الإمارات اليوم

«الحركة الخضراء» أهم تحدٍّ للنظام منذ 30 عاماً

السلطة في إيران تتبنّى القمع والاستبداد منذ عقود

:
  • ترجمة: مكي معمري عن: «فورين أفيرز»
  • فشل مير حسين موسوي في تحقيق التغيير السلمي. أرشيفية
  • شهدت رئاسة أحمدي نجاد أحداثاً غير مسبوقة. أرشيفية

شهدت إيران تحت حكم أحمدي نجاد أخطر التحديات التي واجهت المؤسسة المحافظة منذ عام 1979، ففي عام 2009 ترشح أحمدي نجاد لفترة ثانية، بدعم ضمني من المؤسسة الحاكمة، بما في ذلك المرشد الأعلى، وكثير من قادة الحرس الثوري. وقد تحداه اثنان من السياسيين البارزين، هما مير حسين موسوي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء في السابق، ومهدى خروبى، رجل الدين البارز ورئيس البرلمان السابق. وكلاهما كانا شخصيتين بارزتين في المؤسسة الحاكمة، ولكنهما ركزا خلال الحملة الانتخابية على الإصلاح ووضع حد لعزلة إيران الدولية. وكان هذا هو الأمل في التغيير الذي حظي بتأييد واسع النطاق. وكانت مسيرات حملة موسوي حاشدة ومتحمسة بشكل خاص. وقد حظي موسوي وخروبي، بتشجيع من الحشود الشعبية، وكانا أكثر جرأة في انتقاد الحكومة والدعوة إلى الإصلاح.

عشية التصويت، أشارت جميع العلامات - مع حجم التجمعات المعارضة، وحماس أنصار موسوي، والمشاركة الكبيرة في يوم التصويت - إلى فوز موسوي. لكن عندما تم الإعلان عن النتائج في وقت مبكر بشكل أثار الشبهات، أُعلن عن فوز نجاد بفارق كبير وغير معقول.

واندلعت الاحتجاجات في اليوم التالي، وخرج الآلاف إلى شوارع طهران يتساءلون «أين صوتي؟» واستمر ذلك أياما، الأمر الذي أزعج النظام كثيراً. فيما استمرت الحركة الخضراء (نسبة للون الذي اعتمده مؤيدو موسوي خلال الحملة) في النمو، وبدأت تدعو إلى تغيير جذري، يتجاوز الإصلاحات الخفيفة التي تبناها زعيما المعارضة.

أعمال الانتقام

النظام تعلّم

تعلّم النظام كثيراً من تجربته في عام 2009، وسمح بانتخاب روحاني في عام 2013 وتجنب التدخل الصارخ في الاقتراع. هذا الحذر من جانب النظام، وما شاهده الإيرانيون من اضطراب في بلدان عربيm، مثل مصر وسورية، والصراعات في البلدين المجاورين لإيران، أفغانستان والعراق، كل ذلك عزز ميلهم وتفضيلهم للتغيير من خلال الإصلاح التدريجي، وتحقيق ذلك من خلال صندوق الاقتراع، بعيداً عن العنف والسلاح، إذن فالثوار ليسوا على البوابة بعد.


• فشل الزعماء الإصلاحيون في تعبئة الشرائح الاجتماعية خارج قاعدة المعارضة، من الطلاب والنساء والمهنيين.ونتيجة لذلك، بقيت الأغلبية العظمى من رجال الدين، والتجار، وأصحاب المحال، والعمال، تقف بعيداً.

• الحالة الإيرانية أقرب إلى النموذج الإندونيسي. إيران «دولة استبدادية بشكل حصري». وتتركز السلطة في أيدي نخبة قليلة من رجال الدين. حتى المعارضة الإصلاحية المعتدلة فقدت الكثير من النفوذ.

• هذه الدراسة القيّمة أعدتها الباحثة، هالة أسفندياري، قبل أيام من تفجّر الانتفاضة الأخيرة في إيران، وكأنها كانت تدرك أن المسحوقين والمهمشين في إيران لن يطول بهم الانتظار، وأن الحكومة القمعية في هذا البلد، التي أفقرت شعبها، ومنعته من حرية التعبير، وسدت الأفق أمامه، لن تصمد طويلاً، خصوصاً أنها تمددت في مهام خارجية وتدخلت في شؤون دول أخرى بلا ضرورة، بدلاً من أن تلتفت إلى التنمية ورفاهية شعبها. ونظراً إلى أهمية ما ورد في الدراسة من أفكار، وما توصلت إليه من استنتاجات، فقد رأينا أن نقدمها للقارئ الكريم على حلقتين.

