انطلقت من محافظة البصرة وامتدت لتصل إلى بغداد

تردي الأوضاع المعيشية يفجر الاحتجاجات في العراق

صورة

تُعدّ الاحتجاجات الشعبية التي تفجرت في العراق منذ مطلع يوليو الجاري، حدثاً استثنائياً في المشهد السياسي العراقي، حيث انطلقت الاحتجاجات في محافظة البصرة، الأغنى نفطيّاً من بين المحافظات العراقية، ضمن تظاهرة سلمية لمطالبة الحكومتين، المحلية والاتحادية، بتحسين الخدمات، ورفع المستوى المعاشي للمواطنين، ولكن هذه الاحتجاجات لم تتوقف عند حدود محافظة البصرة، بل انطلقت بعدها تظاهرات واحتجاجات شعبية غاضبة في بقية المحافظات الجنوبية الأخرى، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، ومكافحة الفساد، والتصدي للبطالة وارتفاع الأسعار.

تمدد الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات في محافظة البصرة مطلع الشهر الجاري بطابع سلمي، ثم ما لبثت أن انطلقت احتجاجات مماثلة في عدد من المحافظات الجنوبية الأخرى، مثل: محافظة ذي قار، وميسان، وبابل، والنجف، لتمتد أخيراً إلى محافظات المثنى، والديوانية، وعدد من المناطق في بغداد، ويلاحظ أن الاحتجاجات تركزت في نطاق المحافظات الجنوبية، حيث إن المحافظات الغربية والشمالية لن تسعى إلى تكرار تجربة الاعتصامات التي جرت بين عامي 2013 و2014، والتي تدهور الوضع الأمني خلالها، وكانت النتيجة تسهيل استيلاء تنظيم «داعش» على هذه المحافظات.

وفي هذا الإطار، اتسمت هذه الاحتجاجات بالطابع السلمي في البداية، ثم سرعان ما قام بعض المحتجين بقطع طرق رئيسة في البصرة، ومنعوا الوصول إلى ميناء «أم قصر»، وحاول آخرون اقتحام حقول نفطية في البصرة، ما أدى إلى قيام العديد من الشركات النفطية بترحيل موظفيها من المحافظة، كما اقتحم محتجون مطار النجف الدولي ما أوقف حركة الملاحة فيه.

كما اقتحم محتجون في محافظة ذي قار مبنى المحافظة، ومبنى محافظة ميسان ومجلس حكومتها المحلية، وتعرضت مرافق حكومية عدة للتخريب أثناء الاحتجاجات. فضلاً عن ذلك، فقد اقتحم المحتجون مقار القوى والأحزاب السياسية، ومنها مقار حزب الدعوة الذي يتولى رئاسة مجلس الوزراء منذ دورات انتخابية عدة، ومقار المجلس الإسلامي الأعلى وتيار الحكمة والمركز الثقافي لمنظمة بدر.

وتمثلت أبرز مطالب المحتجين في معالجة مشكلة الكهرباء والماء، والتأكيد على إلغاء خصخصة الكهرباء، وتوفير فرص العمل لاسيما أن شركات النفط تعتمد على العمالة الأجنبية، في حين لا يحصل الخريجون على فرص عمل في هذه الشركات، وشملت المطالب تحسين الخدمات، ومعالجة التلوث البيئي الناتج عن المصانع ومخلفات الحروب، وإقالة القيادات الفاسدة والقيادات الأمنية، الذين تسببوا في تردي الأوضاع الخدمية والأمنية في مختلف المحافظات، وإعادة تشغيل المصانع والمعامل، وإصلاح السياسات الحكومية، وتشكيل لجان لغرض الاستفادة من المنافع الاجتماعية من الشركات العامة، كونها مجهولة وغير معروف مصيرها، ولاسيما في البصرة، وفقاً لبيان تنسيقية تظاهرات البصرة.

دوافع عدة

رفعت الاحتجاجات الأخيرة في المحافظات العراقية مطالب اقتصادية واجتماعية، إلا أن ذلك لم ينفِ وجود مطالب سياسية، تتمثل في التصدي للجمود الذي أصاب الساحة السياسية العراقية بعد الانتخابات، بسبب تشبث القوى السياسية بتعزيز حصتها في تشكيل الائتلاف الحكومي، كما طالب المحتجون بالتصدي للفساد السياسي. وفي هذا الإطار تمثلت أهم دوافع التظاهرات في ما يلي:

1- تردي الخدمات الأساسية

استمرت أزمتا الكهرباء والمياه في العديد من المحافظات على سبيل المثال، على الرغم من إنفاق عشرات المليارات على قطاع الكهرباء، إلا أنها لاتزال في انقطاع مستمر، كما تصاعدت أزمة المياه أخيراً أيضاً.

2- ضعف الأداء الحكومي

لم يلبِّ الأداء الحكومي طموحات واحتياجات المواطن العراقي على مختلف المستويات، الاقتصادية والسياسية وغيرهما، كما أخفقت الحكومة في تنفيذ وعودها المتعلقة بالإصلاح الحكومي ومحاربة الفساد، على الرغم من تبنيها شعاري «الإصلاح» و«محاربة الفساد» منذ بداية توليها السلطة، إلا أنه لم يتحقق أي إنجاز يذكر على صعيد هذين الملفين بعد مرور أربع سنوات كاملة.

