الإمارات اليوم

الخلافات بين الطرفين تتزايد

التوتر بين إيران وفرنسا إلى مزيد من التصعيد

:
  • عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - أبوظبي
  • إيمانويل ماكرون دعا إلى تفكيك كل الفصائل المسلحة خلال لقائه رئيس إقليم كردستان نيغرفان بارزاني في باريس. أ.ف.ب
  • ميليشيا الحشد الشعبي. أرشيفية

يبدو أن التوتر سيتصاعد تدريجياً بين فرنسا وإيران خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد أن تجاوزت الخلافات العالقة بين الطرفين الاتفاق النووي، وبدأت تمتد إلى القضايا الأخرى غير النووية على غرار برنامج الصواريخ الباليستية والأدوار التي تقوم بها الميليشيات الطائفية الموالية لإيران، الموجودة في بعض دول المنطقة، وفي مقدمتها ميليشيا «الحشد الشعبي» في العراق.

انتشار الفوضى

يمكن القول إن التوتر سيتحول إلى سمة رئيسة في التفاعلات بين طهران وباريس خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل إصرار الأولى على تبني سياسة تصعيدية للتعامل مع الضغوط التي تواجه جهودها من أجل دعم نفوذها في المنطقة، والذي بات أحد أهم أسباب انتشار الفوضى وعدم الاستقرار في بعض دولها.

وربما لن تكتفي طهران في هذا الإطار بدعم المواقف الرافضة التي اتخذها العديد من الشخصيات والقوى العراقية الموالية لها تجاه دعوة ماكرون على غرار نائب الرئيس العراقي نوري المالكي، الذي اعتبرها مساساً بسيادة العراق ومؤسساتها، وتدخلاً فرنسياً في شؤونها الداخلية، وإنما قد تتجه إلى التدخل في هذا الجدل من أجل توجيه رسائل إلى باريس والأطراف الأخرى بأنها لن تتعاطى بإيجابية مع مثل هذه المبادرات التي ترى أنها الطرف الرئيس المستهدف منها.

• أبدت اتجاهات عدة داخل إيران اهتماماً خاصاً بالتزامن اللافت بين مبادرة ماكرون الجديدة والتحذيرات التي وجهها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايك بومبيو إلى قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، في الثاني من ديسمبر 2017؛ من تداعيات تعرّض المصالح الأميركية في العراق لأي تهديدات محتملة خلال الفترة المقبلة.

فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقائه رئيس إقليم كردستان نيغرفان بارزاني، في باريس في الثاني من ديسمبر 2017، إلى تفكيك كل الفصائل المسلحة بما فيها ميليشيا «الحشد الشعبي»، مشيراً إلى أنه تحدث مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حول هذا الملف من قبل.

ومن دون شك فإن هذه الدعوة لن تلقى تجاوباً من جانب إيران التي مازالت تعتبر استمرار الميليشيات الطائفية دون تفكيكها حتى بعد إعلان العبادي الانتصار على تنظيم «داعش»، يمثل آلية رئيسة لدعم نفوذها الإقليمي داخل كل من العراق وسورية ولبنان واليمن، وغيرها من الدول، وهو ما يبدو أنه سيفرض تداعيات سلبية على العلاقات بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.

اعتبارات عدة

لكن استياء إيران من دعوة ماكرون إلى تفكيك الميليشيات المسلحة في العراق لا يعود فقط إلى ارتباط ذلك بتدخلاتها في الأزمات الإقليمية بالمنطقة، وإنما يعود أيضاً إلى اعتبارات ثلاثة رئيسة: يتمثل أولها في أن ذلك معناه أن باريس باتت ترى أن الدور الإيراني في العراق يفرض تأثيرات سلبية على أمن واستقرار الأخيرة، بما يوحي باقتراب موقفها، نسبياً، من السياسة التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذا السياق.

وهنا أبدت اتجاهات عدة داخل إيران اهتماماً خاصاً بالتزامن اللافت بين مبادرة ماكرون الجديدة والتحذيرات التي وجهها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايك بومبيو إلى قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، في الثاني من ديسمبر 2017؛ من تداعيات تعرض المصالح الأميركية في العراق لأي تهديدات محتملة خلال الفترة المقبلة، حيث أشار في ندوة عقدت بـ«منتدى ريغان» للدفاع الوطني بجنوب كاليفورنيا إلى أنه «بعث بالرسالة عندما قال قائد عسكري إيراني إن القوات التي تحت إمرته قد تهاجم القوات الأميركية في العراق»، مضيفاً «ما تحدثنا عنه في هذه الرسالة هو أننا سنحمّله (سليماني) وإيران مسؤولية أي هجوم على المصالح الأميركية في العراق».

