الإمارات اليوم

موظفو جمارك وضباط إسرائيليون أنشؤوا شبكات تهريب لإسقاط الشباب الفلسطيني

التهويد بالمخدرات.. سلاح إسرائيل لمحاربة المقدسيين

:
  • زهير دوله - غزة
  • القوات الإسرائيلية تستغل حركة المعابر لتهريب المخدرات التي من خلالها توقع الفلسطينيين في فخ التخابر معها. أرشيفية
  • مخدرات ضبطت مع تاجر يروِّجها للطلبة في القدس. أرشيفية
  • «العيزرية» من أكثر مناطق القدس تضرراً من انتشاراً تجارة المخدرات. أرشيفية
  • جويحان: إسرائيل التي تسهل عملية إدخال المخدرات وترويجها بين الفلسطينيين، تمنعهم من افتتاح مراكز لتأهيلهم وعلاجهم. أرشيفية

في أحد المباني المهجورة، الواقعة ضمن حدود مخيم شعفاط الواقع على بعد خمسة كيلومترات إلى الشرق من مدينة القدس المحتلة، يمكن لأي زائر لهذا المخيم أن يرى بسهولة إبر الحقن الملقاة على الأرض، في حين تكتظ غرف المبنى بالشباب والمراهقين، وكبار السن أحياناً، منهمكين بتسخين الهيروين وغيره من المواد المخدرة على مواقد غازية، أوحقنه في الوريد لبعضهم بعضاً.

انتشار المخدرات الكيميائية

بفضل القوانين الإسرائيلية الواهية، وغياب الرقابة على المعابر، باتت إسرائيل رائدة في صناعة وتوزيع ما يعرف بالمخدرات الخفيفة، وعلى رأسها المخدرات الكيميائية، التي يطلق عليها أحياناً «المخدرات القانونية»، وذلك بحسب مدير مركز المقدسي للتوعية والإرشاد وخبير علاج الإدمان، عصام جويحان.

ويعرف جويحان هذا النوع من المخدرات باسم «مخدرات الأكشاك»، وتشمل أنواعاً عدة مثل هايدور، مسطولون، أكسجين، مسترجاي، سبايسي وغيرها، وهي أنواع غير ثابتة، وتتطور باستمرار عبر التحايل على جداول الأدوية المخدرة، من خلال تطويرها بشكل مستمر عبر خلطها مع بعض النباتات.

ويشير إلى أن هذا النوع من المخدرات يوجد بشكل خاص في المناطق (ج)، الخاضعة للسيطرة الأمنية للسلطات الإسرائيلية، والمناطق (ب) الخاضعة للسيطرة المشتركة لقوات الاحتلال والسلطة الفلسطينية، لافتاً إلى أنه في الأغلب يقيد في تلك المناطق أنشطة السلطة، ومنها مدينة القدس.

وكانت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، في الشرطة الفلسطينية، قد كشفت عن نسبة المخدرات الكيميائية المهربة إلى القدس، إذ بلغت نسبتها 70% من المواد المخدرة المضبوطة، والتي بدأت بالتسرب إلى أراضي السلطة مع نهاية عام 2012.

ويقول مدير مركز المقدسي للتوعية والإرشاد وخبير علاج الإدمان إن «هذا النوع من مخدرات الأكشاك، أو أشباه القنب الاصطناعية، هو توليفة من المواد الكيميائية بمعدلات معينة، يتم خلطها في المختبرات مع بعض النباتات، التي لا علاقة لها بالمخدرات مثل الجعدة، وقرن الغزال، وغيرهما، إذ يكتب عليها باللغة العبرية أنها قانونية 100%، لأن تركيباتها الكيميائية ليست بعد ضمن الجداول الدولية، لتصنيفات المواد التي من الممكن أن تدخل في تركيب المواد المخدرة التي يمنع تداولها».

ويضيف «لذلك يمكن إيجادها على رفوف المحال، وفي الأكشاك والدكاكين وأقسام التدخين، أو في المقاهي التقليدية ومقاهي الإنترنت، ولأن سعرها رخيص يرتفع الإقبال عليها».

