«أسرلة» التعليم في القدس..آلاف الطلاب الفلسطينيين مُجبرون عـلـى دراسة المناهج الإسرائيلية - الإمارات اليوم

%53 من المدارس تابعة للوزارة الإسرائيلية.. والبقية تعاني نقصاً حاداً في الإمكانات

«أسرلة» التعليم في القدس..آلاف الطلاب الفلسطينيين مُجبرون عـلـى دراسة المناهج الإسرائيلية

صورة

قبل بزوغ شمس اليوم الأول للعام الدراسي الجديد استعدّت (أم محمد العفيفي) من مدينة القدس لذهاب ابنيها إلى مدرستيهما، لكن عليها قبل أن تعد شطيرة الطعام وزجاجة الماء، أن تراجع القائمة الطويلة للكتب التي يجب أن يصطحبها ابنها وابنتها إلى مدرستيهما.

ففي القدس المحتلة تتنوّع المدارس، التي يدرس داخل فصولها ما يقارب 90 ألف طالب وطالبة، حسب مرجعيتها، حيث إن 47% منها تتبع لوزارة التربية والتعليم، وتشمل مدارس الأوقاف، وعددها 31 مدرسة، وتلك التي تتبع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وعددها سبع مدارس، وكذلك المدارس الخاصة التي تنقسم إلى قسمين، الأول لا يتلقى دعماً من بلدية الاحتلال، وعددها 12 مدرسة، فيما تتلقى 82 مدرسة خاصة دعماً من البلدية.

فيما تتولى وزارة المعارف الإسرائيلية الإشراف المباشر على 53% من مجمل مدارس قطاع التعليم في القدس، وعددها 70 مدرسة، بخلاف «مدارس المقاولات» التي تقدّم لها وزارة معارف الاحتلال الدعم الكافي للنهوض، وهي عبارة عن مدارس أُسّست على أيدي مجموعة عائلات، وتقوم فكرتها على استئجار مبانٍ سكنية في القدس، إذ يتلقى معلّموها رواتبهم من وزارة المعارف الإسرائيلية، وعددها 11 مدرسة.

هذه التقسيمات التي فرضتها إسرائيل أفرزت معاناة طويلة لقطاع التعليم في القدس، فالمدارس التي تتبع وزارة المعارف وبلدية الاحتلال لها مناهج خاصة، وإضافات وشروط على الكتب التي يدرسها الطلبة داخل فصولها، إضافة إلى فرض المناهج الإسرائيلية خلال العامين الدراسيين الماضي والحالي.

معركة الدراسة

بفعل تلك التقسيمات في مدارس القدس يخوض (محمد - 11 عاماً) و(ديمة - ثمانية أعوام)، طفلا (أم محمد العفيفي)، معركة تصفها برحلة عذاب يومية داخل المدارس الخاصة التي يدرس فيها (محمد) و(ديمة)، تلك المدارس التي تتلقى الدعم من دائرة المعارف الإسرائيلية، وفقاً لمرجعيات مدارس القدس التي تفرضها إسرائيل.

وتقول العفيفي، لـ«الإمارات اليوم»، بصوت مرتجف: «إن اضطرار أبنائي لتلقّي هذا المنهاج يجعلني في خوف مستمر على مستقبل ابني وابنتي، فمن جهة لا يمكن أن أسمح لأبنائي بتعلّم منهاج يشوّه وعيهم وقيمهم الوطنية التي أحاول أن أغرسها فيهم، ومن جهة أخرى لا توجد مدارس كافية بالقدس تابعة لوزارة التعليم الفلسطينية، لذلك أبذل جهداً كبيراً في إبعاد الصورة المشوّهة عن عقولهم».

وتشير إلى أن المدارس الخاصة يُفرض عليها تعليم الطلبة المقررات الدراسية وفقاً للمنهاج الإسرائيلي، كونها تتلقى الدعم من قبل وزارة المعارف، التي تشترط تعليم تلك المناهج مقابل توفير الإمكانات الكاملة لها.

