الأحزاب العراقية تفشل في تشكيل حكومة ائتلافية بسبب الخلافات - الإمارات اليوم

على الرغم من مرور 3 أشهر على الانتخابات

الأحزاب العراقية تفشل في تشكيل حكومة ائتلافية بسبب الخلافات

صورة

ظل البرلمان العراقي في حالة من عدم اليقين، الثلاثاء الماضي، بعد أن فشلت عشرات الأحزاب في تشكيل حكومة ائتلافية، ولم تتمكن هذه الأحزاب حتى من الاتفاق على رئيس برلمان أو وظائف برلمانية أخرى. فبعد ثلاثة أشهر من انتخاب البرلمان الجديد، ظلت البلاد منقسمة على نفسها، وغير قابلة للسيطرة أكثر من أي وقت مضى، حيث تتصارع الأحزاب الموالية لإيران مع حلفاء واشنطن، والأكراد الذين يسعون لاستعادة حقوقهم في كركوك.

وخلال نهاية الأسبوع، أعلنت الأحزاب السياسية الرئيسة في العراق عن تكوين «أكبر تحالف» من شأنه تشكيل الحكومة المقبلة. وشكل رئيس الوزراء، حيدر العبادي ائتلافاً ضخماً من 184 نائباً (56٪)، من أصل 329 تم انتخابهم للبرلمان في 12 مايو. وتنفس البعض في العراق الصعداء آملاً في أن يمهد هذا التدبير الجديد الطريق أمام حكومة جديدة مستقرة. واحتفل البعض في الغرب بهذه المناسبة، فقد استطاع العبادي، حليف الولايات المتحدة، الجمع بين زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وحفنة من الأحزاب الأخرى التي قد لا تستأنس بالأحزاب الموالية لإيران.

وبعد ساعات قليلة من حديث حلفاء العبادي مع رجال الإعلام حول تشكيل الحكومة المقبلة، رد خصومه بأنهم شكلوا أيضاً أكبر كتلة برلمانية، حيث أكد زعيم تحالف فتح، هادي العامري، وزعيم ائتلاف دولة القانون، رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، أن لديهما 145 نائباً، ولاتزال المجموعتان الكبيرتان تتنافسان على السيطرة على حكومة بغداد.

لم يعتقد العبادي من قبل أنه سيواجه هذا النوع من التحدي، العام الماضي، وكان هو الزعيم العراقي المنتصر الذي هزم «داعش» في الموصل، والذي عارض بنجاح في سبتمبر استفتاء كردستان، وأرسل جيشه الذي تدربه الولايات المتحدة لانتزاع كركوك من الأحزاب الكردية، التي كانت تسيطر عليها. كما أنه هو الذي أعاد علاقات البلاد مع السعودية بعد عقود من القطيعة، وهو الذي استطاع أن يضع العراق في موقف الحياد على خط الصدع بين إيران والدول السنية، إلا أن حزب نصر العراق، الذي يقوده العبادي، جاء في مايو في المرتبة الثالثة. وجاء في المرتبة الأولى حزب الصدر، رجل الدين الشيعي، الذي قاتل الولايات المتحدة في بداية غزوها للعراق، وجاء زعيم ائتلاف الفتح، هادي العامري، القائد السابق للواء بدر الموالي لإيران، في المرتبة الثانية.

ومنذ مايو الماضي تنافست كل من الولايات المتحدة وإيران باستماتة لوضع حلفائهما في سدة الحكم في بغداد. وعلى الرغم من أن العبادي والصدر لم يكونا مرشحين مثاليين لحلفاء الولايات المتحدة في بغداد، فقد كان الأول مقرباً من إيران في الماضي، والآخر قاتل ضد الأميركيين، لكنهما كانا أقل خيارين سوءاً لدى واشنطن في الوقت الذي كانت تناور فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب لعزل إيران.

في يونيو الماضي بدا كأن العبادي والصدر سيشكلان ائتلافاً، لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. وفي هذا الوقت صعّد «داعش» هجماته، واجتاحت الاحتجاجات ضد الضائقة الاقتصادية جنوب العراق. وعلى الرغم من جلوسها على بحر من النفط أهدرت الحكومة العراقية موارد طائلة على مر السنين، وتحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار. وفي الجنوب، يقول المتظاهرون إن ثروة النفط تذهب لإيران، حيث يدفع العراق للحكومة الإيرانية فواتير الكهرباء التي يستوردها منه، وفي يوليو، خفضت إيران صادرات الطاقة إلى أجزاء من العراق.

استغرق الأمر حتى التاسع من أغسطس لإعادة فرز الأصوات، وصادقت المحكمة العليا العراقية على النتائج في 19 أغسطس. والآن أصبح أمام الأطراف 90 يوماً لإنشاء حكومة ائتلافية. وتصاعد الضغط في بغداد للتوصل إلى ائتلاف، وسافر مبعوث الرئيس الأميركي للتحالف الدولي ضد «داعش» في العراق وسورية، بريت ماكغورك، إلى أربيل وبغداد، فيما بدا أنه جهد أميركي منسق للتأثير في التحالف الذي يقوده العبادي.

