على الرغم من إظهار الإصرار والرفض

إيران تبحث عن طريقة غير مباشرة للتفاوض مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي

صورة

على الرغم من تحذيراتها الفاشلة، ستقوم طهران بالتفاوض في نهاية المطاف مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بما أن الوسيط هو الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حيث لايزال الاتفاق النووي يكتسب مزيداً من الزخم، ويراوح مكانه بين شد وجذب حتى بعد انسحاب أميركا منه.

الذين أيّدوا الاتفاق يقولون بصوت عالٍ إن إيران لن تتفاوض أبداً على أي تعديل له، في حين يقول معارضوه إن قرار الرئيس ترامب بالانسحاب منه سيؤدي إلى صفقة أفضل.

ويبدو أن ترامب نفسه يعتقد أن التوصل إلى صفقة أفضل أمر ممكن، حيث عرض في الآونة الأخيرة التحدث إلى الإيرانيين من دون شروط مسبقة، وأشار المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، إلى عدم موافقته، قائلاً: «أنا أحظر على إيران عقد أي محادثات مع أميركا. أميركا لا تفي أبداً بتعهداتها». وجاء حظر خامنئي بعد أن أكد قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، أن «الشعب الإيراني لن يسمح لمسؤوليه بالالتقاء والتفاوض مع الشيطان الأكبر، لسنا كوريا الشمالية».

ويبدو ذلك موقفاً قوياً، لكنني أظن أن مؤيدي ترامب يتمتعون بوضع أفضل. ويثبت التاريخ والديناميكيات السياسية الأساسية أن موقف إيران المتشائم من المفاوضات سيتلاشى بعد فترة قصيرة، ومن الممكن تماماً أن نتخيل أن الجانبين سيتوصلان إلى اتفاق. ومع ذلك، لن تبدو الجولة المقبلة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية شبيهة بالاتفاق الأول، ومن المرجح أن يلعب الرئيس الروسي دوراً أساسياً في التقريب بين الطرفين.

دعونا نستبعد أولاً بعض الافتراضات الخاطئة عن الجانب الأميركي، وهنا يمكن أن نقول إن إشارة جعفري إلى كوريا الشمالية تفترض أمرين: أن إيران ليست استعراضاً يلعب فيه شخص واحد جميع الأدوار المحورية، وأن ترامب يعتقد أن منهج «الضغط الشديد» حمل كوريا الشمالية على التفاوض، ويمكن أن ينطبق الشيء نفسه على إيران. وإذا نحّينا جانباً ما إذا كانت ضغوط ترامب نجحت، فإن الحالتين مختلفتان تماماً. ففي حالة كوريا الشمالية، كان هناك إجماع دولي قوي على وقف النظام لبرنامجه النووي، وحشدت إدارة ترامب الدعم لفرض عقوبات أكثر صرامة. أما في إيران، فعلى النقيض من ذلك، خرج الرئيس عن الإجماع الدولي بالابتعاد عن الاتفاق النووي. ومن الصعب ممارسة أقصى قدر من الضغط عندما تعارض الحكومات الأخرى، خصوصاً حلفاءنا الأوروبيين، جهودنا، وتتبنى لوائح لحماية شركاتها من العقوبات الأميركية في حال ممارستها الأعمال التجارية مع إيران. وعلى الأقل، لن يكون حلفاؤنا، وغيرهم، حريصين على سد الثغرات في نظام العقوبات ومنع الإيرانيين من التهرب منها، وهي ممارسة برعوا فيها بمرور الوقت.

ولن يُجدي أقصى قدر من الضغط كثيراً. فمع ارتفاع أسعار النفط من المحتمل أن تتمكن إيران من تغطية خسائر إيراداتها جراء تطبيق إدارة ترامب للجولة الثانية من العقوبات في الرابع من نوفمبر، وهي العقوبات التي تتطلب من الدول خفض مشترياتها النفطية من إيران أو المخاطرة بعدم استطاعتها ممارسة أعمال تجارية مع الولايات المتحدة.

