تصفية حسابات تطال العسكريين والسياسيين معاً

صراع لإقصاء «الإخوان» وأنصار القذافي عن الانتخابات

الثوار الليبيون مازالوا يتمسكون بأسلحتهم في ظل نوع من عدم الثقة بالعملية السياسية. غيتي

بعد أقل من أسبوعين من الآن سيذهب الليبيون إلى مراكز الاقتراع، وسيكون أول انتخاب من نوعه في ليبيا، لكنه ليس الأول في البلاد، فقد كانت جماهيرية (الزعيم الليبي السابق معمر) القذافي تنظم الانتخابات كحيلة من أجل اللامركزية ولكنها في الحقيقة من أجل المركزية. أما هذه الانتخابات الجديدة ستكون مشحونة بالقلق والمخاطر، لأن الظروف الاجتماعية والسياسية لم تتهيأ بعد لممارسة الديمقراطية الحقيقية في البلاد، ويقيم مستشارو الديمقراطية الأميركيين في فندق ريكسوس في محاولة منهم لتوجيه دفة البلاد نحو الديمقراطية وتقديم نصائحهم الحكيمة عن الانتخابات.

جزء من نصيحتهم يتمثل في التخلي عن الأحزاب وفتح الفرصة أمام المرشحين المستقلين، وهذا يعني التخلي عن الآلية القوية الوحيدة التي تستطيع خلق مجتمع سياسي قوي واستبدالها بآلية تصنع رجال أقوياء بدلاً من تلك الأحزاب. ويبدو أن الإخوان المسلمين هم الهدف من هذه الآلية التي أغضبتهم ومناصريهم القطريين. وظهرت الكثير من الأقاويل التي تدعي بأن هذه الانتخابات «انتقائية» تفضل شتات العناصر الليبرالية الجديدة في المنفى على المقاتلين الذين أراقوا دماءهم منذ تسعينات القرن الماضي في مقاومة نظام القذافي.

في الثالث من هذا الشهر تم اعتقال قائد كتيبة الأوفياء من مدينة ترهونة، أبوعجيلة الحبشي. وقال اول تقرير نشرته صحيفة «قورينا» الليبية الصادرة في بنغازي في هذا الموضوع، إنه تم اختطافه خلال توجهه الى مطار طرابلس، وفي ما بعد اعلنت السلطات الليبية أن الحبشي قد تم اعتقاله ولم توضح السلطات اسباب الاعتقال.

ترهونة مدينة هادئة تقع الى الجنوب الشرقي من طرابلس، ويناصر الزعيم الليبي السابق بعضا من نخبة المدينة وكانت له علاقات لصيقة مع زعامة ترهونة القبلية، ومن صفوف هذه الزعامة خرج أبوعجيلة الحبشي على نظام القذافي في الاسابيع الاولى من الثورة عام ،2011 وبضغوط من أقاربه فر الحبشي الى تونس ليعود الى ليبيا عبر مصر. وفي بنغازي شكل «كتيبة الأوفياء» التي ظلت تقاتل على طول طريق البحر الابيض المتوسط تحت غطاء وفرته له دول حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ويبدو أن الحبشي لم يتم اختطافه، وإنما اعتقلته السلطات، وبما أن كتيبته لم تحصل على مبرر لاعتقاله فقد احتلت مطار طرابلس الاثنين الماضي، وليست تلك هي المرة الاولى التي يتم فيها استخدام المطار كمخلب في خضم السعي للسيطرة على السلطة، ففي ديسمبر 2011 اغلقت قوات الجنرال خليفة حفتر- الملقب بالليبي الاميركي- الطريق المؤدي الى المطار، بعد أن اطلق رجل مجهول النار على سيارته في احدى نقاط التفتيش، وفي ذلك الوقت ألقت السلطات العسكرية باللوم على ثوار الزنتان، فقام الجيش بقصف مواقعهم، وكان المطار نفسه تحت سيطرة ثوار الزنتان حتى ابريل الماضي الى أن تولت السيطرة عليه القوات الحكومية. واستطاعت «كتيبة الأوفياء» السيطرة على المطار لبضع ساعات الى حين وصول القوات المسلحة لاسترداده بعد تبادل النار مع الكتيبة.

وتخبرنا ترهونة الكثير عن الوضع الهش للسياسة الليبية، فهذه المدينة منقسمة في ولاءاتها، حيث ظل القسم الأكبر منها على ولائه للقذافي، ولم يجد مجالاً للتعبير عن ولائه في المجال السياسي، وبما أن السلطات منعت تمجيد القذافي، وحرمت الذين مجدوه خلال سنواته الـ40 في الحكم أي منصب، فقد شمل الحرمان هذا الجزء الكبير من سكان المدينة. ففي ابريل الماضي فشلت محاولة لاغتيال نائب رئيس ترهونة العسكري، العقيد عبدالله حسين وزميله العقيد سالم سوسي، وفي مايو عندما حاول ثوار مصراتة الذهاب الى بني وليد لطرد الميليشيات الموالية للقذافي أغلقت قوات مسلحة من ترهونة عليهم الطريق.

أخيراً تحدث الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني الانتقالي، محمد الحريزي، في مؤتمر صحافي بثه التلفزيون مبرراً اعتقال الحبشي بأنه كان يقود مركبات عسكرية من دون إذن، ولايزال مستقبله غامضاً.

اموال النفط الأسود تذهب الى خزائن لا يعرف الشعب الليبي عنها شيئاً، ويفترض الوضع الراهن في ليبيا ان يتم منح عقود النفط اولا لدول الناتو التي تقف في اول الصف، وهناك الكثير من المخاطر التي تعتري مصالح أميركا وحلفائها الاوربيين والليبراليين الليبيين الجدد الذين يقودون المجلس الوطني الانتقالي، كما أن اعتبارات الجغرافيا السياسية تمنع آراء الليبيين من الظهور للسطح وإن تحريم الاحزاب السياسية جزء من هذا الحرمان، وأي عفو شامل يتم منحه للثوار يعني أن ضحاياهم يشعرون كالغرباء في بلادهم في الوقت الذي يتمسك فيه الثوار بأسلحتهم النارية، وهذا العفو يغطي ايضاً رفض «الناتو» أي تقييم بشأن قصفه لليبيا. اختفى الحبشي في غياهب السجون الليبية لينضم الى 7000 معتقل آخرين لم يمثلوا بعد أمام المحاكم ويقفون على الجانب الآخر من الخط الذي رسمته السلطات الليبية، فالذين يقفون في الجزء الخاص بالحكومة هم الخيرون، أما الذين يقفون على الجانب المقابل منها فهم الأشرار.

فيجي برساد - كاتب مهتم بقضايا الشرق الأوسط

طباعة