صنع من نفسه مؤسسة.. وطوّر أدواته رغم طوفان التغيرات السياسية

عشاق هيكل وخصومه يتفقون علــــى مكانته الاستثنائية في الصحافة العربية

صورة

ودّع صحافيون وإعلاميون وشخصيات عامة مصرية الصحافي العربي الأكثر شهرة في العالم محمد حسنين هيكل، بمشاعر تجمع بين افتقادهم الشخصي لمكانته في قلوبهم، وإحساسهم بالخسارة تثميناً لقيمته المهنية الصحافية والسياسية. واعتبر كثيرون أن قيمة هيكل الحقيقية، هي قدرته على تطوير ومواءمة نفسه عبر المراحل المختلفة، التي شهد فيها الوطن العربي تغيرات دراماتيكية، فيما شدد البعض الآخر على أن الخلاف مع هيكل لم يمنع حتى خصومه، من تقدير وزنه وتأثيره في الحياة السياسية والفكرية.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، وأحد مهندسي لجنة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي سابقاً، د. جهاد عودة لـ«الإمارات اليوم» إن «هيكل هو ابن مهنة الصحافة، الذي تجلت في تكوينه تأثيرات اكثر الروافد غنى وغزارة، وهي مدرستا محمد التابعي ومصطفى وعلي أمين، وهو بموهبته وقدراته الاستثنائية، استطاع أن يتلاقح معهما ليصيغ مدرسة ثالثة ملء السمع والبصر، اسمها مدرسة هيكل، حيث تمكن عبرها من ان يقدم لتلاميذه وجمهوره شيئاً جديداً متعلقاً باللغة المختلفة، وآخر متعلقاً بشكل المتابعة والتركيز على نقاط بعينها من الأحداث، وثالثاً له علاقة بقدرته على (تضفير) حوادث بعينها للانتهاء منها الى خط واضح». وتابع عودة ان «القول بأن هيكل صنعته قوى وأجهزة مردود عليه، فكثيرون واتتهم فرصة السفر الى حرب فلسطين عام 48 أو كوريا أو انقلابات سورية، لكنهم لم يستطيعوا ان يفعلوا مثله. هيكل استفاد من الفرصة، وهذا ليس عيباً بل ميزة للصحافي، وهو استفاد من وجوده الى جانب عبدالناصر، ومن معاصرته لـ23 يوليو، فصنع تاريخه».

هل تتحوّل «برقاش» إلى متحف لهيكل

تعتبر المزرعة التي كان يعيش فيها هيكل في «برقاش» مكاناً تاريخياً، حيث زاره فيها شخصيات مرموقة، كما انها تضم وثائق تاريخية منها يوميات جمال عبدالناصر في حرب 1948 وعليها نقطة من دمه، ومراسلات الزعيم مصطفى كامل مع السلطان العثماني.


هيكل راجع نعيه بنفسه

من أطرف المواقف التي رواها هيكل في لقائه مع إعلاميين مصريين رآهم أخيراً، أنه عندما زار بريطانيا في إحدى رحلاته ذهب الى صحيفة «الغارديان» فطلبوا منه أن يكون «رئيس تحرير ضيف» وهو تقليد سائد في الصحيفة، فرفض وقال لهم سألتقي بدلاً من ذلك الصحافيين وأناقش موضوعاتهم، فقدم له شاب صحافي تحت التمرين تقريراً، ولما قرأه هيكل ووجده عبارة عن سيرة حياته (حياة هيكل)، سأل الشاب ما هذا؟ فرد الشاب «هذا خبر نعيك المحتمل»، فلم يغضب هيكل وراجع النعي معه مصححاً بعض المعلومات البسيطة.

وشدد عودة على أن «هيكل أثبت بعد خروجه من الأهرام أنه قادر على تطوير نفسه، فدخل مرحلة جديدة حيث لا سلطة ولا مؤسسة تسانده، فاتجه الى تأليف الكتب، وتمكن عبر ذلك من مواصلة تأثيره حتى وفاته».

ونوه عودة بأنه «ليس هيكلي الهوى، ويرى أن للصحافي الراحل سلبياته، ومنها أنه كان لا يحب أن يكون معه احد في الصورة، لكن هذه السلبيات لا تنفي موهبته واستثنائيته وقدراته».

وقال الصحافي والمؤرخ والكاتب المصري، رئيس تحرير صحيفة «القاهرة» سابقاً صلاح عيسى لـ«الإمارات اليوم»، إن «هيكل كان جزءاً من الحركة الوطنية المصرية، وحتى رهانه في مطلع الخمسينات على الولايات المتحدة الأميركية، انما كان جزءاً من توجهات هذه الحركة التي توهمت أن اميركا مختلفة عن بريطانيا كاستعمار قديم، وأنها ستمد يدها لاحتضان اماني الشعوب بما في ذلك القضية الفلسطينية».

وتابع صلاح عيسى أن «توجه هيكل تجاه اليسار المصري هو انعكاس لتوجه الناصرية، ففي البداية راهن عبدالناصر على اميركا وصادم اليسار، فعبرت عن ذلك كتابات هيكل، وفي الستينات تبنى عبدالناصر خطه القومي المعادي للغرب وإسرائيل، فاتجه معه هيكل في المسار نفسه، وفتحت الأهرام صفحة الرأي لهذا التوجه، وأصدرت مجلة الطليعة برئاسة لطفي الخولي».