وتوضح أن ابنها وابنتها يدرسان الكتاب الفلسطيني المحرّف الذي تُعاد طباعته من قبل سلطة التعليم الإسرائيلية في مطابع بلدية القدس التابعة للاحتلال، إذ يخضع للحذف والتشويه، فيُحذف العلم الفلسطيني ودروس وأبيات شعرية وفقرات وكلمات وأسئلة وآيات قرآنية ورموز وطنية، وكل ما يتحدث عن القضية الفلسطينية، والمستعمرات، وهجرة المستوطنين الإسرائيليين إلى فلسطين، والحواجز.

وتتابع (أم محمد) حديثها عن تحريف المناهج التي يدرسها طفلاها، فعلى سبيل المثال لا الحصر جرى في ص53 - الوحدة الرابعة - من كتاب التاريخ للصف التاسع الأساسي، حذف الدرس الأول جميعه الذي يتحدث عن «القضية الفلسطينية»، ومن كتاب اللغة العربية للصف الثالث الأساسي، ص20، حُذفت صورة الجندي الفلسطيني والعلم الفلسطيني من التعبير الشفوي، ومادة التربية الإسلامية أيضاً لم تسلم من الحذف، ففي ص22 من كتاب التربية الإسلامية للصف السادس الأساسي حُذفت الفقرة الرابعة والآية القرآنية التي تذكر «الجهاد».

وتضيف (أم محمد) أنه تم حذف النشيد الوطني الفلسطيني كاملاً من كتاب التربية الوطنية للصف الأول الأساسي، إضافة إلى كثير من المحذوفات التي استهدفت مواد اللغة العربية والتاريخ والتربية الإسلامية والتربية الوطنية.

المنهاج الإسرائيلي

وإذا كانت (أم محمد العفيفي) تخشى على طفليها من تحريف بعض المناهج التي يتعلمانها في مدرستيهما الخاصتين، فإن طلعت الكيلاني من بلدة بيت حنينا في القدس، يقع في حيرة من أمره، لأن ابنه (علي) يدرس وفقاً للمنهاج الإسرائيلي في الصف الخامس بمدرسة ابن خلدون التابعة لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية، كونها تقع في منطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

وفي الوقت ذاته لا يوجد لديه بديل سهل لإخراجه من تلك المدرسة وإلحاقه بمدارس أخرى تبعد أكثر من خمسة كيلومترات عن بلدته، إضافة إلى أن المدارس الأهلية أقساطها عالية، وأن تدريسها بعض المناهج يتم وفقاً للرؤية اليهودية.

فمع بداية العام الدراسي 2018 - ‏2019 أعلنت بلدية الاحتلال في القدس أن عدد الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون المنهاج الإسرائيلي بلغ 6800 طالب، يتوزّعون على 20 مدرسة في بلدات القدس، أكثرها في بيت حنينا، التي تضم خمس مدارس تدرس هذا المنهاج، تتبعها بلدة صور باهر، التي يدرس أبناؤها في أربع مدارس تتبع بلدية القدس التابعة للاحتلال، وهو ارتفاع بنسبة 14% عن العام الذي سبقه، أما في عام 2012، فقد كان عدد هؤلاء ما يقارب 1400 طالب فقط، ليسجل العام الجاري ارتفاعاً ملحوظاً بنحو أربعة أضعاف حصل خلال ست سنوات.

ويقول الكيلاني: «في البداية كنتُ أعتقد أن الوضع في المدارس التابعة للبلدية الإسرائيلية لا يختلف عن المدارس الأخرى، وعندما بدأت المواد الدراسية تختلف كلياً بالمضمون، بدأت أفكّر في نقل ابني إلى مدارس أخرى، لكنه ليس أمراً سهلاً، فالمدارس الفلسطينية التي تعاني ضائقة في الصفوف الدراسية تبعد مسافات طويلة عن بلدتنا، في ظل انتشار الحواجز وبوابات الجدار التي تعيق وتمنع تنقّل الطلبة».

ويعود والد الطفل علي الكيلاني ليستشعر خطورة المنهاج الإسرائيلي الذي يتلقاه ابنه، إذ يؤكد أن المنهاج الإسرائيلي الذي تعده سلطة التعليم الإسرائيلية للطلبة المقدسيين، هذا العام، يعزز الرواية الإسرائيلية.