رد النظام بقسوة، ويصف الكاتب، ميساغ بارسه، الحملة في تفاصيل حية. وقد تم إرسال عدد كبير من شرطة مكافحة الشغب والقوات شبه العسكرية إلى الشوارع، حيث اعتقلتا المتظاهرين وحاصرتا قادة متعاطفين مع حركة الإصلاح. وأغلقت الحكومة المنظمات السياسية المعارضة، وحظرت المظاهرات (على الرغم من أنها نُظمت)، وأصدرت وابلاً من الدعاية ضد المتظاهرين. وقُتل العديد من المتظاهرين في اشتباكات مع قوات الأمن في الشوارع، أو من قبل القناصة على أسطح المنازل، وبمجرد إخماد الاحتجاجات بدأت أعمال الانتقام، ففي إحدى الحالات تمت محاكمة العديد من المسؤولين البارزين السابقين وأعضاء البرلمان، الأمر الذي كشف عن انقسامات عميقة داخل النخبة الحاكمة.

تعلم من التجربة

يبدو أن النظام قد تعلم من تجربته في عام 2009. «الحركة الخضراء»، يكتب بارسه، «هزت أساس الجمهورية الإسلامية، أكثر من أي حدث آخر في 30 عاماً منذ الثورة، وقد باتت الحركة تشبه المرحلة الأخيرة من ثورة عام 1979». ومع ذلك فشلت جزئياً، وفق بارسه، لأن قائداها موسوي وخروبي كانا إصلاحيين متدرجين، وليسا سياسيين لديهما قدرة على التغيير الراديكالي الذي يسعى إليه الحشود. وفي مناسبات عدة حاول موسوي تهدئة حشود المتظاهرين، وأدت هذه الفجوة بين القادة والمتظاهرين إلى إضعاف الحملة. وعلاوة على ذلك لم يكن لدى موسوي وخروبي أي خطط للتعامل مع حملة النظام عندما بدأت، كما لم يكن المتظاهرون أنفسهم منظمين بما فيه الكفاية، للحفاظ على الحركة في مواجهة الضغط الحكومي. وفشل الزعماء الإصلاحيون في تعبئة الشرائح الاجتماعية خارج قاعدة المعارضة، من الطلاب والنساء والمهنيين من الطبقة المتوسطة، ونتيجة لذلك، خلافاً لثورة 1978-1979، بقيت الأغلبية العظمى من رجال الدين، وخطباء الجمعة والتجار، وأصحاب المحال والعمال الصناعيين، تقف بعيداً. ولم ينخرط عمال المصانع في إضرابات، ولم يعطل التجار وأصحاب المحال شبكات التوزيع، ولم يمنع العمال إنتاج النفط وتصديره. ويرجع بارسه هذه العيوب إلى فشل القيادة (المعارضة)، وضعف أو غياب هياكل الدعم مثل النقابات العمالية والجمعيات المهنية، وبالطبع يرجع السبب إلى القمع الشديد.

انتفاضة طلابية

وفي ضوء هذه الخلفية من الإصلاح الفاشل والاحتجاج والقمع، يجيب بارسه عن السؤال الذي يبدأ به كتابه: «أي طريق يمكن أن تنتهجه الديمقراطية في إيران: الإصلاح أم الثورة؟»، وللمقارنة سلط بارسه الضوء على تجربة بلدين لهما تاريخهما الخاص في الديمقراطية، هما كوريا الجنوبية وإندونيسيا. في كوريا الجنوبية، بعد انتفاضة طلابية عام 1960، أنشأ الجيش ديكتاتورية، وفرض دستوراً يميز الجيش كنخبة حاكمة. لكنها لم ترفض الديمقراطية من حيث المبدأ، أو تحاول القضاء على المعارضة. وفي الوقت المناسب تجمعت القوى المعتدلة مجدداً، ودفعت مرة أخرى من أجل الإصلاح الديمقراطي، وعلاوة على ذلك سمحت الديكتاتورية الكورية الجنوبية لقطاع خاص نشط بالسيطرة على الاقتصاد، وترك الطريق مفتوحاً أمام التصنيع والازدهار.

