خوفاً من قدراته الكبيرة وحنكته

الكرملين وبوتين يهمشان لافـــروف للتفرّد بالسياسة الخارجية

صورة

لايزال وزير الخارجية الروسي المخضرم سيرغي لافروف يحظى بشيء من عبادة الفرد في وطنه، كما كان سائداً في الأيام الخوالي عندما كان لافروف، على حد تعبير سفير أميركي سابق، «يلف الحلقات حولنا في مجالات متعددة الأطراف». ولكن في قمة الأمن التي انعقدت في ميونيخ أخيراً، بدا عدم الارتياح واضحاً على وجه لافروف، وواجه صيحات الاستهجان والاستهزاء والسخرية، أثناء محاولته تسويق السياسة الروسية في أوكرانيا للعالم. ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعامل بها البعض مع لافروف بهذا الشكل الساخر، فقد اقترح رئيس راديو أوروبا الحرة، المحلل الروسي برايان وايتمور، في يناير الماضي، أنه يمكن للافروف العمل في مهنة كوميديان، أو كاتب قصص خيالية عندما يتقاعد. (يكتب لافروف بالفعل الشعر، وهو على ما يبدو ألّف بعض الكوميديا).

 

وسام الاستحقاق

منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير خارجيته سيرغي لافروف وسام «الاستحقاق الوطني» من الدرجة الأولى. وصدر مرسوم رئاسي روسي في 14 مارس 2015 جاء فيه أن «لافروف حصل على الوسام لإنجازاته البارزة في تنفيذ السياسة الخارجية لروسيا، ولنشاطه الدبلوماسي المثمر على مدى سنوات طويلة».

يُذكر أن الرئيس بوتين قد وقع على هذا المرسوم في 21 من الشهر نفسه، أي في يوم عيد ميلاد لافروف الـ65.

كيف يحدث مثل ذلك لدبلوماسي بارع؟ فقد ظل لافروف وزيراً للخارجية منذ عام 2004، وكان ممثل موسكو لدى الأمم المتحدة لمدة 10 سنوات قبل ذلك، وقد نال الإشادة طوال حياته المهنية لمواهبه التي تتمثل في إتقانه لغات عدة، وأنه فوق ذلك يتحدث السنهالية بطلاقة، وشهد نظراؤه في مناسبات عدة بمواهبه الهائلة. ولخصه أحد المسؤولين بالأمم المتحدة عام 2007 بقوله إنه «الشخصية الأكثر نفوذاً في مجلس الأمن، فهو يتمتع بتفكيره السريع، ومعرفته الشاملة، ووعيه الدقيق بما يجري في العالم، مع قدرة على التدخل بحيث يستطيع بسهولة تغيير مسار الجدل»، ولاتزال وزارة الشؤون الخارجية الروسية هي إقطاعيته التي لا ينازعه حولها أحد، لكنه يبدو داخل الكرملين في الوقت الراهن شخصية هامشية في أحسن الأحوال.

ويمكننا القول إن لافروف هو مجرد ضحية أخرى من ضحايا مواقف الكرملين الحالية حيال المهنيين في الحكومة، فمنذ عودته للرئاسة في عام 2012، أحاطه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدوائر أضيق وأضيق من الأصدقاء والمقربين، بينما عمل على تهميش أولئك الذين قضوا سنوات في إدارة البلاد، وظل على نحو متزايد لا يحكم من الكرملين، ولكن من قصره في أودينتسوفو، خارج موسكو. وهكذا نجد في روسيا اليوم أن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، لم يكن جزءاً من المناقشات النهائية حول الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، كما أن محافظة البنك المركزي الفيرا نابيولينا تناضل من أجل الحصول على جدول بوتين، وأن وظيفة لافروف على نحو متزايد لا تتمثل في صياغة السياسة الخارجية الروسية، وإنما أضحت مجرد مهنة تسويقية لهذه السياسة.

ولكن في الوقت الذي يبدد بوتين مواهب لافروف، يعاني موقف موسكو الدولي الأمرين، كلما أصبحت طموحات بوتين الجيوسياسية واضحة، ولا تنطوي على عقد صداقة مع الغرب، فإنه ـ أي بوتين ـ يعبر عن إحباطه بإساءة فهم روسيا.

وفي حين تشق موسكو طريقها بالنار لتجلس على مقعد سورية على طاولة الحوار، فإنها أحست أيضاً بحدود استخدام القوة، وبقيت في ظل العقوبات الاقتصادية، ووجدت نفسها في مواجهة مع تركيا، وكانت حتى وقت قريب حليفاً لها، واكتشفت موسكو أيضاً أن الصين لا تهتم كثيراً بالتحالف الروسي معها، مثلما هي مهتمة بالطاقة الروسية الرخيصة. وفي الوقت نفسه، فإن روسيا صارت أقل شعبية في العالم أكثر من أي وقت مضى.