3- نتائج الانتخابات

جاءت نتائج الانتخابات التي شهدها العراق في 12 مايو الماضي على خلاف ما كان ينتظره المواطن العراقي، حيث كان يرغب في حدوث تغيير سياسي، والتخلص من الساسة الفاسدين، ووصول قوى وشخصيات سياسية تلبي طموحاته واحتياجاته، وتتجاوز خطوط الطائفية التي أفرزتها مرحلة ما بعد عام 2003 والاحتلال الأميركي للعراق، الذي أدخل البلاد في حرب أهلية، ثم خطر الإرهاب المدمر، فضلاً عما أثير حول هذه الانتخابات من حالات تزوير واعتراضات من قبل القوى والأحزاب السياسية، أدت إلى استبدال إدارة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بمجموعة من القضاة، وما رافق ذلك من إعادة العد والفرز بشكل يدوي للعديد من المراكز والمحطات الانتخابية التي قدم ضدها شكاوى تتهمها بالتزوير.

4- ارتفاع نسب البطالة

لعل من أهم أسباب قيام الاحتجاجات هو تزايد ظاهرة البطالة، وعدم توافر الوظائف وفرص العمل لآلاف الخريجين وحملة الشهادات الأولية والعليا، ما زاد من نقمة هؤلاء الشباب والعاطلين عن العمل على الحكومتين، المحلية والاتحادية، عندما لم تتمكن من توظيفهم وتوفير فرص عمل لهم.

استجابة مزدوجة

اتجهت الحكومة العراقية لاتخاذ إجراءات سريعة لكبح التظاهرات ومنع امتدادها إلى بقية المحافظات، لاسيما أن الأوضاع الأمنية والسياسية لاتزال غير مستقرة، ومن ثم تمثلت الإجراءات الحكومية في قيام القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء بإصدار أوامر للقوات الأمنية باتخاذ حالة التأهب القصوى، في محاولة لتقليل حجم الاحتجاجات وعدم انتشارها، وخروجها عن سلميتها التي كانت تتسم بها في البداية، مع التأكيد على عدم استخدام العنف تجاه المحتجين، بالإضافة إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع أي أعمال تخريب تطال مؤسسات الدولة والمرافق العامة وممتلكات المواطنين.

واعتبرت الحكومة من قام بالأعمال التخريبية «مندسين»، وأصدرت أوامر للقوات الأمنية باتخاذ كل التدابير اللازمة لمواجهة هؤلاء الأشخاص، ونشر المزيد من القوات الأمنية حول الحقول النفطية، ومؤسسات الدولة، وإقامة نقاط للتفتيش. كما قامت الدولة بإيقاف خدمات الإنترنت في محافظات العراق كافة. ومن الجدير بالذكر أن هناك العديد من المواجهات التي وقعت بين القوات الأمنية والمحتجين في مختلف المحافظات، ما أدى إلى حدوث العشرات من الإصابات، سواء بين صفوف القوات الأمنية أو المتظاهرين.

وفي محاولةٍ منها لتهدئة غضب المتظاهرين في المحافظات الجنوبية، أصدرت الحكومة بيانات وقرارات عدة، حيث أعلنت أنها «مسؤولة عن تلبية مطالب المتظاهرين المشروعة، وأنها مع حق التظاهر السلمي للمواطنين»، وأصدر مجلس الوزراء قراراً بتخصيص ثلاثة مليارات دولار لتنمية المحافظات الجنوبية، والإعلان عن عدد من فرص العمل، وتوسيع شبكات الكهرباء، وبناء محطات تحلية المياه، وأن تقوم وزارة الكهرباء بالاتفاق مع السعودية وإيران لاستيراد الكهرباء منهما لتزويد المحافظات الجنوبية باحتياجاتها، وإقالة العديد من المسؤولين والقيادات الأمنية، واستبدالهم بشخصيات وقيادات أخرى.

دعم سياسي

صدرت العديد من المواقف وردود الأفعال من قبل القوى والأحزاب السياسية والمرجعيات الدينية إزاء الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية، فقد أيد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الاحتجاجات، وناشد المتظاهرين الحفاظ على السلمية، والمحافظة على الممتلكات، وندد بالإجراءات الأمنية التي اتُّخذت ضد المحتجين، بينما دعا نائب الرئيس العراقي إياد علاوي، إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وإعادة الانتخابات البرلمانية، في بيان موقفه من الاحتجاجات. ولا تختلف مواقف القوى السياسية الأخرى من هذه الاحتجاجات، من حيث إعلان تأييدها لها بشرط احتفاظها بالسلمية، وعدم خروجها عن ذلك باستخدام العنف والتخريب.

مؤشر خطر

يمكن القول إن هذه الاحتجاجات تمثل مؤشراً خطراً على تفاقم الأوضاع في العراق، واستشراء أزمة الفساد، وتردي الخدمات، وتدهور المستوى المعيشي، وتصاعد الفقر، ووصول المواطن إلى حالة من الاستياء والإحباط دفعته إلى الاحتجاج والتظاهر بهذا الشكل الغاضب.

وتسود حالة من عدم الثقة في الوقت الحالي بين المواطنين العراقيين، حيث يرى العديدون أن القرارات الحكومية التي تم الإعلان عنها لتلبية مطالب المتظاهرين لن يتم تنفيذها، لاسيما أن العديد من التوجهات التي أُعلنت سابقاً في ما يخص الإصلاح ومحاربة الفساد، ظلت مجرد شعارات أكثر من كونها سياسات قابلة للتطبيق.

- أهم أسباب قيام الاحتجاجات هو تزايد ظاهرة

البطالة، وعدم توافر الوظائف وفرص العمل

لآلاف الخريجين وحملة الشهادات الأولية والعليا،

ما زاد من نقمة هؤلاء الشباب والعاطلين عن العمل

على الحكومتين المحلية والاتحادية، عندما لم تتمكن

من توظيفهم وتوفير فرص عمل لهم.