ورغم أن إيران حاولت التقليل من تأثير هذه التحذيرات الأميركية التي جاءت رداً على التهديدات التي وجهها قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري لواشنطن في الثامن من أكتوبر الماضي، بإبعاد قواعدها لأكثر من 2000 كيلومتر في حال إقدامها على تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية من خلال الإيحاء بأن «سليماني لم يرد عليها»؛ فإن ذلك لا يعني أنها لم تهتم بها، خصوصاً أن أي تهديد جديد للمصالح الأميركية في العراق يزيد من احتمال تطور التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران إلى درجة غير مسبوقة ستطرح معها خيارات أخرى، لا تبدو إيران في وارد المغامرة بمواجهتها في المرحلة الحالية، وفي مقدمتها خيار المواجهة العسكرية.

ولذا اعتبرت تلك الاتجاهات أن هذا التزامن بين التصعيد الأميركي والدعوة الفرنسية ربما يؤشر إلى سياسة جديدة تتبناها الدول الغربية من أجل ممارسة ضغوط على إيران، ليس للالتزام بالاتفاق النووي فقط، وإنما للتوقف عن تدخلاتها في المنطقة أيضاً، ودعمها للتنظيمات الإرهابية والمسلحة الموجودة في بعض دولها.

مواجهة «حزب الله»

وينصرف ثانيها إلى أن هذه المبادرة جاءت عقب اندلاع الأزمة السياسية اللبنانية التي تسببت فيها مشاركة «حزب الله» في الصراع السوري لخدمة أهداف إيران في الحفاظ على بقاء النظام السوري، ودعم نفوذها داخل سورية ولبنان، وربما في دول أخرى مثل اليمن، فضلاً عن دوره في تهديد أمن واستقرار بعض الدول الأخرى، مثل الكويت والبحرين.

وهنا فإن إيران لم تفصل بين تلك الدعوة وبين الضغوط التي تمارسها قوى إقليمية ودولية عديدة في الفترة الحالية من أجل دفع «حزب الله» إلى الالتزام بالسياسة العامة التي يتبناها لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بـ«النأي بالنفس» عن الصراع في سورية، والأدوار السلبية التي تقوم بها إيران في المنطقة، وهي الضغوط التي ترى طهران أن هدفها الرئيس يكمن في إضعاف دورها وتقليص قدرتها على ترسيخ نفوذها داخل دول الأزمات.

وربما لا تفصل إيران ذلك أيضاً عن التطورات الميدانية التي يشهدها اليمن، منذ بداية ديسمبر الجاري عقب المواجهات التي تصاعدت بين حزب المؤتمر الشعبي الذي كان يقوده الرئيس السابق علي عبدالله صالح قبل اغتياله في الرابع من ديسمبر، والمتمردين الحوثيين، خصوصاً في ظل دعوة القوى الدولية إلى ضرورة التزام الحوثيين بقرار مجلس الأمن رقم 2216، واتجاه فرنسا تحديداً إلى التركيز على التهديدات التي توجهها الحركة إلى دول الجوار، والذي انعكس في تنديدها بإقدامها على إطلاق صاروخ باليستي على الرياض في الرابع من نوفمبر الماضي، وتأكيدها على أن ذلك يبرهن على وجود خطر من انتشار الصواريخ الباليستية على نطاق واسع في المنطقة، في إشارة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الذي ترفض إيران التوقف عن اتخاذ مزيد من الخطوات الخاصة بتطويره رغم تعارض ذلك مع الاتفاق النووي.

ملف كردستان

أما ثالثها فيتعلق بإعلان تلك الدعوة خلال زيارة رئيس إقليم كردستان إلى باريس، وهو ما دفع إيران أيضاً إلى الربط بينها وبين الجهود التي تبذلها بعض القوى الدولية من أجل تسوية الأزمة العالقة بين الإقليم والحكومة المركزية في بغداد، بعد الإجراءات التي اتخذتها الأخيرة من أجل منع تحويل نتائج الاستفتاء على استقلال الإقليم الذي أجرى في 25 سبتمبر الماضي إلى خطوات إجرائية على الأرض، بشكل قد لا يتوافق بالضرورة مع حسابات إيران والأطراف الأخرى، التي تتخذ سياستها المتشددة نفسها تجاه استقلال الإقليم، وفي مقدمتها تركيا والحكومة العراقية.