على النقيض من ذلك، رفضت الديكتاتورية في إندونيسيا، التي أنشأها الجنرال سوهارتو في عام 1967، فكرة الديمقراطية ذاتها، وأغلقت الباب أمام التنافس السياسي. وقد هيمنت الدولة على جزء كبير من الاقتصاد، بفضل عائدات صناعة تصدير النفط المزدهرة في البلاد. وقد أُعطي الجيش دوراً كبيراً في السياسة والشؤون الاقتصادية. وفي عام 1997، عندما وقعت إندونيسيا في الأزمة المالية الآسيوية، كانت أولى نتائج عقود حكم سوهارتو من القمع والفساد، اندلاع الثورة، وفي أوائل العام التالي بدأت الاحتجاجات الجماهيرية وأعمال الشغب، وفي غضون خمسة أشهر، فقد سوهارتو دعم الجيش وأُجبر على الاستقالة.

معايير

ووفقاً للمعايير التي وضعها بارسه لتحديد ما إذا كانت الدول الاستبدادية ستتحول إلى الديمقراطية من خلال الإصلاح أو الثورة، فإن الكاتب يخلص إلى أن الحالة الإيرانية أقرب إلى النموذج الإندونيسي. إيران «دولة استبدادية بشكل حصري». وتتركز السلطة في أيدي نخبة قليلة من رجال الدين. حتى المعارضة الإصلاحية المعتدلة فقدت الكثير من النفوذ. وترفض أيديولوجية النظام الإيراني الديمقراطية من حيث المبدأ، وتتدخل الدولة بشكل مكثف في المجالات الاجتماعية والثقافية، ما يضطر السكان إلى مقاومة سلبية أو معارضة صريحة، ويزيد من حدة التوتر بين الحكومة والمجتمع.

كما تحتكر الدولة الاقتصاد، والنتيجة هي ضعف القطاع الخاص وغياب المنافسة، ودور كبير للجيش في الاقتصاد والسياسة، وعدم المساواة على نطاق واسع في الثروة والدخل وارتفاع مستويات الفساد والمحسوبية. لقد نشأت فجوة كبيرة بين الشعب الإيراني وحكامه. ويقول بارسه «رجال الدين الحاكمون ليست لديهم مصلحة في التحول الديمقراطي، لأن هذا التحول سيقوض امتيازاتهم الاقتصادية وقوتهم السياسية» متابعاً «هذا المسألة تضاف إلى صراعات متعددة لا يمكن التوفيق بينها، وهي متجذرة في جوهر الاستبداد الديني. إضفاء الطابع الديمقراطي على إيران من خلال الإصلاح غير متاح، وإذا استمرت هذه الظروف والصراعات فإن الإيرانيين قد يكون لديهم خيار واحد فقط لإضفاء الطابع الديمقراطي على نظامهم السياسي: الثورة».

التغيير السلمي

ومهما كان بارسه يؤمن باحتمالات ثورة، فإن العقود الثلاثة الماضية أظهرت مراراً وتكراراً أن الشعب الإيراني، بشكل عام، يفضل التغيير السلمي على الاضطرابات والفوضى. لقد صوّت الإيرانيون مرتين بأعداد كبيرة للرئيس الإصلاحي خاتمي، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة اختاروا مرة أخرى الإصلاحي المعتدل، حسن روحاني. وكما أشار بارسه نفسه، خلال الاحتجاجات الجماهيرية في عام 2009، بقي العمال الصناعيون والتجار وأصحاب المحال التجارية والأغلبية العظمى من رجال الدين، بعيداً، وهذا يشير إلى أن هذه الشرائح الرئيسة ليست لديها الرغبة في اضطراب آخر من النوع الذي شهدته في السنوات الأولى للثورة الإسلامية، وأن جروح الماضي من القمع لاتزال حاضرة.

هالة أسفندياري - زميلة مركز «وودرو ويلسون» الدولي للباحثين وكاتبة «سجني» و«بيتي: قصة إيرانية مع الاحتجاز في إيران».