تقلبات السياسة الأميركية تزيد التقارب بين روسيا وأوروبا - الإمارات اليوم

الطرفان تربطهما مصالح ظرفية وقصيرة الأجل

تقلبات السياسة الأميركية تزيد التقارب بين روسيا وأوروبا

صورة

بعد ما يقرب من عام على استضافته الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر فرساي، ذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سان بطرسبرغ. وأجرى ماكرون، الذي خاطب المنتدى الاقتصادي الدولي لسانت بطرسبرغ، قبل أيام، محادثات مباشرة مع نظيره الروسي، حيث ناقش الطرفان الأزمة في أوكرانيا والحرب في سورية، وربما الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن إنقاذ صفقة إيران النووية التي وقعت عليها فرنسا وروسيا.

قمة بعيدة المنال

قد يجد بوتين أن قرب ماكرون من الرئيس الأميركي مفيد، فيما تظل قمة رئاسية أميركية - روسية بعيدة المنال. وفي اليوم الذي بدأ فيه الرئيس الفرنسي زيارته لواشنطن في أبريل، اتصل به بوتين وتحدث الرجلان مرة أخرى بعد أن عاد الرئيس الفرنسي إلى بلاده.

ومع ذلك، فإن هذا التقارب يجعل ماكرون يبدو للروس أنه تحت تأثير واشنطن، وليس لاعباً مستقلاً. وقد يكون هناك شيء من خيبة الأمل في موسكو، لأن ماكرون لم يعرض الخط المستقل نفسه الذي تبناه الرؤساء الفرنسيون السابقون، مثل شارل ديغول أو فرانسوا ميتران. وقفت فرنسا مع الولايات المتحدة - وضد روسيا - بشأن قضايا مثيرة للخلاف مثل هجوم الأسلحة الكيميائية المزعوم في سورية، في وقت سابق من هذا العام، وطردت الدبلوماسيين الروس للاحتجاج على تسميم عميل روسي سابق في بريطانيا.

في أول زيارة له لروسيا كرئيس، قدم ماكرون نفسه على أنه جسر بين موسكو وأوروبا، وتباهى باقتباسات من كتابات الروائي والمفكر الروسي ليو تولستوي، وقال: «عندما يصبح التاريخ معقداً، يجب تبسيطه»، متابعاً «نحن بحاجة إلى إنشاء آليات جديدة للتعاون تقربنا من بعضنا بعضاً». وفي هجوم واضح وجلي، قال الرئيس الفرنسي إن القادة قد يتطلعون إلى الرياضة للتعبير عن العلاقات الدولية المتذبذبة، «أعرف كم تحب الجودو، مع ضبط النفس واحترام الخصوم. أنا أحب كرة القدم، لعبة جماعية. يجب أن نحاول جعل السياسة الدولية لعبة جماعية».


منذ احتلال روسيا لشبه جزيرة

القرم وضمها إليها قبل أربع

سنوات، تجنب القادة الغربيون

بشكل واضح لقاء بوتين، حيث حد

الرئيسان الأميركيان باراك أوباما

وترامب من اتصالاتهما الشخصية

معه على هامش التجمعات الدولية

الكبرى. ومع حضور عدد من

الزعماء والمسؤولين الكبار للمنتدى

الاقتصادي السنوي في سانت

بطرسبرغ، باتت عزلة روسية

المفترضة مجرد أسطورة.

مثل هذه الزيارة كانت ستكون غير واردة قبل شهرين. في ذلك الوقت، وصلت التوترات بين موسكو وأوروبا إلى مستويات الحرب الباردة، بعد أن تسمم جاسوس روسي سابق بعامل أعصاب نادر على الأراضي البريطانية، الهجوم الذي تقول بريطانيا وحلفاؤها إن روسيا فقط يمكن أن تقوم به، رغم النفي المتكرر من موسكو. وأدى الخلاف في النهاية إلى طرد أكثر من 100 دبلوماسي روسي من عواصم عبر أوروبا وأميركا الشمالية، كما قامت روسيا بطرد عدد مماثل رداً على ذلك.

واليوم، يقرر الرئيس ترامب سحب الولايات المتحدة من الاتفاق الإيراني المعروف بـ«خطة العمل المشتركة الشاملة»، ليضع أوروبا بين أمرين أحلاهما صعب. من ناحية، يمكن أن تشاهد إنجازات دبلوماسية متميزة تنهار، ومن ناحية أخرى، يمكن أن تقوم أطراف معينة بمحاولة إنقاذ الصفقة حتى لو كان ذلك يعني تعريض الشركات الأوروبية للعقوبات الأميركية. حتى الآن يبدو أن القادة الأوروبيين اختاروا الاستراتيجية الثانية، إذ تعهدوا بالحفاظ على الاتفاق، حتى لو استدعى الأمر القيام بذلك من دون واشنطن. وقال رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، الأسبوع الماضي، «طالما أن هناك احتراماً للالتزامات، فإن الاتحاد الأوروبي سيلتزم بطبيعة الحال بالاتفاق الذي كان أحد صناعه»، متابعاً «سنفعل ما في وسعنا لحماية شركاتنا الأوروبية» من الولايات المتحدة.

