اتفاقية كامــب ديفيـد.. نقمـة عـلــى الفلسطينيين ونعمة للإسرائيليين - الإمارات اليوم

قوى إقليمية ودولية لعبت دوراً مسانداً لإسرائيل

اتفاقية كامــب ديفيـد.. نقمـة عـلــى الفلسطينيين ونعمة للإسرائيليين

صورة

تجادل رواية دبلوماسية جديدة بأن آلية وترتيبات مفاوضات كامب ديفيد وما بعدها، حالت دون ظهور دولة فلسطينية على أرض الواقع، إلا أن زعماء مثل ياسر عرفات يتحملون الكثير من الوزر. وتعتبر اتفاقية كامب ديفيد مثالاً بارزاً للدبلوماسية الأميركية في أفضل حالاتها، فهي اتفاقية تاريخية استطاعت أن تنتج إطاراً لمعاهدة سلام مصرية إسرائيلية، وتمخض عنها أيضاً المبادئ التوجيهية للفترة الانتقالية الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني، ومفاوضات الوضع النهائي المستقبلي الذي كانت واشنطن تأمل من خلاله حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

كتاب سيث أنزيسكا الجديد بعنوان «تغييب دولة فلسطين: تاريخ سياسي من كامب ديفيد إلى أوسلو» يروي قصة مختلفة تماماً عما رواه الآخرون، فبدلاً من احتفائه باتفاقية كامب ديفيد، صورها على أنها مسؤولة إلى حد كبير عن حرمان الفلسطينيين تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم.

وبصرف النظر عن تفنيده للحكمة التي ترتكز عليها اتفاقية كامب ديفيد، فإن الرواية الشخصية للمؤلف تزيد من الاهتمام بالكتاب، فقد نشأ هذا الكاتب كمتشدد يهودي في الولايات المتحدة، وسافر إلى إسرائيل للدراسة في مدرسة دينية تُعرف باسم «ييشيفا» أو المدرسة الدينية، وذلك أثناء سنواته الدراسية بين المدرسة الثانوية والكلية. كانت «ييشيفا» في غوش عتصيون بالضفة الغربية، وبدأ أنزيسكا سنته الأولى في المدرسة في أغسطس 2001، في ذروة الانتفاضة الثانية. كانت الانتفاضة الثانية دموية -قُتل فيها 1100 إسرائيلي وما يقرب من 4000 فلسطيني، وهاجم تفجيريون فلسطينيون حافلات ومقاهي ومطاعم إسرائيلية، وغيرها من الأماكن العامة، وتسببت حملة القمع والإغلاق الإسرائيلية في رد فعل فلسطيني باهظ الثمن في الضفة الغربية.

وبالنسبة للإسرائيليين، فإن هذه الموجة من العنف الفلسطيني جاءت بعد أن كانت الحكومة تستعد لتقديم تنازلات بعيدة المدى من شأنها أن تضع الأساس للدولة الفلسطينية. لم يرفض زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، فقط هذه المقترحات في يوليو 2000، بل قال أيضاً «لا» للمعايير التي قدمها الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون، في ديسمبر من ذلك العام، وهي معايير تجاوزت ما اقترحه في ذلك الحين، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك، في تلك القمة. لقد لعبت، والحديث لروس، دوراً رئيساً في صياغة تلك المعايير التي قدمتها حكومة الولايات المتحدة على شكل اقتراح للتجسير، بناء على طلب المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين، وكنت حاضراً خلال الاجتماع بين عرفات وكلينتون عندما رفضها عرفات، ويبدو أن رفضه ولجوء الفلسطينيين للعنف جعل الإسرائيليين يعتقدون أنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام.

أوضاع فريدة

ما يجعل منظور أنزيسكا فريداً من نوعه هو أن وجوده في إسرائيل والضفة الغربية في هذا الوقت بالذات ولّد لديه شعوراً بالاستياء من أعمال العنف الفلسطينية وتعاطفه مع ما كان يشعر به الإسرائيليون، كما هي الحال مع العديد من زملائه، بالإضافة إلى ذلك، فقد وصف الصعوبات التي يتعرض لها الفلسطينيون وكيف أثرت فيه «كنا نمر عبر نقطة تفتيش كبيرة على مشارف بيت جالا، وهي مدينة فلسطينية مجاورة لبيت لحم، ونشاهد هناك دائماً طوابير طويلة من الفلسطينيين يجلسون في سياراتهم أو يقفون في مكان قريب، ينتظرون دورهم في المرور عبر النقطة، وعندما تتجاوز الحافلة النقطة كنت انظر إليهم من خلال نافذة الحافلة المضادة للرصاص، لم أشعر بالارتياح أبداً في تلك الرحلات المتكررة». لقد رأى ما أسماه الظروف الصعبة التي تحملها الفلسطينيون، وكيف كان ذلك يتناقض بشكل صارخ مع «وضع السكان اليهود الذين يعيشون أو يسافرون عبر الضفة الغربية».