ويبدو أن الأمر لم يعجب العامري الذي قال إن الولايات المتحدة تخطت «جميع الخطوط الديمقراطية، وتضغط علينا هنا وتهددنا هناك». ودعا وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، كلاً من العبادي، ورئيس ائتلاف الوطنية العراقي، إياد علاوي في الثاني من سبتمبر الماضي، طالباً منهما التركيز على الحفاظ على سيادة العراق خلال هذا الوقت الحرج.

وعند الساعة الـ11 من صباح الثلاثاء الماضي، استأنف البرلمان عمله، لكن سرعان ما عادت الفوضى، ولم يستطع الطرفان الاتفاق على رئيس للبرلمان، وتم تأجيل جلسات البرلمان حتى 15 سبتمبر.

* مشكلات رئيسة تواجه بغداد:

هناك ثلاث مشكلات رئيسة تواجه بغداد اليوم، ففي جنوب العراق، تتصاعد وتيرة الاحتجاجات، فيما يواصل النشطاء في البصرة المطالبة بالخدمات الحكومية الأساسية. وسعى العبادي إلى الاستئثار بقوى الحشد الشعبي، التي تتكوّن من ميليشيات شيعية موالية للعامري. هذه الميليشيات هي جزء رسمي من الهيكل الحكومي، لكن يبدو أن ائتلاف الفتح كان يسعى من خلالها لمكاسب حزبية، ووعد بإخراجهم من المدن في نينوى لتأمين الدعم السنّي.

وتفيد تسريبات جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع أن لدى الحشد الشعبي صواريخ إيرانية، ومن المرجح أن هذه التسريبات تهدف إلى إحراج الحشد. وينفى العبادي وجود هذه الصواريخ. لكن هذه الأنباء من شأنها أن تولد التوترات مع إسرائيل التي تعارض النفوذ الإيراني، ونقل الأسلحة من إيران عبر العراق إلى سورية.

الأكراد في العراق هم أيضاً محور المفاوضات، حيث تشعر الأحزاب الكردية بالخيانة بشأن استفتاء استقلالها عام 2017. وأدارت الولايات المتحدة ظهرها للحلفاء الأكراد مع دخول الدبابات إلى كركوك إلى جانب ميليشيات شيعية تابعة للعامري. الآن الأحزاب الكردية مثلها مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني تريد ضمانات لدعم الائتلاف الجديد. كما أن بعض الأحزاب الكردية الأصغر قد وقّعت بالفعل للانضمام إلى كتلة العبادي، الذي يبدو أن حزبه معرض للخطر من الداخل، حيث انضم بعض أعضائه إلى المالكي، حليف العبادي السابق، فقد تحدثت قناة «السومرية» عن عضو برلماني عرض عليه ملايين الدولارات للانضمام إلى أحد الائتلافات.

ولسنوات عديدة، تم تجاهل المطالب الكردية، مثل حقوقها الدستورية في كركوك، حيث سعت الولايات المتحدة للتحالف مع حكومة الأغلبية الشيعية في بغداد، لأن واشنطن تريد دعم «رجل قوي» في بغداد، يستطيع تحقيق الاستقرار المنشود في هذا البلد الذي تمزقه الخلافات. وينظر الأميركان إلى المطالب الكردية على أنها تقف حجر عثرة في طريق الاستقرار، رغم أن المنطقة الكردية كانت حليفاً للولايات المتحدة، وخالية من التطرف والعديد من المشكلات التي تعانيها بقية العراق.

وتواجه بغداد الآن مشكلة أخرى خطرة، فقد قضى العبادي الفترة من عام 2016 و2017 في دمج الميليشيات الشيعية داخل نسيج الحكومة، على الرغم من تحذيره بعدم السماح لهذه الجماعات الطائفية، المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، بالحصول على سلطة حكومية، لكنه الآن يجد نفسه على خلاف مع قادة هذه الميليشيات، ويريد في الوقت نفسه أن يؤكد سلطته.

وفي هذه الأثناء، تجتاح القلاقل جنوب العراق، بسبب الاحتجاجات التي كشفت عن درجة سوء الإدارة الحكومية، والفساد المستشري، وضعف البنية التحتية. ويبدو أن العراق عصي على الحكم، وغير مستقر كما كان في الماضي. وهذه أخبار جيدة لإيران، التي تحب العمل من وراء الكواليس بمساعدة وكلاء محليين. لكنها في الوقت ذاته أخبار سيئة لأميركا التي تريد حليفاً موثوقاً به في بغداد والعاصمة الكردية أربيل.

طباعة