الإمارات اليوم

على الرغم من اعتراض المجتمع الدولي

توقيت اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل لم يكن مصادفة

:
  • ترجمة: عوض خيري عن «واشنطن بوست»
  • أحد الفلسطينيين يرنو إلى القدس من بعيد. إي.بي.إيه
  • ترامب يرفع أمام الكاميرا توقيعه بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. أ.ب

قبل 100 عام من هذا الشهر، استولى الجنرال البريطاني، أدموند اللنبي على القدس من الأتراك العثمانيين. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن يختار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هذا التاريخ ليعلن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، رغماً عن الاعتراضات التي أبداها قادة الدول العربية والاسلامية، وحتى حلفاؤها المقربون في أوروبا.

• ساعد انتصار حزب الليكود اليميني عام 1977، بقيادة مناحيم بيغن، على ترسيخ هذا التركيز الجديد على القدس، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هوية إسرائيل، وأصبح المستوطنون المتديّنون أكثر بروزاً في الحياة السياسية بإسرائيل.

• المجتمع الدولي يتفق جميعه على أن ضم القدس الشرقية واستيطانها منذ 1967 غير شرعي، ويرفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الصراع على القدس يعود إلى آلاف السنين، مروراً بالعصر التوراتي والإمبراطورية الرومانية، وخلال الحروب الصليبية، ولكن الصراع الحالي حول القدس بدأ في منتصف القرن العشرين، وله جذور استعمارية وقومية. ويعتقد أستاذ الجغرافيا التاريخية في الجامعة العبرية، البروفيسور يهوشوا بن عريع، أن «القدس كان لها أهمية كبيرة لدى البريطانيين، وهم الذين جعلوها عاصمة، لكنها لم تكن قبل ذلك عاصمة أي جهة في مختلف العصور».

وشهدت العقود الثلاثة من الحكم البريطاني على فلسطين، بعد دخول اللنبي الى القدس تدفق المستوطنين اليهود الذين جاؤوا لتأسيس وطن لليهود، انطلاقاً من وعد وزير خارجية بريطانيا، آرثر جيمس بلفور، عام 1917، بان حكومة جلالة ملكة بريطانيا ستمنح وطناً بديلاً لليهود في فلسطين، وكان ذلك الوعد كفيلاً بتحديد معالم حقبة مهمة في الشرق الأوسط، بعد أن وجد السكان العرب المحليين أنفسهم خاضعين لواقع انهيار الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت المدينة منذ 1517.

ويقول الباحث بمعهد القدس لبحوث السياسات، آمنون رامون، إنه «من المفارقات أن تتراجع الحركة الصهيونية عن القدس، لاسيما البلدة القديمة، لسببين: أولاً لأن القدس كانت تعتبر رمزاً ليهود الشتات، وثانياً لأن الأماكن المقدسة لدى المسيحيين والمسلمين كانت تعتبر حجر عثرة في سبيل إنشاء دولة يهودية عاصمتها القدس».

وكان العديد من الصهاينة الأوائل من الاشتراكيين الأوروبيين العلمانيين، المهتمين بالقومية، وتقرير المصير، هربوا من الاضطهاد، وليس بسبب اعتناق الأفكار الدينية. ويقول أستاذ السياسة في الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية، مايكل دومبر: «كانت القدس بالنسبة لهم شيئاً من الماضي، وتمثل لهم العودة لثقافة محافظة كانوا يحاولون الابتعاد عنها، ولهذا كانت تل أبيب المدينة الجديدة المشرقة، التي تقوم على تلة مرتفعة، وتتميز بالحداثة».

صدمة غياب الإمبراطورية

بالنسبة للعرب، فإنهم عانوا صدمة شديدة بسبب غياب الإمبراطورية العثمانية، لكنهم عملوا على إعادة ترتيب وضعهم، وظهرت شخصيات فلسطينية من وسط المجتمع الأرستقراطي الفلسطيني في القدس، لتقود الحركة الوطنية الفلسطينية، التي واجهت المهاجرين اليهود.

