يقضي عامه الثالث في السجن بتهمة التحريض كأصغر أسير

شادي فراح.. طفل فلسطيني اغتالت إسرائيل طفولته خلف قضبانها

صورة

«ابني شادي كبر قبل أوانه، وهو بعيد عني، لم أرَ شعره وهو ينمو، وجسمه وهو يكبر، لم أحظَ باحتضانه وإطعامه ورعايته على مدار ثلاث سنوات»، كلمات خرجت بنبرة قهر من فم الأم المقدسية فريهان فراح مع تنهيدة مؤلمة، وهي تلخص معاناتها في ظل حرمانها ابنها شادي المعتقل داخل السجون الإسرائيلية منذ ثلاثة أعوام.

وتقول الأم المكلومة حول سجن طفلها لـ«الإمارات اليوم»، «في الوقت الذي أحرم احتضان طفلي ومشاهدته، وأتألم في اللحظة آلاف المرات بسبب ذلك، يتعرض هو لمعاناة حقيقية داخل الأسر، بفعل المضايقات والتحقيق، والتعذيب النفسي والجسدي، وحرمان الرعاية الصحية والتعليم واللعب كبقية الأطفال خارج السجن».

وتضيف، «داخل قاعة المحكمة عندما حاكم القضاة الإسرائيليون طفلي لم أرَ شادي ابن الـ14 عاماً، ورأيت رجلاً كبيراً، فالطفل النشط، كثير الحركة لم يعد ذلك، إذ قهر السجن براءته، وتغير شكل شادي وقوامه، وبدا ممتشق القامة، أكبر من عمره بسنوات، هو يعي تماماً ما يمر به، ويفهم أن ما يجري ضده هو لرفع عدد سنوات سجنه».

الطفل الرجل

شادي فراح، طفل مقدسي من سكان حي كفر عقب بمدينة القدس المحتلة، وهو من مواليد عام 2004، إلا أنه على الرغم من صغر سنّه لم يحظَ بطفولة هادئة كبقية أطفال العالم، ففي 29 ديسمبر 2015 أحاط به جنود الاحتلال من كل مكان وهو عائد من مدرسته إلى المنزل في حي كفر عقب، انقضوا عليه وكبلوه، وهو لا يدري ما الذنب الذي اقترفه حتى يعتقله هذا العدد من الجنود المدججين بالأسلحة!

وعلى الفور نقل إلى سجن المسكوبية الإسرائيلي، وقضى أياماً طويلة داخل غرف التحقيق، تعرض خلالها للتعذيب والضرب والتحقيق القاسي بتهمة التحريض، وإخضاعه لجلسات تحقيق قاسية، بحجة وادعاء كاذب من الاحتلال، نيته تنفيذ عملية طعن، ومن ثم نقل إلى مركز الأحداث التابع لمصلحة السجون الإسرائيلية.

في الأول من سبتمبر كان موعد محاكمته داخل المحكمة الإسرائيلية العليا، طفل بعمر الزهور يحيط به جنود في الأربعينات من العمر، فيما يقاضيه قضاة يكبرونه بخمسة أضعاف عمره، بينما هو لم يعرف في هذا الموقف سوى الابتسامة التي تدل على براءته، وكأنه يشاهد مشهداً تمثيلياً من تلك المسرحية التي يؤديها في مدرسته، ولم يدرك أنه يحاكم بدعوى محاولة طعن.

وفي المقابل، حسرة أم تنظر إلى ابنها وهو مكبل في قفص المحكمة، وتستمع إلى قضاة يحاكموه على ذنب لم يقترفه، ولم يحاسبوا سجانيه على التعذيب والتنكيل الذي تعرض له خلال فترة التحقيق والاحتجاز الممتدة على مدار تسعة أشهر منذ لحظة اعتقاله حتى محاكمته.

هنا تكمل (أم شادي) راوية ما حدث داخل أروقة المحكمة في تلك اللحظة، وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على محاكمة ابني إلا أنني أتذكر بالحرف الواحد محاورة القاضي لشادي وهو يلقي عليه التهمة الجديدة: «أنت تحرض الأطفال داخل السجن، وتشكل تجمعات، وهذا ليس لمصلحتك، أستطيع اليوم أن أصدر حكماً عليك وتدخل السجن فترة طويلة، يجب أن تحترم القوانين».

وتضيف «تلك التهمة غريبة بالنسبة إلي وإلى طفلي الذي وقف أمام القاضي نفسه الذي أصدر سابقاً حكماً بسجنه ثلاث سنوات في عام 2015، بادعاء النية لتنفيذ عملية طعن، ولم يكن يتجاوز الـ10 من عمره، ودانته المحكمة في حينه».

مخاوف

ومع اقتراب موعد الإفراج عنه المتوقع في نوفمبر المقبل، يشوب الخوف صفاء قلب (أم شادي)، فطاولة القضاء الإسرائيلي انقلبت عليه مرتين، فبعد المحاكمة الصورية ضده في عام 2015، عادوا اتهموه تهمة أخرى، وعقدوا له محكمة رسمية حضرها ثلاثة قضاة وحكموه ثلاثة أعوام، فيما تسعى النيابة الإسرائيلية إلى رفع عدد سنوات حكمه، وهو لايزال في سجنه في مؤسسة لرعاية الأحداث في مدينة طمرة بالشمال الفلسطيني المحتل، بحسب فريهان فراح.

وتقول (أم شادي فراح)، «أنا لا أخفي تخوفي من الخطر الذي قد يلحق بطفلي، وألّا يتحرر في نوفمبر المقبل، فإسرائيل تصرّ على إعادة محاكمة شادي من خلال التهمة الجديدة، ولكن ابني قوي، وسيتحمل، ويتحرر، ويرجع إلى حضني».

وفي الوقت نفسه، تبدي والدة شادي، تخوفها الشديد على ابنها الذي يعاني مشكلات في الدم، بالإضافة إلى المعاناة التي يتعرض لها داخل الأسر.

وتقول «لعل ظروف الحياة داخل مؤسسة رعاية الأحداث الإسرائيلية، لا تختلف عن ظروف معتقلات الأسرى، وإن اختلفت التسمية وتم تجميلها، بل ربما هي أسوأ، حيث يقضي شادي محكوميته على سرير حديدي، في غرفة تخنقها رائحة رطوبة كريهة، وهو ما يزيد من معاناته، نتيجة إصابته بمشكلات في الدم نتيجة الإهمال الطبي».

وتشير إلى أن شادي يقضي محكوميته في مؤسسة يعتقل فيها مرتكبو جرائم أمنية وجنائية وتجار المخدرات ومتعاطوها.

وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على اعتقال شادي، إلا أن أمه لا تستطيع تناسي أسبوع التحقيق الذي قضاه طفلها في معتقل المسكوبة، وكيف أحضروه إلى المحكمة وعوقب بحلق شعره، وضغوط وتعذيب الضباط ضده ليعترف بذنب لم يقترفه.

وتشير معطيات لجنة أهالي الأسرى المقدسيين، إلى أن سلطات الاحتلال اعتقلت، منذ عام 2015، نحو 1705 أسرى، من بينهم 595 قاصراً، 79 منهم دون الـ14 عاماً، مازال 10 منهم يقبعون في مراكز إيواء تابعة لسجون إسرائيل، و118 قاصراً دون سن الـ18، إضافة إلى 22 فتاة قاصرة، و87 سيدة.


سلطات الاحتلال اعتقلت منذ عام 2015 نحو 1705 أسرى، ضمنهم 595 قاصراً، 79 منهم دون الـ14 عاماً.