‬4.5 ملايين نازح ولاجئ.. ومليون قتيل بين المدنيين

بوش وبلير دمرا العراق وأفلتا من العقاب

بوش وبلير استندا إلى حزمة من الادعاءات والأكاذيب لتبرير غزو العراق. غيتي

في الـ‬19 من مارس ‬2003، غزا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش العراق، بمساعدة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، مستندين الى حزمة من الادعاءات والاكاذيب التي رددتها عصابة من المحافظين الجدد في إدارة بوش لتضليل الشعب الاميركي والامم المتحدة.

وأبدى وزير الخارجية الأميركي، حينذاك، كولن باول، أسفه لاستغلاله من جانب ادارة بوش لخداع الامم المتحدة بمعلومات استخبارية مزورة زودته بها إدارتا «بوش ـ بلير»، مع العلم انهما كانتا على علم مسبق بأنها كاذبة. لكن وسائل الاعلام التابعة لإدارة بوش، «التي تتسم بالدناءة»، لم تعتذر للشعب الاميركي عن مسايرتها تلك الادارة وخدمتها في الدعاية لأغراضها وترويج مزاعمها.

وفي واقع الحال، فإنه يصعب علينا تمييز ايهما الأكثر فساداً وجدارة بالازدراء، أهي إدارة بوش أم ادارة (الرئيس الأميركي) باراك أوباما، التي ترفض محاكمة اعضاء إدارة بوش على ما ارتكبوه من جرائم حرب وجرائم ضد الدستور والقوانين الاميركية وجرائم أخرى ضد الانسانية.

وفي كتابه «ثقافات الحرب»، يلاحظ المؤرخ الاميركي جون دوير «أن اعمال الحرب التي أطلقها اليابانيون في القرن الـ‬20 واطلقتها ادارة بوش في القرن الـ‬21 دفعت المؤرخين والمحللين الى التسابق للمقارنة بين جرائم الحرب الواضحة والصريحة من قتل وخطف وتعذيب واحتجاز وغيرها من التجاوزات، ما ترك نقطة سوداء على شرف اليابان والولايات المتحدة، وسمعة كل منهما، وأن الامر يستغرق وقتاً طويلاً لإزالة الضرر». كما ان مخططي الحرب في إدارة بوش كانوا محظوظين بأن تمكنوا من الافلات من تحقيقات جدية قد تعرضهم للمساءلة والملاحقة القضائية مقارنة بما تعرض له اليابانيون والألمان عقب الحرب العالمية الثانية.

ودفع الأميركيون مبالغ طائلة في حرب جلبت لهم العار، حيث قدر الخبيران الاقتصاديان جوزيف ستيغليتز وليندا بيلمز تكلفة حرب العرق لدافع الضرائب الاميركي أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، وأن هذا الرقم قد يتضاعف حال تصفية آثار هذه الحرب كاملة. وفي واقع الحال فإن معظم هذه الاموال ذهبت الى جيوب قادة وأعضاء اللوبي الذي يمثل تجمعاً ضخماً لمصالح أمنية واستخباراتية وعسكرية ليبقى الاميركيون عرضة للانكشاف في الامن والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. وبالنسبة للتكلفة الانسانية لعار حرب العراق تحويل ‬4.5 ملايين عراقي الى نازحين ولاجئين داخل العراق وخارجه، إضافة الى سقوط مليون قتيل بين المدنيين، ما خلف أعداداً هائلة من الأرامل واليتامى، إلى جانب اضطرار أعداد ضخمة من المهنيين لمغادرة العراق بحثاً عن حياة أكثر أمنا واستقراراً. حقا انها نكتة سمجة وغير مضحكة القول ان إدارة بوش جلبت الحرية والديمقراطية الى العراق، لانها في واقع الحال جلبت اليه الموت والدمار.

وهناك ثمن إنساني باهظ دفعه العراقيون لهذه الحرب حيث الاعداد الكبيرة من الأرامل والأبناء بلا آباء أو أمهات، ومواليد يعانون التشوهات والاعاقات بسبب آثار قذائف اليورانيوم المنضب، ومياه شرب ملوثة، وشعب بلا أمل غارق في حرب طائفية.