ولكن قبل أن نقبل ببساطة بأن إيران لن ترضخ، ولن تقبل التفاوض بشأن التغييرات في الاتفاق النووي، علينا أن نفكر في ما يلي: أولاً، على الرغم من لوائح الحظر الجديدة التي تبنّاها الاتحاد الأوروبي، فإن البنوك والشركات الأوروبية تنسحب من إيران. وعندما تواجه خيار: إما ممارسة الأعمال التجارية مع الولايات المتحدة أو مع إيران، لا يوجد لديها خيار آخر سوى الولايات المتحدة. لقد انسحبت بالفعل شركات كبيرة في مجال الطاقة والسيارات والشحن، مثل «توتال» و«بيجو» و«مايرسك»، وكذلك بنوك مثل «دويتشه بنك» الألماني. وستفعل البنوك والشركات متعددة الجنسيات ما يجب أن تفعله في النهاية، وليس الحكومات. ثانياً، حتى قبل إعادة فرض الجولة الأولى من العقوبات في 6 أغسطس، كان الاقتصاد الإيراني يترنح. ومنذ أبريل، خسرت العملة الإيرانية 50٪ من قيمتها، ما يعني أن حسابات البنوك الإيرانية تساوي نصف ما كانت عليه آنذاك، ومن الواضح أن الجمهور الإيراني غير سعيد بذلك. لقد عبّروا عن عدم رضاهم من خلال تظاهرات واسعة النطاق اندلعت منذ ديسمبر الماضي، حتى قبل أن ينسحب ترامب من الصفقة الإيرانية، وذلك بسبب مغامرات النظام الخارجية، وسوء الإدارة، والفساد المستشري. كما أن الضربات آخذة في الازدياد، مع توقف التجار في سوق طهران بازار عن العمل في 25 يونيو. ونظّم سائقو الشاحنات إضراباً في جميع أنحاء البلاد في يوليو. وفي الآونة الأخيرة، تم استدعاء شرطة مكافحة الشغب، رداً على الإضرابات في مشهد وأصفهان وراشت والأحواز وكرج. وبخلاف الأحواز، فإن هذه المدن المحافظة عادة ما تكون داعمة للنظام. هذا إضافة إلى متظاهرين غاضبين يحملون لافتات تقول «الموت لفلسطين»، و«لا لقطاع غزة، ولا للبنان»، وكذلك «الموت للدكتاتور». إنهم يريدون المال الذي تنفقه الحكومة في الخارج أن يتم إنفاقه على احتياجاتهم، وعدم إنفاق المليارات على إنقاذ سورية بشار الأسد أو دعم «حزب الله» اللبناني أو حركة «حماس». وبالنسبة لنظام يعتمد في استقراره على الخوف وبعض مظاهر الشرعية الشعبية، فإن هذا يجب أن يكون مثيراً للقلق لمثل هذا النظام.

ثالثاً، عندما يشعر النظام بالضغط، فإن نمطه التاريخي هو أن يعدل سلوكه. فقد أعلن المرشد الأعلى السابق، أية الله الخميني، أن إيران ستقاتل العراق إلى أن تهزمه مهما طال الزمن. ومع ذلك، أنهى الحرب في أغسطس 1988، عندما دمرت القوات الأميركية في الخليج سفن البحرية الإيرانية ومنصات النفط، وقامت بطريق الخطأ بإسقاط طائرة مدنية إيرانية، دعماً للرئيس العراقي السابق، صدام حسين.

في التسعينات، توقفت إيران عن قتل المعارضين في أوروبا عندما هددت ألمانيا بفرض عقوبات عليها. وبعد هزيمة الولايات المتحدة لجيش صدام في عام 2003، وخوفاً من أن تكون إيران هي التالية، قدّم النظام عروضاً بعيدة المدى للحد من برنامجه النووي، وتقليص دعمه لـ«حزب الله» اللبناني وحركة «حماس». وبعد أن أعلن النظام الإيراني أنه لن يتفاوض أبداً بشأن برنامجه النووي طالما أنه يخضع للعقوبات، ضاعفت إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، من العقوبات، فتفاوض الإيرانيون.

كل هذا يوحي بأنه مع تعثر الاقتصاد وارتفاع الضغط على إيران، سيبحث النظام، في الوقت المناسب، عن مخرج، ويكون مستعداً للحديث. إذا زادت أسعار النفط على 70 دولاراً للبرميل ستعطي الإيرانيين بعض الدعم، خصوصاً أن ميزانيتهم تستند إلى 55 دولاراً للبرميل. بالإضافة إلى ذلك، سينتظر قادة إيران طويلاً ليروا كم من المشترين الأوروبيين قاطعوا النفط الإيراني، وما إذا كان هناك أي دولة تحلّ محلهم.

ومع ذلك، من المحتمل أن تبحث إيران عن طريقة للتفاوض، ليس بشكل مباشر، لأن ذلك سيبدو كأنه استسلام. وبغضّ النظر عن ذلك، فمن المحتمل أن يقترب قادة إيران من الروس في أوائل العام المقبل، فهم يفهمون كيف يرتبط ترامب ببوتين، وباهتمام بوتين بإظهار النفوذ الروسي على المسرح العالمي، وسيكون سعيداً أن يكون جهة التحكيم بين الولايات المتحدة وإيران، على الأقل لأن بوتين يحرص على أن تتضمن المحادثات مناقشات حول مستقبل سورية.

دينيس روس مستشار في معهد واشنطن، وزميل في برنامج ازيغلر. كان الرجل الأول لعملية السلام في الشرق الأوسط أثناء ولاية إدارة كل من جورج بوش الأب وبيل كلينتون.


من المحتمل أن تبحث إيران عن طريقة للتفاوض، ليس بشكل مباشر، لأن ذلك سيبدو كأنه استسلام. ومن المحتمل أن يقترب قادة إيران من الروس في أوائل العام المقبل، فهم يفهمون كيف يرتبط ترامب ببوتين.

الإيرانيون يريدون أن يتم إنفاق المال، الذي تنفقه الحكومة في الخارج، على احتياجاتهم، وعدم إنفاق المليارات على إنقاذ سورية بشار الأسد أو دعم «حزب الله» أو حركة «حماس».

لن يُجدي أقصى قدر من الضغط كثيراً. فمع ارتفاع أسعار النفط من المحتمل أن تتمكن إيران من تغطية خسائر إيراداتها جراء تطبيق إدارة ترامب للجولة الثانية من العقوبات في الرابع من نوفمبر.