ويشير خبير علاج الإدمان إلى أنه على الرغم من أن بعض عبوات هذه المخدرات مكتوب عليها أن قوة تأثيرها أكثر بـ10 مرات من المخدرات التقليدية، أكدت بعض الدراسات أن فاعليتها أعلى بـ40 ضعفاً من المخدرات التقليدية، لافتاً إلى أن تعاطيها يتسبب في الإصابة بأمراض عضوية أو ﻋﻘﻠﻴﺔ ﺃﻭ نفسية، قد تصل إلى حد الموت. ويبين أن أكثر الفئات العمرية للمدمنين تراوح بين 24 و36 سنة، ويمثلون نحو 40% من عدد المدمنين، أما المتعاطون فتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً.

ويشير جويحان إلى أن إسرائيل، التي تسهل عملية إدخال المخدرات وترويجها بين الفلسطينيين، تمنعهم من افتتاح مراكز لتأهيلهم وعلاجهم، وتمنعهم من الحصول على تراخيص لإنشاء مثل هذه المراكز.

وكانت التقارير الرسمية الفلسطينية، الصادرة عن إدارة مكافحة المخدرات في النصف الأول من عام 2017، قد اشارت إلى أن أعداد متعاطي المخدرات قد تجاوزت الـ80 ألف فلسطيني، فيما تجاوز عدد المدمنين 20 ألفاً آخرين، ربعهم من مدينة القدس المحتلة، ما يؤكد مدى استهدافها من قبل إسرائيل ومؤسساتها الأمنية، خصوصاً أن أغلبيتهم من الفئة العمرية القادرة على البناء والتنمية.

وذكرت القناة الإسرائيلية الثانية، وصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في تقارير صحافية، بثت أخيراً، أن المستوطنات الإسرائيلية باتت مرتعاً لتجار وعصابات المخدرات، لانعدام الرقابة وعدم تطبيق القانون فيها، ما يجعل لها الدور الأساسي والبارز في نشر المخدرات بالضفة الغربية، إذ يعمل آلاف الفلسطينيين في هذه المستوطنات، ومن السهل نقل المخدرات إلى بلدات الضفة الغربية عن طريقهم.

الفئات العمرية للمدمنين تراوح بين 24 و36 سنة، ويمثلون نحو 40% من عدد المدمنين، أما المتعاطون فتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً.

تلك إحدى القصص المنسية خلف جدران مخيم شعفاط، الذي يسكنه 24 ألف مقدسي، على مساحة تقدر بـ2000 متر مربع، فقد عزله جدار الفصل العنصري عن بقية قرى ومدن القدس، حيث يصعب على الأهالي الخروج إلى المدينة المقدسة والمرافق الخدماتية، فيما تتجاهله إسرائيل تماماً، على الرغم من وقوعه تحت سيطرة بلدية الاحتلال، وفرض الهوية الإسرائيلية على أفراده، ما أدى إلى تنامي ظواهر العنف، وتعاطي المخدرات.ظاهرة تعاطي المخدرات وانتشارها بين الشبان الفلسطينيين ليست محصورة داخل أسوار مخيم شعفاط، بل تمتد لتطال مناطق القدس وكذلك الضفة الغربية، إذ يحصلون على المخدرات بسهولة من الإسرائيليين، بفعل قربهم من الحدود الفاصلة مع الاحتلال والمستوطنات، وهي تباع في القدس بشكل علني وفي أماكن معروفة للجميع، ابتداء من حاجز شعفاط إلى منطقة باب العامود وسلوان، مروراً بالعيسوية والبلدة القديمة، وصولاً إلى وادي قدوم وبيت حنينا، فيما تعد مناطق الرام والعزيزية وضاحية البريد أكثر المناطق التي تنتشر فيها المخدرات داخل القدس، حيث تتزايد معدلات الفقر بشكل كبير هناك.

