في ظل رغبة طهران الجامحة جني ثمار مساعدتها لنظام الأسد

جهود واشنطن لإخراج إيران من سورية ضرب من الخيال

صورة

التقى مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، مع نظيره الروسي، نيكولاي باتروشيف، الأسبوع الماضي، في جنيف. ومن ضمن القضايا التي ناقشها الرجلان طلب أميركي من روسيا لإقناع إيران - التي تتشارك معها في سورية للدفاع عن نظام الرئيس السوري، بشار الأسد - كي تخرج قواتها من سورية. وعلى الرغم من أن باتروشيف بدا كأنه اتفق مع بولتون على أن ذلك يجب أن يتم، إلا أنه أوضح أن روسيا ليست لديها القدرة على إجبار إيران على مغادرة سورية.

ولم يكن طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خروج القوات الإيرانية من سورية جديداً، ففي خطابه الذي ألقاه في الثامن من مايو الماضي، الذي أعلن فيه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، أكد ترامب أن إعادة التفاوض للتوصل إلى اتفاق يجب أن تتضمن موافقة إيران على وجود قيود دائمة على برنامج تخصيبها، وكذلك موافقتها على وقف برنامجها الخاص بالصواريخ. لكنه لم يتوقف عند ذلك، فقد قال ترامب إنه يجب على إيران أن توقف «سلوكياتها الخبيثة في المنطقة»، وهي ما تفسرها إيران بأنها مطالبتها بالانسحاب من سورية ووقف جهودها الرامية إلى زيادة نفوذها في الشرق الأوسط.

ويبدو أن الانسحاب الأميركي الأحادي الجانب من الاتفاقي النووي، وإعادة فرض عقوبات صارمة على إيران لإعاقة قدرتها على المشاركة في السوق الدولية، وتخفيض هذه القدرة، إلى حد كبير، على بيع النفط، وخنق الاستثمارات الموجودة أصلاً ومنع المتوقعة منها، لم تحقق الأهداف المرجوة منها حتى الآن. وعلى الرغم من الآثار الكبيرة جداً للعقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني، خصوصاً على قيمة العملة الوطنية، إلا أن إيران لم تذعن لواشنطن وتتوسل إليها التوصل إلى اتفاق جديد، وفي الحقيقة فإن القيادة الإيرانية استبعدت بشدة خيار إعادة التفاوض على اتفاق جديد قبل انسحاب أميركا من الاتفاق القائم.

وعلى نحو مشابه، فإن دعوة الرئيس ترامب لإيران للتخلي عن طموحها في منطقة الشرق الأوسط، لم تلقَ آذاناً صاغية من طهران. وحالة الاختبار لهذه القضية هو الوجود العسكري الإيراني في سورية، الذي قدم المساعدة، إلى جانب دعم الجيش الروسي، للرئيس الأسد كي يعيد فرض سيطرته على معظم الأراضي السورية. وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة و حلفاؤها يقدمون المساعدة للأسد من دون قصد، عن طريق القضاء على «داعش»، كانت إيران وروسيا مسؤولتين عن مساعدة الرئيس الأسد على هزيمة مجموعة غير متجانسة من المعارضين الذي شكلوا تحدياً لسلطته.

وينبغي على المرء أن يفهم أن مصالح الإيرانيين والروس في سورية ليست متماثلة، وأنهما تنظران بعين الريبة إلى نيات بعضهما بعضاً. لكن هذه المصالح تلتقي في نقطة الالتزام بإبقاء النظام على قيد الحياة. ولكن التزام إيران بإبقاء النظام يختلف من حيث النوعية عن الروس. وقبل عامين، أي قبل أن ترجح كفة الحرب إلى النظام السوري، كانت موسكو تبدو أنها مستعدة للموافقة على إبعاد بشار الأسد عن الحكم، مقابل التوصل إلى تسوية بين النظام وقوات المعارضة، طالما أنها تسمح لروسيا بالحفاظ على النفوذ في الدولة، خصوصاً استمرار قاعدتها البحرية في مدينة طرطوس الساحلية.