واشنطن ستفرض عقوبات على الشركات التي تتعامل مع إيران، ويشمل ذلك إدخال أنظمة من شأنها أن تمنع الشركات الأوروبية من خرق العقوبات ولكن ليس من الواضح تماماً مدى فاعليته.

هدف مشترك

إلى ذلك، عبرت طهران عن قلقها، الأسبوع الماضي، بشأن انسحاب الشركات الأوروبية من البلاد، ما يجعل اجتماع ماكرون وبوتين أكثر أهمية. وباعتبار روسيا واحدة من الدول الست المتبقية في الاتفاقية، والتي تشمل أيضاً الصين وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيران، فإنها تشاطر الاتحاد الأوروبي هدفه في الحفاظ على الاتفاقية النووية. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، «لم ندعم أبداً سياسة العقوبات الانفرادية، ولن نفعل ذلك أبداً لأننا نعتقد أنها غير قانونية»، في إشارة على ما يبدو إلى إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران، «نحن مصممون على تعزيز تعاوننا الشامل».

ويضيف قرار ترامب بسحب الولايات المتحدة من الصفقة الإيرانية صدعاً آخر في العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بعد تلك التي تسبب فيها انسحاب واشنطن، العام الماضي، من اتفاقية المناخ في باريس، وتهديد ترامب الأحدث بفرض رسوم كبيرة على الألومنيوم والصلب الأوروبي مع انتهاء الإعفاءات الأسبوع المقبل. وقد أثارت هذه الخلافات الشكوك في متانة العلاقة عبر الأطلسي. بالنسبة لإيران، على الأقل، هناك أمل أن تنجرف أوروبا بعيداً عن الولايات المتحدة وأقرب إلى روسيا.

روسيا وأوروبا في الخندق نفسه

وعلى الرغم من أن أوروبا وروسيا الآن تجدان نفسيهما في الخندق نفسه في ما يخص قضية الاتفاق النووي، مقابل الولايات المتحدة، فإنها لاتزال بعيدة كل البعد عن التقارب الكامل. وفي ذلك يقول الباحث في «شاتام هاوس» ومقرها لندن، ماتيو بوليغ، «إنها مجموعة مصالح قصيرة الأجل وظرفية». ولم تدعم أوروبا وروسيا الأطراف المتنازعة في الحرب الدائرة في سورية فقط، ولكن أوروبا أيضاً، إلى جانب الولايات المتحدة، تواصل فرض عقوبات صارمة على موسكو بسبب ضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014.

جوهر الدبلوماسية

وتحدث ماكرون عن هذه الخلافات خلال اجتماعه الأول مع بوتين في فرساي، العام الماضي، واغتنم الفرصة ليتهكم على وسائل إعلامية روسية رسمية، وهي «روسيا اليوم» و«سبوتنيك»، ووصفها بـ«عملاء التأثير والدعاية».

لكن بوليغ يرى أن هذه الخلافات يجب ألا تؤثر على التعاون الروسي - الأوروبي عندما يتعلق الأمر بإيران؛ «هذا هو جوهر الدبلوماسية»، متابعاً، «كونك لا توافقني الرأي في قضية ما، لا يعني أننا لن تتفق في قضايا أخرى».

في مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماع عقد قبل أيام، ركز ماكرون على الاهتمام المشترك بين فرنسا وروسيا، وكذلك على الروابط التاريخية والثقافية. وقال ماكرون «إننا ندرك تماماً أننا سمحنا ببعض سوء الفهم لعلاقاتنا المتبادلة»، مضيفاً أنه يتعين على الجانبين المضي قدماً معاً و«مواصلة العمل على تعزيز ثقتنا المتبادلة».

وعلى الرغم من الخلاف فإن لديهما شيء مهم آخر: الاستعداد للوقوف في وجه الولايات المتحدة. ويقول بوليغ، «ستستغل روسيا قدر المستطاع هذا الطرح، بأن الولايات المتحدة لا تحترم التزاماتها الدولية»، موضحاً «سيتم تقديم ذلك على أنه انتصار، وهذا سيسمح لروسيا بأن تكون لها اليد العليا في أي مفاوضات مستقبلية في ما يتعلق بإيران، وهذا مرتبط مباشرة بسورية لأن إيران بالفعل لاعب رئيس في أي نوع من التسوية السلمية في سورية، وسوف تستفيد روسيا بالتأكيد من ذلك».

طباعة