99 % من السكان لا يصلون إلى ثروة تجسّدها أفلام هوليوود

سنغافورة.. ثراء فاحش وخلل اجتمـاعي يهدّدان إنجازات نصف قرن

صورة

في وقت يستمتع مشاهدو الأفلام في جميع أنحاء العالم بالحُلي التي تبلغ قيمتها مليون دولار والطائرات الخاصة في فيلم «أثرياء آسيويون مجانين»، يودّ السنغافوريون أن يعرف الجميع أنه في الواقع يمكن أن تكون الحياة في بلدهم أكثر ثراءً وأكثر جنوناً. ويتباهى العديد منهم بحفلات الزفاف الفارهة التي يحضرها مشاهير المغنين، فيما قال أحدهم لصحيفة محلية إنه دخل ذات مرة إلى متجر لبيع الأحذية الراقية وأخبره أنه سيحمل معه «زوجاً من كل الماركات، ومن كل لون».

مجتمع منشغل بجمع المال

تقول أستاذة الأعمال التجارية في جامعة ميشيغان، ليندا ليم: «تُفرش السجادة الحمراء للأجانب، خصوصاً الأثرياء»، وتضيف الأكاديمية المولودة في سنغافورة «إن المجتمع بأكمله منشغل الآن بجمع المال، على خلاف قيمنا التأسيسية».

ومع ذلك، يرى العديد من السنغافوريين أن عدم المساواة هو كلفة نظام رأسمالي لا هوادة فيه، يكافئ أنواعاً معينة من المهارات فقط. ومن الناحية الرسمية، لا تعاني سنغافورة الفقر، لأنها لم تحدد خط الفقر، ولا يوجد نظام للمعاشات التقاعدية، تماشياً مع المبادئ التأسيسية التي تنص على أن كل فرد في المجتمع يجب عليه أن يعمل.

نمط العيش وقصص أثرياء سنغافورة الواقعية، يجسدان التغير الكبير الذي شهدته المستعمرة السابقة التي لا تمتلك موارد، بتحولها إلى عاصمة مالية عالمية ومكان للهو بالنسبة للأقلية الثرية. وعلى الرغم من أن الجزيرة الصغيرة حققت إنجازات هائلة على مدى نصف قرن مضى، إلا أن هناك العديد من التساؤلات حول اللامساواة والامتيازات في مجتمع تأسس على قيم العمل الجاد، وتساوي الفرص، والنظام الاجتماعي.

وفي ذلك يقول رجل الأعمال، أون كو: «99% من السكان لا يصلون إلى الثروة التي تجسّدها أفلام هوليوود»، وتابع: «خلال الـ10 سنوات الماضية اتسعت الهوّة (بين الأثرياء والفقراء) بشكل كبير، وبات الوضع أكثر سوءاً».

توجد علامات نجاح سنغافورة في كل مكان، بما في ذلك الحفلات التي تُبث على موقع «إنستغرام»، حول برك السباحة على أسطح الفنادق من فئة الخمس نجوم، ومحال المصممين الراقية على طول الشوارع المزينة بالأشجار، والقصور المطلة على المحيط بالقرب من المنتجع الذي استضاف قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في يونيو الماضي، مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

مبادئ صارمة

واحد من كل 34 من السنغافوريين مليونير، ما يعني أعلى نسبة في أي مدينة آسيوية، وفقاً لشركة أبحاث «ويلث إنسايت». ويبلغ عدد سكان الجزيرة نحو 5.5 ملايين نسمة، ويبلغ دخل الفرد فيها 57 ألف دولار، وهو ما يعادل تقريباً الدخل في الولايات المتحدة.

ووصلت سنغافورة إلى هذه المرتبة تحت إشراف لي كوان يو، الذي كان رئيساً للوزراء عندما انفصلت المستعمرة البريطانية السابقة عن ماليزيا، ونالت الاستقلال في عام 1965. أنشأ يو حكومة فعالة دفعت رواتب سخية لتجنيد وزراء متميزين. وجذب المستثمرين من جميع أنحاء العالم إلى الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي المميز على أحد ممرات الشحن الأكثر ازدحاماً في العالم.

وبسبب ازدرائه للديمقراطية وإنفاقه المحدود، فقد كان يو يرتدي اللباس الرياضي نفسه لمدة 17 سنة. لقد قاد رئيس الوزراء الراحل دولة الحزب الواحد التي فرضت مبادئ صارمة للسلوك العام، وتم حظر الكتابة على الجدران وإطعام الحمام وبيع العلكة.