ويقول والد الطالب (علي): «إن المنهاج الإسرائيلي يُبنى على مادتين محوريتين، الأولى تدرس في كتاب (الحياة معاً في إسرائيل)، والثانية في كتاب (أن نكون مواطنين في إسرائيل)، إذ تتضمن غالبية صفحاتهما دروساً تتحدث عن أن القدس عاصمة إسرائيل، وأن النشيد الوطني هو النشيد اليهودي (هتكفاه)، والقومية هي اليهودية، وعلم الدولة هو العلم الإسرائيلي، وشعارها هو الشمعدان اليهودي».

ويضيف أن «وزارة المعارف الإسرائيلية تحاول طمس اللغة العربية في المناهج التي تدرّسها للطلبة الفلسطينيين بالمدارس التابعة لها، من خلال احتواء المناهج على أخطاء لغوية وإحلال العامية محل اللغة الفصحى، وموضوعات النحو والصرف مهمّشة في المناهج، كما أنها تفتقر إلى كل ما يتعلق بجماليات اللغة العربية التي تحبّبها إلى المتلقين، خصوصاً الأطفال منهم، في محاولة واضحة لفرض (العبرية) محل (العربية)، وتشويه هوية الطالب المقدسي».

أداة لإحكام السيطرة

خطورة فرض المنهاج الإسرائيلي لا تقتصر على مستقبل الطلبة فقط، إذ ينظر الفلسطينيون إلى آثارها إلى ما أبعد من ذلك، ففرض المنهاج أداة لإحكام السيطرة على جهاز التعليم في القدس، تمهيداً للسيطرة على كل مقدّرات المقدسيين، وذلك بحسب رئيس اتحاد أولياء أمور الطلبة في القدس، زياد شمالي.

ويؤكد شمالي أن فرض المنهاج الإسرائيلي على طلبة ومدارس القدس محاولة لأدلجة عقول الفلسطينيين وإشباعهم بالفكرة الإسرائيلية والتاريخ اليهودي، لافتاً إلى أن ما تفرضه إسرائيل هو عبارة عن عملية غسل أدمغة الطلبة الفلسطينيين، وهو ما يُعد من أخطر الوسائل التي يحارب بها الاحتلال المقدسيين في المدينة، لأنه سيؤدي إلى تجريد الفلسطيني من هويته.

ويقول رئيس اتحاد أولياء أمور الطلبة في القدس، خلال حديثه لـ«الإمارات اليوم»: «إن إسرائيل تضخ مئات الملايين من الأموال من أجل (أسرلة) المناهج والمدارس، ووزارة المعارف الإسرائيلية تدرّس منهاجها في المدارس التابعة لها من المرحلة الابتدائية، كمرحلة أولية، والانتقال بعدها إلى المراحل اللاحقة، ليتحول التعليم في مدارس القدس إلى المنهاج الإسرائيلي، كما أن غالبية المدارس الخاصة والتابعة لبلدية الاحتلال بمدينة القدس فيها صفوف تدرّس المنهاج الإسرائيلي».

ويضيف أن «هذه السياسة ستسري على الطالب منذ التحاقه بالمرحلة الابتدائية وصولاً إلى الثانوية العامة، وسنلحظ تغييراً واضحاً بالأفكار والمبادئ والتفكير، التي لن تتّسق مع العادات والتقاليد العربية والفلسطينية».

ويشير شمالي إلى أن إسرائيل تمارس هذه السياسة وفق خطة ممنهجة، من أجل السيطرة على عقول الطلبة الفلسطينيين بالقدس، وإبعادهم قدر الإمكان عن الواقع الذي يعيشونه من خلال ذلك المنهاج.

تحريف

من جانبها، تقول مدير عام وحدة شؤون القدس في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ديمة السمان: «إن دائرة المعارف الإسرائيلية تسرق المنهاج الفلسطيني، وتجري عليه التعديلات التي ترغب فيها، وتشطب كل ما يتعلق بتاريخ القضية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال: ألغت مصطلحات، مثل النكبة، كما أدخلت على المنهاج مصطلحات جديدة للتأكيد على يهودية المدينة والأراضي بأكملها، مثل (حائط المبكى) بدلاً من حائط البراق و(يهودا والسامرة) بدلاً من فلسطين. كما استبدلت شعار السلطة الفلسطينية على الكتب بلاصق يحمل شعار بلدية الاحتلال الإسرائيلية».