ولم تخف حكومات واشنطن ولندن وأخرى في أوروبا وفي الشرق الاوسط ابتهاجها بتحقيق النصر، لكن النصر على ماذا؟ وعلى أي خطر او تهديد؟

وفي الواقع لم يكن هناك خطر او تهديد، فمسألة اسلحة الدمار الشامل تبين انها أكذوبة وخدعة دعائية، وهذا يثير تساؤلات حول مدى جهل الاميركيين وغيرهم من شعوب الغرب وسهولة سقوطهم فريسة لهكذا نوع من الدعاية، كأنه ليست هناك استخبارات ومعلومات امنية واستخبارية في الدول الغربية.

وفي احد المؤتمرات حديثا، قال المشاركون ان المحافظين الجدد مسؤولون عن موت الملايين وتدمير حياة ملايين آخرين، واهدار تريليونات الدولارات على حروبهم، حيث تراكمت ضمن الدين الوطني العام، وبينما تسعى واشنطن الى «إدراك الشر لتقتله»، فان هذا الشر «كامن فيها نفسها».

وبعد ان نجح مخططو تلك الحرب ومدبروها في الافلات من المحاسبة والملاحقة يقوم معظمهم بجولات وزيارات يتلقون خلالها مبالغ كبيرة بعد إلقاء خطابات عن الديمقراطية والحرية والاصلاح التي يقوم الاميركيون بنقلها الى دول العالم وشعوبها عن طريق الغزو والحروب والقصف والقتل. ولم تتوقف وزارة الخارجية الاميركية حتى الآن عن ملاحقة مجرمي الحرب النازيين واصطيادهم، بينما لم تقم باعتقال أي من مجرمي الحرب الاميركيين وتسليمهم الى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وقتل ‬4801 عسكري اميركي في حرب العراق، وأصيب الآلاف، إضافة الى الامراض والاضطرابات النفسية التي اصابت الكثير من الجنود الاميركيين نتيجة قتلهم ابرياء ومدنيين وتعرضت حياتهم الزوجية للانهيار والدمار. وبلغ الامر في اميركا أن أي اميركي لديه ضمير اخلاقي أصبح عدوا للدولة والحكومة، ومحاكمة الجندي الاميركي برادلي مانينغ اكبر دليل على هذه الحقيقة. ويظهر شريط فيديو لمانينغ بثه موقع «ويكيليكس»، ان الجنود الاميركيين لم يكونوا يقيمون أي وزن ولم يعطوا أي اهمية للاشخاص الذين كانوا يقتلونهم في العراق مدنيين كانوا او صحافيين او اطفالاً او نساء لم يرتكبوا اية جريمة باستثناء سيرهم بسلام في الشوارع.

لقد عانى الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون والايرانيون والصوماليون واليمنيون كثيرا آثار السياسة الاميركية وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة، فلماذا كل هذه الاعتداءات على المسلمين؟

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واختفائه من خريطة العالم ظلت واشنطن بحاجة الى عدو للابقاء على فاعلية لوبي تحالف المصالح الامنية والاستخبارية والعسكرية، وتدفق الاموال الى جيوب قادته واعضائه فكان لابد من ايجاد عدو جديد لاميركا والغرب، وهم المسلمون خصوصاً في الشرق الاوسط، كما اتفق المحافظون الجدد الذين ربما كان نفوذهم مستمراً في إدارة أوباما.

وقد قابل المسلمون السياسة الاميركية بشعور متزايد من الكراهية والنفور تخالطه هجمات واعمال عنف ردت عليها واشنطن بإعلان «الحرب على الارهاب». وسيكون القرن الـ‬21 واحدا من أسوأ القرون في تاريخ الانسانية، لانه يشهد موت الحرية، نعم فإرث الحرب على الارهاب يعني موت الحرية.

بول كريغ روبرتس كاتب ومحلل سياسي أميركي

 

تويتر