لقد أزعجته هذه المفارقات وقادته في أعقاب سنينه في المدرسة الدينية إلى الاهتمام بشكل أكبر «بالطبيعة السياسية للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين». إن تعاطف أنزيسكا مع معاناة الفلسطينيين يعكس شيئاً عن إنسانيته ومحاولاته لفهم ما يدفع الفلسطينيين إلى القيام بأعمال عنف كبيرة، ويرى أن الصراع متجذّر في إنكار الحقوق الوطنية للفلسطينيين، ولهذا السبب، قرر التحقيق والتمحيص في أسباب انكار الحقوق الفلسطينية، ومتى بدأ هذا النكران.

بعد أن أصبح أكاديمياً، وحصل في نهاية المطاف على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا، اعتمد في دراسته في معظم هذا الكتاب، من بين أشياء أخرى، بشكل كبير على المواد الأرشيفية التي كانت تعتبر سرية من قبل، بعض هذه الوثائق كشف عنها علانية لأول مرة في كتابه، ومن المرجح أن يجدها العديد من القراء مثيرة للاهتمام، وكشف أنزيسكا عدداً من المذكرات التي كتبها في الثمانينات خلال إدارة الرئيس السابق، رونالد ريغان.

تشتمل الحجة الأساسية لأنزيسكا على أجزاء عدة: مهدت اتفاقية كامب ديفيد الطريق أمام رؤية اسرائيل للتوسع في الأراضي على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ تلك الرؤية التي كانت هي في الحقيقة من بنات أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، مناحيم بيغن، لم تسمح بالاستقلال الثقافي والوظيفي والاقتصادي المحدود للفلسطينيين كأفراد، بل حرمتهم أيضاً حقهم الجماعي في تقرير المصير والسيادة على الأرض في الضفة الغربية دون ضمها بشكل رسمي. وبإقصاء منظمة التحرير الفلسطينية عن العملية الدبلوماسية، في وقت كانت تتطور فيه وتهتم بالمشاركة، حرمت الفلسطينيين أن يكون لهم أي رأي في مستقبلهم، أو أن يكون لهم دولتهم الخاصة بهم، ما جعلهم يشعرون بإحباط عميق. أخيراً، يجادل أنزيسكا، أن عملية أوسلو للسلام في أوائل التسعينات ورثت البنية الهيكلية لاتفاقية كامب ديفيد -بشأن الاستقلال والفترة الانتقالية بدلاً من الدولة الحقيقية- وأفرزت السلطة الفلسطينية. لكن السلطة الفلسطينية ظلت عاجزة عن التأثير بشأن بناء المستوطنات الإسرائيلية وتوسعها، وهي أبعد ما تكون عن كونها دولة.

صورة مغايرة

وتجد هذه النقاط المعينة تعبيراً ثابتاً طوال الكتاب. من المثير للاهتمام أن صانعي السياسة الأميركيين في ذلك الوقت، بمن فيهم أنا، لم يؤمنوا بأن الصورة لم تكن بالطريقة التي صورها أنزيسكا. صحيح أن هيكل كامب ديفيد الذي أنشئ في عام 1978 من المفترض أن يؤثر في كل الجهود اللاحقة من مؤتمر مدريد في عام 1991 وحتى اتفاقية أوسلو لعام 1993، لكننا جميعاً، نحن الذين كنا نتفاوض على الاتفاقات، لم نلحظ أنها -أي الاتفاقات- تحرم الفلسطينيين حقوقهم.