تفاصيل ظاهرة تعاطي وانتشار المخدرات بين الفلسطينيين في القدس مثيرة للجدل، فتسهيل عملية دخولها ووصولها إلى الشباب دون عناء، يضع إسرائيل في دائرة الاتهام، كيف لا وهي لها تاريخ مشبوه في توظيف المخدرات لأغراض سياسية، وكذلك تجنيد الشباب، مستغلة أحد الأسلحة التي تجيد توظيفها، والتي تعد الأكثر فتكاً بالفلسطينيين من أي سلاح آخر، فإسرائيل تدرك تماماً أن هدم الإنسان هو أصعب بكثير من هدم البناء، لأنه هو من يصنع التاريخ.

وتكشف معطيات، صادرة عن إدارة مكافحة المخدرات في الضفة الغربية، عن قيمة المخدرات المكتشفة منذ بداية عام 2017، والتي تجاوزت 70 مليون شيكل، كما كشفت عن بلوغ حجم سوق المخدرات في إسرائيل أكثر من ستة مليارات دولار سنوياً، تشمل أكثر من 100 طن من الماريغوانا، وثلاثة أطنان من الكوكايين، وأربعة أطنان من الهيروين، فيما تباع كميات كبيرة من هذه المخدرات للفلسطينيين.

الوقوع في فخ التخابر

«الإمارات اليوم» خاضت غمار حكايات الإدمان وتعاطي المخدرات بين الشبان الفلسطينيين في القدس، في رحلة مليئة بالمغامرة والخطورة، فلم يكن سهلاً الوقوف مع متعاطي وتجار المخدرات والحديث معهم في منطقة باب العامود، أو أزقة القدس المزدحمة بالمارة والسائحين، فقد اقتربنا من أولئك وتعرفنا إلى خبايا قصصهم المثيرة، وكشفنا الغطاء عن تورط إسرائيل في المرتبة الأولى في تسهيل دخول المخدرات وانتشارها بين الفلسطينيين، في وسيلة لمحاربتهم، وجرهم إلى التخابر معها.

محمد (اسم مستعار)، البالغ من العمر 32 عاماً، ينفق أكثر من نصف دخله الشهري المقدر بـ2000 شيكل على شراء المخدرات، التي بدأ تعاطيها منذ أربع سنوات، فقد حصل أول مرة عليها من أحد العاملين داخل المعابر الفاصلة بين القدس الشرقية.

ويقول الشاب محمد إن «إسرائيل تتحكم في تلك المعابر، ومن المرجح أنها تتساهل أو على الأقل تتجاهل مثل هذه الممارسات، حيث تهرب المخدرات من خلال المعابر التي تسيطر عليها».

ويشير إلى أنه كان يحصل على المخدرات من التجار السابقين في مدينة العيزرية بالقدس، ليبدأ بتجارتها على مستوى محدود، ومن ثم توسيع شبكته التي وصلت إلى المصادر المباشرة في القدس وبئر السبع، مؤكداً أن التواصل مع المصادر الأصلية سمح له بالحصول على مخدرات غير مخلوطة، قام بخلطها بنفسه لأجل مضاعفة أرباحه.

الاتجار في المخدرات والإدمان عليها دفعا العديد من المتعاطين والتجار إلى الوقوع في فخ العمالة للعدو، بعد أن سلب أحاسيسهم وشعورهم، فإسرائيل التي تدخل لهم المخدرات بصورة سهلة، وتؤمن ترويجها عبر شبكات تهريب تتبع لها مباشرة، تزج بالمدمنين وتجار المخدرات في سجونها بتهمة التعاطي والاتجار، لتساومهم بعد ذلك خلف القضبان على التخابر معها، مقابل عملية تسهيل الحصول على المخدرات والاتجار بها.

وهذا ما تعرض له مئات الشباب، وفقاً لروايات الأشخاص الذين التقينا معهم، منهم المواطن فادي (47 عاماً)، حيث يقول إن «السلطات الإسرائيلية اعتقلتني أكثر من مرة بتهمة تعاطي المخدرات، كوني أحمل الهوية الإسرائيلية، وفي كل مرة كنت أسجن كان المحققون يعرضون عليَّ العمل لصالحهم، مقابل أن يصبح لي كامل الحرية في بيع المخدرات، حيث طلبوا مني الإدلاء بمعلومات عن الشبان الذين يلقون الحجارة، أو يمتلكون الأسلحة في القدس، وكنت أرفض دائماً، وهذا ما يدفعهم لاعتقالي مرات عدة».