وأذكت معارضة الحركة الفلسطينية للهجرة اليهودية العديد من أعمال العنف المميتة راح ضحيتها عدد كبير من الجانبين، في حين صب اليهود جام غضبهم على الحكم البريطاني وعلى القيود المفروضة على الهجرة في عام 1939، وهي القيود التي منعت الكثير من اليهود الفارين مما يسمى بالمحرقة من الهجرة الى فلسطين. وبعد الحرب العالمية الثانية، في عام 1947، وافقت الأمم المتحدة على خطة تقسيم تنص على دولتين - دولة يهودية وواحدة عربية - ونص قرار الأمم المتحدة على أن القدس يحكمها «نظام دولي خاص» بسبب وضعها الفريد، إلا أن العرب رفضوا خطة التقسيم، وبعد يوم واحد من إعلان إسرائيل دولتها في عام 1948، هاجمت الدول العربية الدولة الجديدة، وتشردت أعداد هائلة من اليهود والعرب.

ووفقاً لتقسيم القدس أصبح النصف الغربي من القدس جزءاً من دولة إسرائيل الجديدة (ويشكل عاصمتها، بموجب قانون إسرائيلي صدر في عام 1950)، في حين تولى الأردن إدارة النصف الشرقي، بما في ذلك البلدة القديمة، وكانت تعتبر بالنسبة للفلسطينيين نقطة تجمع.

ويقول المؤرخ بجامعة ولاية إلينوي، عصام نصار، إن الدولة الإسرائيلية في وقت مبكر كانت مترددة في التركيز كثيراً على القدس، نظراً لضغوط الأمم المتحدة والقوى الأوروبية.

بدائل

وبعد قبول فكرة وضع القدس تحت السيطرة الدولية، سعت القيادة الإسرائيلية في وقت مبكر إلى إيجاد بدائل للعاصمة، ووضعت في الاعتبار هرتسليا أو أي مكان في الجنوب. كما أدرك القادة الإسرائيليون أن عدم السيطرة على الأماكن المقدسة في القدس، قد يكون له بعض المزايا.

ولعل الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، هي التي شكلت بطريقة واضحة المنافسة العربية الاسرائيلية حيال القدس. ففي تلك الحرب استطاعت إسرائيل أن تستولي على اراضٍ عربية، من ضمنها قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، ومرتفعات الجولان من سورية.

ويقول أستاذ الدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، رشيد الخالدي: «لقد عادت القدس محطاً للاعتقاد الديني المتفاني الذي لم يكن موجوداً في السابق». وأضاف أن ذلك «تحول الى درجة غير عادية من النزعة الدينية المتشددة التي باتت تهيمن على السياسة الإسرائيلية، مع تركيزها على الجدار الغربي».

وقد ساعد انتصار حزب الليكود اليميني في عام 1977، بقيادة مناحيم بيغن، على ترسيخ هذا التركيز الجديد على القدس، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هوية إسرائيل، وأصبح المستوطنون المتدينون أكثر بروزاً في الحياة السياسية بإسرائيل، ويمثل ذلك بداية صعود طويل لم يتوقف حتى الآن. وأفسح الاشتراكيون القدامى ذوو الجذور الروسية والأوروبية الشرقية الطريق أمام سكان أكثر تنوعاً - وأكثر تديناً - من الإسرائيليين، ذوي الأصول الشرق أوسطية والشمال إفريقية ومناطق أخرى.

أهمية رمزية متزايدة

وكجزء من هذا التحول، ازدادت أهمية القدس الرمزية. وتم التأكيد على دورها في التاريخ اليهودي في المسيرات والمناهج العسكرية، وتم نقل الطلاب من جميع أنحاء إسرائيل إلى هناك في زيارات مدرسية. وتوجت هذه العملية في عام 1980 عندما أصدر المشرعون مشروع قانون يعلن فيه أن «القدس، كاملة وموحدة، هي عاصمة إسرائيل» - رغم أن إسرائيل لم تكفّ عن ضم القدس الشرقية، وهي خطوة أثارت السخط الدولي.

ويقول البروفيسور الخالدي: «إن المجتمع الدولي يتفق جميعه على أن ضم القدس الشرقية واستيطانها منذ 1967 غير شرعي، ويرفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل». ويضيف «مع تغيير ترامب لهذا الوضع، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي مستدام أو التطبيع العربي - الإسرائيلي الدائم، نظراً الى أهمية القدس للعرب والمسلمين».