الإمارات اليوم

نوع من التملق الرخيص.. وليس إحقاقاً للحق والعدالة

اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسـرائيل سيضر بالمصالح الأميركية في المنـطقة

:
  • ترجمة: عوض خيري عن (الديلي ميل، واشنطن بوست، الغارديان)
  • الجماهير الفلسطينية الغاضبة خرجت بطريقة عفوية عقب قرار ترامب بنقل السفارة إلى القدس. أرشيفية

تحدى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التحذيرات التي وردته من جميع أنحاء العالم، يوم الأربعاء الماضي، ليعلن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل. وعلى الرغم من النداءات العاجلة من القادة العرب والأوروبيين التي حذرته من خطر الاحتجاجات والعنف من المناهضين للولايات المتحدة، أعلن ترامب أنه يريد أن ينهي مساراً فشل خلال عقدين في دفع مسار السلام إلى الأمام. كما أنه وافق شخصياً على مفهوم «حل الدولتين» لإسرائيل والفلسطينيين، بشرط أن يوافق الجانبان على ذلك.

في عام 2016، تملق ترامب للمسيحيين الإنجيليين واليهود الأميركيين المؤيدين لإسرائيل، من خلال تعهده بنقل السفارة الأميركية للقدس، في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية. وحظي بشعبية كبيرة مع هؤلاء الناخبين، من بينهم قطب الأعمال الأميركي، شيلدون أديلسون، الذي تبرع بـ25 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية. وأعرب أديلسون عن غضبه، عندما أرجأ ترامب في يونيو نقل السفارة الأميركية للقدس.

كيف برر ترامب نقل السفارة الأميركية؟

المصالح

الاعتراف بالقدس من شأنه أن يضر بالمصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية على المدى الطويل، أكثر مما يفيدها. أما بالنسبة للإضرار بالمصالح فإن ذلك سيكون حتمياً، طالما أن روسيا ليست وسيطاً نزيهاً لعملية السلام، بل إن تحركها كان أقل إثارة للجدل، وبما أنها اعترفت بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، فقد أكدت أن الوضع النهائي للمدينة يجب أن يظل مفتوحاً.

توجد السفارة الأميركية حالياً في تل أبيب، ونقلها إلى القدس سيمثل دعماً قوياً لإسرائيل، وفي الوقت ذاته يمثل تحدياً للفلسطينيين. ويشير بعض المحللين إلى أن ترامب لديه، من الناحية الفنية، إطار قانوني: في عام 1995، ووسط ضغط من الأميركيين المؤيدين لإسرائيل، أصدر الكونغرس، والذي يسيطر عليه الجمهوريون، قانون سفارة القدس، الذي يأمر الرئيس بنقل السفارة إلى هناك. لكن جميع الرؤساء لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك، منذ أن وقع بيل كلينتون على ذلك القانون، والذي يتضمن خياراً يستطيع الرئيس بواسطته إرجاء نقل السفارة كل ستة أشهر.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ما لا يقل عن 90% من العرب يعتبرون إسرائيل عدواً رئيساً لهم. لذلك لا يمكن لأي حكومة عربية أن تغامر وتؤيد ما ذهب إليه ترامب، لأن ذلك من شأنه أن يعمل على إثارة الاضطرابات السياسية الداخلية. وبهذا يكون ترامب قد أضر باستراتيجيته الخاصة بإيجاد تسوية سلمية للصراع في الشرق الأوسط، ليس فقط بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن أيضاً بين إسرائيل وبقية الدول العربية.

وحتى الآن، اتبع صانعو السلام استراتيجية تتمثل في أن تكون القدس جزءاً من تسوية تفاوضية شاملة، يتم تقرير وضعها في المراحل الأخيرة من محادثات السلام، باتفاق كلا الجانبين. إلا أن قفز أميركا إلى استنتاج حول وضع المدينة في الوقت الراهن، وانحيازها للجانب الإسرائيلي، من شأنه، كما يخشى الكثيرون، أن يقوض فرص التوصل إلى اتفاق سلام، كما يمكن أن يضر بموقف أميركا كـ«وسيط نزيه» بين الجانبين.

ولا يتطلب الوضع في الشرق الأوسط الكثير لكي يلتهب بالعنف، ففي عام 2000 اشتعلت الانتفاضة الثانية – وتمثلت في سنتين دمويتين من التفجيرات الفلسطينية وقتل العسكريين الإسرائيليين – واشتعلت تلك الانتفاضة بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أرييل شارون، إلى موقع البلدة القديمة.