لكنّ تحالف إيران مع عائلة الأسد يرجع إلى ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت سورية تحت حكم الرئيس الراحل، حافظ الأسد، هي الدولة العربية الوحيدة التي وقفت إلى جانب إيران في حربها ضد العراق. وهذا واحد من الأسباب التي جعلت إيران تقدم الدعم للنظام السوري منذ عام 2011، كنوع من رد الجميل.

وبالطبع ثمة حسابات سياسية واقعية أسهمت في تحديد موقف إيران لدى تعرض نظام الأسد لتحديات كبيرة. وتضمنت دعم دول خليجية للمعارضة السورية، إضافة إلى الإصرار الأميركي، في بداية الأمر، على تسريع عملية تغيير النظام في دمشق.

والآن، وبعد أن استعاد نظام الأسد سيطرته على معظم الأراضي السورية على ما يبدو، ترغب إيران في جني ثمار مساعدتها للنظام وهو في أسوأ ظروفه. وفي الواقع فإنه يمكن أن يُعزى معظم نجاحات النظام إلى التدريبات والاستشارات التي قدمها الحرس الثوري الإيراني للجيش السوري. وكذلك المساعدات التي قدمتها مجموعة «حزب الله» اللبناني. وإضافة إلى ما سبق فقد قتل نحو 1000 مقاتل إيراني، بمن فيهم كبار الضباط في حرس الثورة الإيراني، وهم يقاتلون إلى جانب جيش النظام السوري منذ عام 2012. وترغب إيران في الاستفادة أيضاً من إعادة إعمار سورية التي لابد أنها ستبدأ إثر وقف الحرب الأهلية. والأمر الأكثر أهمية أن إيران غير مستعدة مطلقاً للتنازل عن مكتسباتها الاستراتيجية في سورية، التي تعتبر تكملة لوجودها السياسي في العراق، ومن خلال ذراعها اللبنانية «حزب الله»، في لبنان أيضاً.

وبناء عليه، فإن من يتوقع أن تقوم إيران بالانسحاب من سورية، أو حتى خفض وجودها فيها، فإن يلاحق ضرباً من الخيال. ويبدو أن الرئيس الأسد مرتاح جداً لوجود الجيش الإيراني في سورية، لأنه يخدم أهدافه المباشرة، المتمثلة في حماية النظام، كما أنه لا يريد الاعتماد بصورة كبيرة على روسيا. ويخشى الأسد أن تقرر موسكو سحب دعمها للنظام، إذ إنها أظهرت استعدادها للقيام بذلك في عام 2016، إذا كان ذلك يخدم مصالحها الأخرى الأكثر أهمية. وفي الحقيقة فقد قامت إيران وسورية بتوقيع اتفاقية تعاون عسكري حديثة، خلال لقاء جرى يوم الاثنين الماضي، في 27 أغسطس، من قبل وزيرَي الدفاع الإيراني أمير حاتمي، والسوري علي عبدالله أيوب، الأمر الذي يعزز علاقات الدفاع بين الطرفين. وقال الملحق العسكري الإيراني في دمشق، أبوالقاسم علي نجاد: «كان استمرار بقاء المستشارين العسكريين الإيرانيين في دمشق جزءاً مهماً من اتفاقية التعاون هذه بين دمشق وطهران».

وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن الجهود الأميركية لإقناع روسيا كي تحث إيران على الخروج من سورية، تبدو عديمة الجدوى. وكانت روسيا قد طمأنت إسرائيل بأنها ستبعد القوات الإيرانية عن حدودها لمسافة 85 كيلومتراً، لأنها لا تريد التورط في صراع شرق أوسطي (باستثناء المناطق المحيطة بدمشق، التي يتجمع فيها الإيرانيون بأعداد مهولة، وهو الأمر الذي تعتبره طهران غير قابل للنقاش)، لكنها ليست في وضع يسمح لها بإجبار طهران على مغادرة سورية، أو حتى خفض وجودها العسكري أو السياسي. وهذه من حقائق الحياة التي يجب على واشنطن أن تتعلم التعايش معها. وعليها أن تضع هذه الحقيقية في استراتيجيتها المستقبلية إزاء إيران، لأن مطاردة السراب لن تفيد شيئاً في السياسة الخارجية.

محمد أيوب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان


الأسد مرتاح لوجود الجيش الإيراني في سورية، لأنه يخدم أهدافه المباشرة المتمثلة في حماية النظام.