لا تعد حكاية المواطن فادي هي الوحيدة، إذ يسرد شاب آخر (ب.ك)، الذي تعرض لتجربة إدمان في القدس «أن ضباطاً في المخابرات الإسرائيلية عرضوا عليه العمل لصالحهم، في مقابل توفير المال والمخدرات له». ويضيف «هناك جنود إسرائيليون يقفون وراء البيع المباشر للمخدرات، لشباب في القدس، وكذلك في الخليل».

شبكات التهريب

أنشأ بعض الضباط الإسرائيليين وموظفي الجمارك، على المعابر الإسرائيلية، شبكات التهريب عبر الحدود، فبعض العصابات تدخل المخدرات إلى أراضي السلطة عبر الحدود الوهمية، من خلال تجار يهود وعرب يحملون الهوية الإسرائيلية، حيث يتم التبادل بين التجار من الجانب الإسرائيلي والفلسطيني عبر تلك الحدود، وهذا ما يؤكده مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في الضفة الغربية، إبراهيم أبوعين.

يقول مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات إن «بعض العصابات تدخل تلك المخدرات إلى أراضي السلطة عبر الحدود الوهمية، من خلال سيارات تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية صفراء، لمسافة 100 أو 200 متر على الطرق الالتفافية أو أطراف المدن، أو بالقرب من الجدار، حيث يتم التلاقي والتسليم للمروجين والموزعين في الضفة الغربية، أو للمتعاطين بشكل مباشر».

ويضيف «نظراً لكون مصدر المخدرات ومراكز ترويجها داخل إسرائيل، فإن هناك إسرائيليين أو عرباً يحملون هوية إسرائيلية ينسقون مع بعض الجنود، أو موظفي الجمارك الإسرائيلية على بعض معابر الضفة، بحكم تحكم إسرائيل في تلك المعابر والحواجز، لغض الطرف عنهم، انطلاقاً من أن العصابات تستهدف الناس العاملين في هذا المجال، علماً بأننا نواجه مشكلة في التنسيق مع الطرف الآخر، حول هذا الأمر».

ويشير مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات إلى أنه على الرغم من بيع المخدرات داخل إسرائيل، وفي المناطق العربية التي تسيطر عليها أمنياً بشكل علني، فإنها ممنوعة في مناطق السلطة الفلسطينية.

وبالانتقال إلى أحد كبار التجار السابقين للمخدرات في منطقة العيزرية (م.ر)، يؤكد أن عمليات التهريب كانت تتم عبر المعابر والحدود الوهمية، وبعلم من بعض الضباط الإسرائيليين، الذين تربطهم علاقات مشبوهة مع مهربي وتجار المخدرات الإسرائيليين.

ويقول التاجر (م. ر) إن «هذه الإجراءات، التي تتم عبر المعابر والحدود الوهمية، أدت إلى تنامٍ رأسي في حجم ظاهرة انتشار المخدرات، بخلاف تناميها الأفقي بزيادة عدد المتعاطين، فعلى الرغم من أن ترويج المخدرات يعد ممنوعاً قانوناً داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، إلا أنها أصبحت هدفاً لشبكات التهريب التي يديرها إسرائيليون أو عرب يحملون هويات إسرائيلية».

ويؤكد (م. ر) وجود عصابات في القدس والضفة، تتعاون في ما بينها كما في إسرائيل، ولكل عصابة مناطقها، لافتاً إلى أن العصابات في المناطق الفلسطينية المصنفة (C)، الخاضعة لسيطرة السلطة حسب اتفاق أوسلو، مسلحة.

وكان (م.ر) قد بدأ تجارة المخدرات قبل أربع سنوات، وبعدها توسعت تجارته لتصل إلى مناطق اللد والقدس، حيث يقول «بدأت أوزع على مروجين داخل إسرائيل، وداخل أراضي الضفة الغربية».