الوضع في القدس

تعتبر القدس الجزء الأكثر صعوبة في هذا الصراع الأكثر تعقيداً في العالم. لكنها ستكون عاصمة لكلتا الدولتين: القدس الشرقية لفلسطين والقدس الغربية لإسرائيل. نحو ثلث السكان الذين يعيشون في القدس فلسطينيون. ويعيشون تعايشاً غير مستقر يوماً بعد يوم، تحت الرقابة الشديدة من مجموعات من الشرطة الإسرائيلية المسلحة. وعلى الرغم من حرية الحركة داخل القدس المقسمة، تقيم قوات الأمن الإسرائيلية حواجز تفتيش لإغلاق الأحياء الفلسطينية في أوقات التوتر، مثل موجات الطعن في عام 2015. ومنذ عام 1967، أقامت إسرائيل عشرات المستوطنات، التي يقطنها نحو 200 ألف يهودي، في القدس الشرقية. وهذه تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، على الرغم من أن إسرائيل تعارض ذلك. ويشرف على مدينة القدس رئيس بلدية ومجلس مدينة يتم انتخاب أعضائه لمدة أربع سنوات. العرب الفلسطينيون الذين يعيشون في القدس الشرقية لهم الحق في التصويت، لكن معظمهم يرفض القيام بذلك.

أقامت إسرائيل برلمانها في القدس الغربية، عندما أعلنت دولتها عام 1948. وجاءت هذه الخطوة بعد تصويت الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين على أساس التعهد البريطاني المعروف باسم إعلان بلفور، والذي مهد الطريق لإقامة وطن لليهود. واحتلت اسرائيل 78% من الأراضي، بينما توزع 22% من الاراضي بين غزة والضفة الغربية.

ثم ضمت إسرائيل، في 1967، خلال الحرب العربية الإسرائيلية التي استمرت ستة أيام، القدس الشرقية، التي كان يسيطر عليها العرب، بما في ذلك البلدة القديمة. وقد ادعت إسرائيل أن شطري القدس يمثلان عاصمتها الموحدة.

دول العالم لا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل

غير أن الفلسطينيين يريدون القدس الشرقية عاصمة لهم. ولا تعترف معظم الدول، بما فيها بريطانيا، بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتحتفظ بسفارتها في تل أبيب. وتنأى جميع دول العالم، بما في ذلك الصين، بنفسها عن الاعتراف بادعاء إسرائيل القدس عاصمة موحدة لها. وذلك باستثناء جزيرة فانواتو في المحيط الهادئ، التي اعترفت بذلك في مايو من هذا العام. وكان رئيسها الراحل، بالدوين لونسديل، المسيحي الأنغليكاني قد أكد أن له علاقة قوية بالشعب اليهودي وإسرائيل. وتعتبر تايوان أيضاً القدس عاصمة لإسرائيل، بيد أن إسرائيل لا تعترف بتايوان كدولة. موقف روسيا غامض، لكن يبدو أنه يترك مجالاً للمدينة لتكون عاصمة لإسرائيل، في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

اعتراف ترامب لا يصب في المصلحة الخارجية

يعتقد المفاوض في الشرق الأوسط منذ وقت طويل، آرون ديفيد ميلر، أن ما أقدم عليه ترامب «لا يتعلق بمصالح السياسة الخارجية الأميركية»، ويمضي قائلاً: «إذا كنا نستطيع تحديد مصلحة وطنية أميركية واحدة تفوق كل السلبيات؛ فإن هذه الخطوة ستكون جيدة، لكن ذلك لن يحقق مصلحة واحدة».

ويوافق على ذلك الزميل البارز بمعهد بروكينجز، روبرت كاغان، «بأن ذلك لا يمت إلى السياسة الخارجية بصلة» ويقول: «إنه نوع من التملق الرخيص، وليس إحقاقاً للحق والعدالة، حتى إدارة - الرئيس الأميركي السابق - جورج بوش لم تفعل ذلك من جانب واحد، في غياب أي تقدم نحو التسوية». ويوضح: «يجب أن نكون حلفاء جيدين لإسرائيل، لكن لا يعني ذلك أن نكون تابعين لاستراتيجية إسرائيل أو رهناً لمطالبها السياسية، لديهم مصالحهم، ولدينا مصالحنا أيضاً، ويجب ألا نخلط بينها».

من وجهة أخرى، فإن قرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس سيكون مبرراً للدول العربية، لتقريع وتجاهل وتحدي تفضيلات الولايات المتحدة، فإذا خسرت أميركا على المدى الطويل نفوذها في الدول السنية، التي تحتاج للتعاون معها هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، فإن خطوة نقل السفارة للقدس ستأتي بنتائج عكسية لأميركا.

والآن، ليس من المتوقع أن تكون عملية السلام النهائية قابلة للاستمرار أو في أي وقت بالمستقبل القريب. ويبدو أن حلم مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، بالتوصل لتسوية نهائية هو عبارة عن مسعى ساذج. لكن إذا كانت الإدارة مصممة على ذلك، فمن الصعب أن نرى كيف يستطيع أن يخرج من هذا المأزق. وكان من المفترض أن تهتم الإدارة بحثِّ الفلسطينيين على جبهات عدة (على سبيل المثال التوقف عن التحريض على العنف، ونبذ حماس)، ولكن الآن من الصعب أن تكون مثل هذه المساعي مؤثرة.