وتضيف «إلى جانب هذا الحذف والإسقاط تفتقر تلك الكتب إلى أية إشارة إلى أن القدس هي مدينة محتلة، كما أسقطت كل إشارة إلى الانتفاضة الفلسطينية، وذلك من خلال حذف قصيدة (الانتفاضة) في كتاب اللغة العربية من منهاج الصف السادس، وحذف النشيد الوطني الفلسطيني، كما قامت دائرة المعارف بشطب قصيدة (عائدون) للشاعر هارون هاشم رشيد من كتاب (لغتنا الجميلة) للصف السابع».

كما ألغت وزارة المعارف الإسرائيلية، بحسب السمان، درس معركة حطين من كتاب التربية الإسلامية للصف السادس، وشطبت تمارين عدة، منها تمرين يتحدث عن كيفية مواجهة مصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح بناء المستوطنات».

نقص الغرف الصفية

ويشكّل فرض المناهج الإسرائيلية جزءاً من رحلة العذاب التي يعانيها طلبة القدس خلال العملية التعليمية، يضاف إليها جانب آخر، فالمدارس التي لا تقع ضمن وصاية الوزارة الإسرائيلية، تعاني نقصاً حاداً في الإمكانات والغرف الصفية، ووجود طلبة من دون مقاعد دراسية، ما يتسبب في الاكتظاظ وزيادة التسرّب، وكذلك النقص في الكادر التعليمي والإداري، وذلك لعدم تلقّي تلك المدارس الدعم والاهتمام من قبل إدارة بلدية الاحتلال، التي تفرض وصايتها على أحياء ومناطق القدس المحتلة كافة.

ويؤكد عضو لجنة المتابعة في بلدية العيسوية بالقدس، محمد أبوالحمص، أن نقص الغرف الصفية وعدم استيعاب الطلبة الجدد يُعد من أهم المشكلات السنوية التي تعانيها جميع المناطق في القدس، لافتاً إلى أن المئات من الطلبة من دون مظلة تعليمية ولا مقاعد دراسية لهم في الصفوف التي تدرّس المنهاج الفلسطيني.

ولفت أبوالحمص إلى أن الأهالي يضطرون، بسبب تلك المعضلة، إلى تسجيل أبنائهم في المدارس والصفوف التي تعلّم المنهاج الإسرائيلي في المرحلة الثانوية التي يطلق عليها «البجروت».

وتعاني المدارس في قرية العيسوية، بحسب أبوالحمص، نقصاً حاداً في المقاعد الدراسية، إذ يوجد 180 طالبة من دون مقاعد دراسية في المدرسة الابتدائية، لافتاً إلى أن مدارس بلدة العيسوية تتسع لبناء غرف صفية جديدة، لكن البلدية لم تقم بذلك.

- الاحتلال ألغى مصطلحات،

مثل النكبة، وأدخل

مصطلحات جديدة، مثل

«حائط المبكى» بدلاً من

حائط البراق و«يهودا

والسامرة» بدلاً من

فلسطين.

180

طالبة من دون مقاعد

دراسية في المدرسة

الابتدائية في قرية

العيسوية، حيث

تعاني القرية

نقصاً حاداً في

المقاعد الدراسية.

- دائرة المعارف

الإسرائيلية تسرق

المنهج الفلسطيني،

وتُجري عليه

التعديلات التي ترغب

فيها، وتشطب كل ما

يتعلق بتاريخ القضية

الفلسطينية.

6800

طالب يدرسون

المنهاج الإسرائيلي

في القدس، يتوزّعون

على 20 مدرسة في

بلدات القدس

المختلفة.

47 %

من المدارس الفلسطينية

في القدس تتبع لوزارة

التربية والتعليم،

وتشمل مدارس

الأوقاف، و«أونروا»،

والمدارس الخاصة.

طباعة