كان لافروف ذات مرة ذلك الشخص القوي المرن، فعندما زارت وزيرة الخارجية النمساوية السابقة، أورسولا بلاسنيك، موسكو لأول مرة، حياها، على سبيل المثال، تحية رومانسية في مقهى بوشكين، مع باقة من الورود الصفراء، لكنه في الوقت نفسه جاء بفعل قاطع، أكسبه حب زملائه والشعب الروسي، عندما انتهر آنذاك وزير الخارجية البريطاني السابق، ديفيد ميليباند في عام 2008، قائلاً له «لا تقدم لي النصائح»، فقد زعمت لندن وقتها أن لافروف تفوّه بالكثير من الشتائم، وكان من عادة الرجل أن يتمتم بألفاظ جارحة أمام الكثير من المسؤولين الكبار، حيث يعتقد العامة والكثير من أفراد السلك الدبلوماسي، أن هذه ميزة وليست نقيصة، فقد أخبرني - الحديث للكاتب - ملحق غربي في موسكو، أن «لافروف يمكن أن يكون زخة منعشة من الهواء النقي، وأنه عندما يكون في أفضل حالاته، لا تعرف ما اذا كان سيكرمك أم يهينك».

عندما تشاهده الآن، فكأنما تشاهد صورة كاريكاتيرية ثنائية الأبعاد للافروف القديم. أصبح تألقه مجرد صقيع جامد، والذكاء الحاد أصبح يبدو كشيء من الانفعال، فعندما تكهن وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، بأن هناك فرصة 51٪ لصمود وقف إطلاق النار في سورية، قدر لافروف بأن روسيا ترى بأن هناك 49٪، ويبدو هذا ببساطة أمراً فجاً، لا ينم عن البراعة، كما هو مفترض من رجل مثل لافروف.

وهذا يعود جزئياً، مقارنة بالماضي، إلى أن لافروف لديه القليل من الأخبار الجيدة، وقليل من العظام التي يرميها، ويرى أن من المستحسن تغيير الجو في غرفة الاجتماع ببعض التنازلات، وهو تقليد درج عليه السوفييت في ما مضى، مثل اطلاق سراح بعض المعارضين من السجن، أو تخفيف بعض القيود المفروضة على المجتمع المدني، ولكن يبدو أن هذا الكرملين ليس مهتماً حتى بأقل بادرة من حسن النية، فهو ينظر الى القسوة كفضيلة، سواء كان ذلك بقصف المستشفيات السورية، أو الرد على إدانة أفعال روسيا في أوكرانيا، من خلال الطلب من الامم المتحدة إدانة القصف البريطاني للمدن اليمنية عام 1946.

ولكن يبدو أن السلوك الضعيف الذي يبديه لافروف حالياً، يعكس أيضاً وعيه التام، كما صرح بذلك أحد المطلعين على الخفايا بوزارة الخارجية الروسية، بأنه أصبح اليوم مجرد ممثل في مسرحية لا يرغب أحد في مشاهدتها. وأصبح واضحاً داخل الوزارة أن كلاً من لافروف ووزارة الخارجية نفسها يلعبان دوراً في مجال رسم السياسات الفعلية، يتقلص بشكل متزايد، وبدلاً من أن يطلب منهما المساهمة والتوجيه وتبادل الأفكار، صار وجودهما هناك لغرض تسويق السياسات اليومية، وهي وظيفة تنطوي على قدر متزايد من الكذب المحبط، والسخيف حقاً. ويقول أحد المطلعين على بواطن الأمور في وزارة الخارجية، «لو كان لافروف قد استدعي الى غرفة الاجتماع في وقت سابق بشـأن شبه جزيرة القرم، لكنا تمكنا من حل الاشكال على نحو أفضل، وربما بقينا على مبعدة من أوكرانيا» ويتساءل «لماذا؟»، ويجيب قائلاً «لأن لافروف يعلم أن الأوكرانيين كانوا في طريقهم لإفساد الأمور بأنفسهم، بدلاً من أن نكون نحن الشماعة التي يعلقون عليها أعذارهم؟».

ويظل لافروف مشغولاً أكثر من أي وقت مضى، وحيث إنه وزير للخارجية، فقد ظل يسافر ما يقرب من 83 مرة حول العالم، لكنه يشعر في بعض الأحيان بأنه ينحسر وجودياً، ربما لأنه يشعر بشكل واضح بعدم علاقته بسلطة صناعة القرار أكثر من أي وقت مضى. وربما تعاطف معه وزير الخارجية الاميركي جون كيري، إذ كان لافتاً أن النقاط التي استطاع الرجلان الاتفاق عليها بشأن أوكرانيا خلال المفاوضات الأخيرة، على سبيل المثال، كانت بفضل مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الاوروبية، والأوروبية - الآسيوية، فيكتوريا نولاند، التي تتمتع بخط اتصال مباشر مع البيت الأبيض، وفلاديسلاف سوركوف مساعد بوتين. وأن حقيقة كون لافروف شخصية أكثر أهمية في المفاوضات السورية، لا تشير إلى أي انتعاش في سلطات الرجل، وبدلاً من ذلك فإن المفارقة المأساوية تكمن في أن الكرملين لا يتوقع، ولا يرغب بالضرورة في أن تحقق تلك المفاوضات النجاح.

مارك غاليوتي  أستاذ للشؤون الدولية بمركز نيويورك للشؤون الدولية التابع لجامعة نيويورك.

تويتر