهم تمكنوا بالفعل من إعادة هندسة العقائد السياسية السائدة بالحزب بحيث أصبح بعض أعضاء الحزب في انتخابات التجديد النصفي أكثر تشدداً في قضايا الهجرة والتجارة الخارجية والتعامل مع الأقليات، كما تم إدماج أفكار وأطروحات اليمين المتطرف ضمن الأجندة السياسية والبرامج الانتخابية للحزب الجمهوري وهو الأثر الذي سوف يتسبب في تحولات عميقة في بنية الحزب على المدى البعيد.

معظم المنتمين إلى منظمة «هوية يوروبا» لهم سوابق إجرامية، بمن فيهم مؤسس المنظمة نفسه، وكذلك الرئيس الحالي لها، وليس من المرجح أن يقبل الحزب الجمهوري بأن يضم داخله أعضاء لهم سوابق إجرامية.

تم الاعتماد، في استخلاص طريقة نطق المنظمة «يوروبا»، على تصريحات قادتها لوسائل الإعلام، وتغطية وسائل الإعلام الأميركية.

طباعة