لوضع حدّ لتدخلات طهران في المنطقة

ترامب مُطالب بوقف الممر الجوي بين إيران وسورية

صورة

في الشهر الماضي، انتهكت طائرة إيرانية بلا طيار المجال الجوي الإسرائيلي بعد إقلاعها من قاعدة في سورية، وأسقطتها إسرائيل، ومن ثم شنت غارات جوية عدة انتقامية على القواعد الإيرانية والسورية. وربما بدا الاستفزاز الإيراني مفاجئاً، إلا أنه نتيجة طبيعية لجهود التوسع الإيراني لتحويل سورية إلى قاعدة متقدمة لشن هجمات ضد إسرائيل. ولكن لاتزال هناك فرصة للولايات المتحدة لمنع الوجود الإيراني في سورية، عن طريق وضع حد للسياسات التي شجعتها على فعلتها السابقة.

ويعتبر إنشاء جسر بري من إيران حتى البحر المتوسط من أهم أولويات طهران، أي طريق متواصلة دون أي عائق على الأرض. ومن شأن هذا الجسر أن يربط سورية ولبنان مع النظام الإيراني في طهران، ما يضمن له استخدامه كمنصة تستند عليها طهران في حربها ضد إسرائيل. وفي واقع الأمر فإن إيران ليست بحاجة إلى جسر بري، إذ إنها تمتلك ممراً جوياً، لكنها يمكن أن تحقق فوائد إضافية من السيطرة على طرق النقل الأرضية إلى سورية، وأثبت نقل الأطنان من الإمدادات وآلاف المقاتلين إلى دمشق منذ عام 2011، أن هذا الطريق فعال تماماً.

وجاء من مصلحة إيران وسورية أن الولايات المتحدة أكملت انسحاب جيشها مع نهاية عام 2011، في الوقت الذي كان نظام الرئيس، بشار الأسد، يعيش تحت ضغوط المعارضة التي اندلعت بعد محاولة قمع الاحتجاجات في ربيع ذلك العام. ومع تناقص نفوذ واشنطن بسرعة في بغداد لم ينقضِ الكثير من الوقت قبل أن تفتح الحكومة العراقية سماءها للطيران الإيراني، وسمحت بفتح ممر جوي إلى سورية.

ولم تفعل إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، ولا إدارة الرئيس الحالي، دونالد ترامب، أي شيء لوقف هذا الممر الجوي الذي تستخدمه إيران. ومن خلال طرق النقل الجوي تمكنت طهران من إنشاء ترسانة قوية لـ«حزب الله» اللبناني، بحيث أصبح أكثر تسليحاً مما كان عليه في حرب عام 2006 ضد إسرائيل. ونقلت إيران التقنية اللازمة لإنشاء مصانع صواريخ في لبنان لتعزيز قدرة «حزب الله» العسكرية.

• إيران تصبو إلى دمج الطرق الجوية والأرضية والبحرية لإيصال الإمدادات إلى وكلائها.

وساعد الممر الجوي إيران على نقل عشرات الآلاف من مقاتلي الميليشيات الشيعية وعائلاتها إلى سورية، خلال السنوات الماضية، للقيام بالتطهير العرقي في المناطق التي يقطنها المسلمون السنة. والأهم من كل ذلك أن طهران، من خلال الدعم الثابت والناجح لنظام الأسد، ضمنت سيطرتها على دمشق، الأمر الذي سهّل لألوية الحرس الثوري الإيراني البقاء في سورية.

ويمثل فتح الممر الجوي إلى سورية ولبنان تطوراً رئيساً على الطرق البحرية التي كانت إيران تعتمد عليها سابقاً بهدف تجهيز وتسليح «حزب الله»، إذ إن السفن التي تغادر الموانئ الإيرانية تستغرق زمناً طويلاً للوصول إلى سورية، وبالنظر إلى عقوبات منع التسلح التي فرضتها الأمم المتحدة بصورة متواصلة على إيران، ثمة خطر مستمر من إمكانية اعتراض هذه السفن في عرض البحرين المتوسط والأحمر ومصادرة شحناتها. وفي يناير 2002 صادرت إسرائيل شحنة إيرانية تحوي 50 طناً من الأسلحة كانت موجهة إلى السلطة الفلسطينية، خلال ذروة الانتفاضة الثانية، وفي يناير 2009 صادرت القوات الأميركية سفينة «مونسرغورسك» في البحر الأحمر، حيث كانت تحمل 2000 طن من الأسلحة إلى سورية. وفي نوفمبر من العام ذاته اعترضت إسرائيل 500 طن من الأسلحة مرسلة إلى «حزب الله» على السفينة «فرانكوب».

وتصبو إيران إلى دمج الطرق الجوية والأرضية والبحرية لإيصال الإمدادات إلى وكلائها. وأحياناً كانت ترسل شحناتها بالجو إلى مطارات إقليمية ليتم شحنها بالشاحنات عبر الحدود العراقية - السورية، وأخيراً عندما فتحت بغداد مجالها الجوي عام 2011، باتت شحنات السلاح الإيرانية تصل إلى سورية بصورة أسرع.

استفادت إيران مباشرة من هذا الوضع، ولاتزال تستخدم الشحن الجوي. وفي يونيو وأكتوبر 2011 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أكبر شركتين للنقل الجوي في إيران، هما «إيران آير» و«ماهان آير»، لأنهما قامتا بنقل أسلحة إلى حلفاء إيران في الخارج، وعلى الرغم من هذه العقوبات واصلت الشركتان العمل والطيران.

وفي صيف عام 2015، تزايد النقل الجوي بصورة مفاجئة، وكانت إيران، في ذلك الوقت وست من الدول الكبرى في العالم، تتفاوض على الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم «خطة العمل الشاملة»، وفي تلك الفترة أيضاً كانت قوات المعارضة على وشك التغلب على قوات النظام السوري والإيرانية أيضاً. وبناء عليه طار رئيس الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، إلى موسكو للتنسيق مع حكومتها حول استراتيجية تعمل على تغيير مجرى الحرب الأهلية لمصلحة إيران والنظام السوري. واعتمدت تلك الاستراتيجية على زيادة كبيرة في إمدادات الأسلحة والعسكريين من قبل إيران، الذين تم نشرهم سريعاً في ميدان المعركة. وكانت وسيلة النقل مئات من الطلعات الجوية التي قامت بها الطائرات الإيرانية والسورية.

وأسهمت شركة «إيران آير» مباشرة في عمليات النقل الجوي، حيث تم تسجيل نحو 140 رحلة جوية ما بين دمشق وطهران في الفترة بين يناير 2016 (عندما تم تنفيذ الاتفاقية النووية) ومايو 2017 عندما أصبح جدول رحلات الشركة إلى سورية غير معلوم على نحو مفاجئ. وأما شركة «ماهان» فقد واصلت طيرانها بين إيران وسورية حتى يومنا هذا، حيث تم تسجيل 379 رحلة طيران منذ يناير 2016. وكذلك واصلت شركة الطيران السورية عملها بين البلدين، إضافة إلى شركة طيران سورية خاصة هي «أجنحة الشام»، وشركة طيران يمتلكها الحرس الثوري الإيراني تدعى «بويا»، وطائرتي جامبو إيرانيتين يديرهما الحرس الثوري والقوات الجوية الإيرانية، حيث بلغ تعداد هذه الرحلات بين طهران ودمشق نحو 1500 رحلة.