في المقابل، أنشأ رئيس الوزراء السنغافوري الراحل، أيضاً، نظاماً يُحسد عليه من المدارس والمستشفيات والإسكان الشعبي، وكان من المفترض أن يضمن لكل شخص في البلد المتعدد الأعراق، خصوصاً العرق الصيني بالدرجة الأولى، مع مجموعات كبيرة من الهنود والماليزيين، فرصة متكافئة للنجاح.

نقاش محتدم

كان من المفترض ألا تسمح سنغافورة، وفقاً لرؤية يو، لأولئك الذين ينجحون بأن يتباهوا بمزاياهم. وقال ابنه، رئيس الوزراء الحالي لي هسين لونغ: «يجب ألا يعبأ السنغافوريون بالأشخاص الذين يتظاهرون بما لديهم من مال، أو أسوأ من ذلك، إنهم ينظرون إلى الآخرين على أنهم أقل ثراءً وامتيازات».

لكن الحاكم الحالي لديه ثروة تزيد على 1.7 مليون دولار. وفي الشهر الماضي، قبل عرض فيلم «أثرياء آسيويون مجانين» للمرة الأولى في سنغافورة، احتدم النقاش والجدل حول الفجوة الاجتماعية المتنامية.

وقد سُئل لونغ عما إذا كان ينبغي تخفيض رواتب وزراء الحكومة الذين يتقاضون ملايين الدولارات سنوياً، من أجل زيادة مستحقات كبار السن، فكان جوابه رفض الفكرة، وقال إنه في هذه الحالة ستكون الحكومة قادرة فقط على جذب «أشخاص متواضعين جداً لا يستطيعون حتى أن يكسبوا مليون دولار». لقد شعر الكثير من السنغافوريين بالفزع.

وقال رجل الأعمال أون كو: «ما هو أسوأ هو أنه لم يتحدث زعيم سياسي واحد عن تعليق رئيس الوزراء»، وتابع: «هناك مشكلة كبيرة إذا كانت هذه الطبقة بأكملها من الحكومة لديها هذا الموقف المتشائم. هناك الكثير من الاستياء المتزايد».

خلفيات متنوعة

حتى المدارس العامة التي يُشاد بها، والتي يرتادها طلاب الطبقة العاملة للوصول إلى المناصب العليا والحكومية، أصبحت أكثر تعقيداً مع تعاقب الأجيال. وتمنح أفضل المدارس الثانوية بعض الأمل للأبناء والبنات، الذين يعيشون في الأحياء المجاورة، حيث ارتفعت أسعار المساكن بشكل جنوني إلى ملايين الدولارات.

وقال مدير إحدى تلك المدارس، وهي «مؤسسة رافلز»، التي تخرّج فيها العديد من أعضاء مجلس الوزراء، إنه يكافح من أجل تسجيل طلاب من خلفيات متنوعة، لأن بعضهم كانوا قلقين من عدم الالتقاء بزملاء أثرياء. أما الباحث العلمي، تشان، فيقول: «إن هذا الوضع يشكل فجوة ترسخت في وقت مبكر جداً من حياة هؤلاء التلاميذ».

ويقول بعض الخبراء إن السياسات ذاتها التي جعلت من سنغافورة وجهة استثمارية جذابة، حيث انخفاض ضرائب الشركات والأفراد، وعدم وجود ضرائب على رأس المال أو العقارات، أوجدت هذه الفجوة بدرجة أكبر.

وتوافد رجال الأعمال الصينيون إلى الجزيرة منذ عام 2008، وجلبوا معهم أموالاً طائلة ونمطاً من الإنفاق المفرط، الأمر الذي تعتبره العائلات الصينية الأصلية في سنغافورة، سلوكاً غير لائق ومبالغاً فيه. لكن الحكومة استقبلت القادمين الجدد بإعفاءات ضريبية وإغراءات أخرى، بما في ذلك إنشاء اثنين من الكازينوهات الفاخرة، على الرغم من معارضة رئيس الوزراء المؤسس للقمار منذ فترة طويلة. وفي الكازينو الموجود في مجمع فندق «مارينا باي ساندز» الأبراج الثلاثة المنحوتة التي تعلوها شرفة تشبه السفن، يتعين على السنغافوريين دفع رسم دخول قدره 70 دولاراً، بينما يدخل الأجانب مجاناً.