ونوه صلاح عيسى بأن «هناك قوى ناصرية ويسارية متطرفة، اتخذت موقفاً متشدداً من هيكل بسبب الصراعات التي شهدتها مرحلة ما بعد عبدالناصر، لكن يظل هيكل جزءاً من الحركة الوطنية التقدمية الناصرية».

وقال الكاتب الصحافي وعضو هيئة تحرير الوفد سابقاً علي ياسين لـ «الإمارات اليوم»: إن «هيكل كان مهموماً طوال حياته بعمل مشروع هيكل، بغض النظر عن التطورات السياسية والمهنية والصراعات الجارية، وإنه نجح في ذلك، وحين رحل اصبح هناك عنوان اسمه مؤسسة هيكل سواء اتفقت أو اختلفت معه».

وقالت الإعلامية لميس الحديدي، التي سجلت 35 حلقة مع هيكل على قناة «سي. بي. سي»: «اقتربت كثيراً من هيكل في الفترة الأخيرة، وإنه حين منع يوماً لم يحرمه المنع مواصلة حضوره، بل بقي راسخاً يقول (لا) حين تكون (لا) صعبة على الجميع، ويقول (نعم) حين تكون (نعم) صعبة على الجميع». وأضافت الحديدي «هيكل أملى على أبنائه مجموعة من الوصايا وردت في تسع صفحات، نصفها لزوجته ورفيقة عمره، وكبرياء هيكل دفعه الى أن يرفض أن يراه اصدقاؤه خلال مرضه، فكتب في وصيته رسائل سلام وتحية لمجموعة من أصدقائه ومن بينهم أنا».

وقال الإعلامي عماد الدين أديب «هيكل شخص متعدد، هو اشطر صحافي وأغلى صحافي عربي، وأفضل صحافي بمعنى الخبر. وهو الأرشيف والذاكرة».

وقال نقيب الصحافيين المصريين السابق مكرم محمد أحمد «عملت مع الأستاذ هيكل 24 سنة، ولولاه لما كنت، وأشهد أن الأستاذ هيكل صحافي فريد قل أن يتكرر مثله». وتابع «كان اكثر رؤساء التحرير عدلاً وموضوعية، ولا أعني انه كان النموذج الفج، لكن في المعايير الحقيقية لاحترام المهنة، كان نزيهاً ونظيفاً».

وكتبت هدى عبدالناصر، ابنة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، في مقال نشرته بالأهرام «عرفت هيكل وحرمه هدايت تيمور، عند زيارتنا الأولى ليوغسلافيا على ظهر الباخرة (الحرية، المحروسة سابقاً ولاحقاً) عام 1958، كان هيكل يلاطفنا كأطفال، ويتحدث معنا ويشاركنا الألعاب، بعد أن كنا (كأسرة عبدالناصر) رأيناه مراراً في منزلنا بمنشية البكري، وكانت هدايت تيمور اصغر سيدة في الرحلة، ووجدتني أنجذب الى حديثها وتعليقاتها». وتابعت هدى عبدالناصر أن اول ملاطفة لهيكل لي كطفلة كانت حين دار أول صنف للطعام على مائدة ملك اليونان فاعتذرت عنه، فقال لي لا ترفضي الصنف القادم فلا يوجد شيء بعد ذلك «فضحكت وعملت بنصيحته».

وتستطرد «كان هيكل أول من أخبر والدي بمعلومات عن زوجي حاتم صادق حين تقدم ليطلب يدي، وحين سألت والدي ألن تستوثق من أحد آخر، قال لا فأي معلومات أخرى ستستقى من بواب أو من يماثله».

وتواصل «فرحت وخفت يوم حضور هيكل مناقشتي للدكتوراه عام 1985 عن (الحركة الوطنية في مصر 1936-1952)، خفت لأنه (لا يعجبه العجب)، ولأن علي ان أتحسب لحضوره العلمي، علاوة على أساتذتي مشرفي الرسالة».

وتضيف «عندما كان هيكل يطلب والدي تليفونياً، كنا نخرج من الغرفة لأننا نعرف أن المكالمة ستطول. هيكل هو الذي اقترح المكان الذي دفن فيه والدي، وكان مسجداً تحت الإنشاء تملكه جمعية خيرية فأمر بالتعجيل في بنائه، وقد اختاره لأنه كان بجانب مبنى قيادة الجيش عام 1952، وتم القبض فيه على قادته وقت الملكية، وهو الذي اقترح مسار الجنازة، وهو الذي كتب بيده العبارة المدونة على قبر عبدالناصر (رجل عاش لأمته واستشهد في سبيلها)».

وقال مستشار رئيس الجمهورية السابق، د محمد سيف الدولة لـ«الإمارات اليوم»: «أبرز مواقف هيكل السياسية هو موقفه الرافض والمناهض حتى آخر يوم في حياته لاتفاقات كامب ديفيد، وأخواتها من اتفاقات التسوية العربية الإسرائيلية، وموقفه الصحافي الشجاع من اتفاقية فض الاشتباك الأول في 18 يناير 1974 حين انفرد بنشر خرائطها في الأهرام، وما تضمنته من قبول السادات بانسحاب القوات المصرية التي عبرت في غرب القناة وإعادتها مرة أخرى للشرق، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من الغرب الى الشرق وإنهاء الثغرة، ما كان سبباً في إقالته من رئاسة تحرير الأهرام في 2 فبراير 1974، ومقدمة لاعتقاله والتحفظ عليه في سبتمبر 1981».

طباعة