إن انتقاد أنزيسكا الأساسي لكامب ديفيد وما تبعها من كوارث يتمثل في أن «هناك ميلاً لتقديس كامب ديفيد -حتى من قبل الرئيس جيمي كارتر نفسه- ما أدى إلى طمس النواقص الهيكلية لهذه المفاوضات المبكرة»، وبالنسبة إلى أنزيسكا، كانت تلك النواقص تتمحور حول معنى الحكم الذاتي وآثاره، ويجادل بأن التدابير ساعدت جميعها في ترسيخ ترتيبات غير ملائمة وطنياً ولا دستورياً للفلسطينيين.

والأهم من ذلك هو أن حقيقة اتفاقية كامب ديفيد ومحادثات الحكم الذاتي التي أفرزتها قد وضعت عقبات، كما يؤكد أنزيسكا، لتحد مما يمكن أن تنجزه اتفاقية أوسلو في الوقت الذي جاءت فيه في التسعينات، ويضيف «من خلال تكييف الحقوق السياسية الفلسطينية على أساس تعريف ضيق للحكم الذاتي ولا يمت الى الأرض بصلة، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، فإن المحادثات السابقة قوضت إمكانية تحقيق السيادة الفلسطينية قبل فترة طويلة من بدء عملية السلام في التسعينات».

ويلقي أنزيسكا اللوم في فشل اتفاقية أوسلو على الأخطاء التأسيسية التي ارتكبتها كامب ديفيد وما بعدها، ويجادل بأن كارتر أصبح يشغل نفسه بقضايا جسيمة على الصعيدين الإقليمي والدولي، مثل الثورة في إيران، وأزمة الرهائن، والغزو السوفييتي لأفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية، لقد حولوا انتباهه بعيداً عن متابعة «كامب ديفيد» ومحادثات الحكم الذاتي، ربما لعبت الانتخابات الرئاسية التي كانت تلوح في الأفق عام 1980 دوراً أكبر في حسابات كارتر في هذه المرحلة، وفقاً لما ذكره أنزيسكا. وأظهر تعيينه لروبرت شتراوس، وهو نصير قديم للحزب الديمقراطي، كأول مفاوض أميركي في محادثات الحكم الذاتي، وعياً بالحساسية السياسية للمفاوضات في هذا الوقت، لكن شتراوس كان في السابق مفاوضاً تجارياً ناجحاً، وكان كارتر يثق به. كما أن تعيين مسؤول سياسي ذكي لا يعني أنه غير راغب في معارضة موقف إسرائيل، كما يعتقد أنزيسكا، وعلى النقيض من ذلك، في مباحثاتي الأخيرة مع شتراوس حول محادثات الحكم الذاتي، لم يكن هناك أدنى شك في أنه ضغط على الإسرائيليين في بعض القضايا.

معارضة

بالنسبة للمصريين، يشير أنزيسكا، إلى أن الرئيس المصري أنور السادات عارض إقامة دولة فلسطينية لأنه كان مقتنعاً بأن منظمة التحرير الفلسطينية ستديرها، وأنها ستصبح دولة تابعة للاتحاد السوفييتي، وقد قام بتغيير اتجاهه في الحرب الباردة وعدل من تحالفه مع السوفييت لينشئ علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، بدءاً من حرب 1973 مع إسرائيل. علاوة على ذلك، كان السادات أكثر خداعاً، وأكثر قلقاً بشأن الحصول على شبه جزيرة سيناء مرة أخرى، والحصول على دعم اقتصادي جاد من واشنطن، وهو ما كان بحاجة ماسة إليه. ولا يشك أنزيسكا في أن السادات قد ضحى بالمصالح الفلسطينية حتى يتمكن من التوصل إلى اتفاق ثنائي مع إسرائيل.

- تكييف الحقوق السياسية الفلسطينية على أساس تعريف ضيق للحكم الذاتي ولا يمت إلى الواقع بصلة، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، أفشل المحادثات السابقة وقوض إمكانية تحقيق السيادة الفلسطينية.

- انتقاد أنزيسكا الأساسي لـ«كامب ديفيد» وما تبعها من كوارث يتمثل في أن «هناك ميلاً لتقديس كامب ديفيد ما أدى إلى طمس النواقص الهيكلية لهذه المفاوضات المبكرة».

دينيس روس:  قام بدور الوسيط في مساعدة الفلسطينيين والإسرائيليين للوصول إلى الاتفاق المؤقت عام 1995؛ كما توسط في اتفاقية الخليل عام 1997 وقام بتسهيل معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية.

طباعة